"مجموعة الأزمات" توصي واشنطن بإعادة النظر في تصنيف "تحرير الشام"

تاريخ النشر: 05.02.2021 | 15:23 دمشق

كرايسيز غروب- ترجمة: ربى خدام الجامع

أوصت "مجموعة الأزمات الدولية" الإدارة الأميركية الجديدة بإعادة النظر "في نهجها المتبع حيال إدلب" وتصنيف هيئة تحرير الشام كتنظيم إرهابي، وذلك بهدف الحفاظ على وقف إطلاق النار وتخفيف الأزمة الإنسانية الحاصلة في إدلب. وأشارت المجموعة إلى جملة التغييرات التي أقدمت عليها الهيئة منذ انفصالها عن تنظيم القاعدة.

المجموعة نفسها أجرت في كانون الثاني من العام الفائت مقابلة مع أبي محمد الجولاني قائد "تحرير الشام".

فيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا للتقرير الصادر عن مجموعة الأزمات يوم الأربعاء الفائت: 

 

أمام واشنطن فرصة لإعادة رسم تصوراتها حيال مكافحة الإرهاب في إدلب

إذا كانت إدارة بايدن تتطلع لتصحيح السياسة الخارجية التي تعسكرت على نحو مفرط، فثمة فرصة تلوح في إدلب لإعادة رسم وتحديد استراتيجية محاربة الإرهاب الأميركية، بما أن إدلب تمثل منطقة سبق أن وصفها مسؤولون أميركيون بأنها: "أكبر ملاذ آمن لتنظيم القاعدة منذ أحداث 11 سبتمبر". بيد أن تلك المحافظة السورية الواقعة شمال غرب البلاد لم تعد كذلك، لأسباب سنشرحها لاحقاً. ولكن من نواح أخرى، بقيت تلك المحافظة على حالها طوال فترة طويلة من الحرب السورية، فقد تحولت إلى ملجأ مكتظ يؤوي ثلاثة ملايين مدني، ومسرحاً لكارثة إنسانية تلوح في الأفق، وآخر معقل لمجموعات الثوار السوريين. كما أن مصيرها قد يصبح محورياً أيضاً بالنسبة لمستقبل السياسة الأميركية تجاه العسكرة الإسلامية في المنطقة.

ثم إن التهديدات في إدلب باتت معروفة، ففي عام 2019، صعّد النظام السوري بدعم من الطيران الحربي الروسي من هجماته العسكرية التي استهدفت قوات الثوار، فقتل بسببها ما لا يقل عن 1600 مدني، وأدت إلى نزوح 1.4 مليون آخرين من بيوتهم. ثم سرى وقف إطلاق النار الذي أبرم بين روسيا وتركيا لمدة عشرة أشهر. وفي حال انهياره، يمكن للنظام أن يشن حملة عسكرية أخرى قد تسفر عن ضحايا كثر بين صفوف المدنيين ناهيك عن تشريد مئات الآلاف ونزوحهم إلى الحدود التركية وما بعدها إن أمكن، مع تشتيت المتمردين ضمن مساحات أوسع وأبعد. أي بمعنى أصح، يمكن للنزاع في سوريا الذي ينحصر اليوم ضمن إطار مواجهة مضطربة، أن يعود إلى الواجهة من جديد ليصبح واسطة عقد حالة عدم الاستقرار على المستوى الدولي.

بيد أن هذا الوضع الذي لا يمكن أن يحدث ما هو أسوأ منه ليس بالأمر المحتوم، لكنه مايزال مطروحاً وممكناً، فقد أوجد التوسع العسكري للدور التركي بإدلب على مدار العام المنصرم فسحة من الوقت. في حين كسرت هيئة تحرير الشام (هتش)، وهي فرع سابق من فروع تنظيم القاعدة وتعتبر الجماعة الثورية المسيطرة على إدلب اليوم، تلك الشبكات الجهادية العابرة للحدود، وأخذت تسعى اليوم للانضواء تحت لواء المشاركة السياسية في مستقبل سوريا. ونظرياً، يجب لهذا التطور أن يفتح الفرص أمام تجنب حالة تجدد العنف.

أما عملياً، فإن استمرار وضع هيئة تحرير الشام ضمن قائمة المنظمات "الإرهابية" (كما تم تصنيفها من قبل الولايات المتحدة وروسيا ومجلس الأمن الدولي وتركيا)، يضع عقبة كبرى أمام كل ذلك. لأن هذا التصنيف يؤثر سلباً في الدعم الغربي لعملية تقديم الخدمات الأساسية في إدلب، مما يزيد وضع الأزمة الإنسانية سوءاً، كما حال ذلك دون عقد مناقشات مع هيئة تحرير الشام نفسها حول سلوكها وتصرفاتها ومستقبل المنطقة التي تسيطر عليها، بما أن الدول الغربية والأمم المتحدة تتجنب جميعها التواصل معها بشكل كامل، في حين تكتفي تركيا بالحد الأدنى من التواصل اللازم لتسهيل وجودها العسكري في إدلب. أي أن غياب المشاركة يقوض اتفاق وقف إطلاق النار، ويمنع القوى الخارجية من الضغط على هيئة تحرير الشام لتقوم باتخاذ المزيد من الخطوات البناءة.

وثمة حاجة ماسة للأفكار الإبداعية حول طريقة مناسبة للإبقاء على حالة الهدوء الهش، ويشمل ذلك معالجة مشكلة وضع هيئة تحرير الشام بشكل غير مباشر. لكنه من الصعب أن نتخيل تلك الأفكار وهي تصدر عن عناصر فاعلة تنشط في شمال غرب سوريا: حيث ترفض أنقرة التعامل بشكل دبلوماسي مع هيئة تحرير الشام (مع غياب الدعم الدولي)، فيما تفضل كل من موسكو ودمشق تحقيق انتصار عسكري واضح وصريح على تلك الجماعة، أما هيئة تحرير الشام نفسها فتركز على الذود عن إدلب ضد أي تقدم آخر للنظام. أي أن هناك فراغاً سياسياً، وواشنطن هي الأنسب لملء هذا الفراغ.

إذن، يتعين على إدارة واشنطن أن تتعاون مع حلفائها الأوروبيين ومع تركيا للضغط على هيئة تحرير الشام حتى تتخذ إجراء من شأنه معالجة المخاوف المحلية والدولية الكبرى، إلى جانب تحديد نقاط علام واضحة والتي يمكنها (في حال تحديدها وتلبيتها) أن تساعد هيئة تحرير الشام في إسقاط صفة الإرهاب عنها.

وعبر القيام بذلك، يمكن للولايات المتحدة أن تحد من خطر تفجر العنف في شمال غرب سوريا، في حين تقوم في الوقت ذاته بمواجهة التحديات الأخرى التي تتعرض لها السياسة هناك. إذ عبر التعاون مع أنقرة في هذا الموضوع الذي يقلق الطرفين، يمكن لواشنطن أن تحسن من علاقاتها التي توترت مع دولة عضو مهمة في حلف شمال الأطلسي، كما يمكن لإدارة بايدن أن تقيم نهجاً جديداً لمكافحة الإرهاب يعطي أهمية للأدوات الدبلوماسية كأهمية السبل العسكرية. ولابد وأن تكون قيمة ذلك النهج أكبر وأوسع، إذ بوسعه أن يحدد شكل خارطة الطريق بالنسبة للجماعات الأخرى التي توجد اليوم في ساحات المعارك والتي سبق أن صنفت على أنها إرهابية، ولكنها أبدت استعدادها للتخلي عن سعيها وراء الأجندات العابرة للحدود وشن الهجمات على المدنيين، وغير ذلك من المعايير الأخرى.

الحالة بالنسبة للمشاركة الأميركية

حتى الآن، تجنب المسؤولون الأميركيون بشكل كبير التدخل بالتحديات السياسية التي تطرحها إدلب، في حين تستمر المساعدات الإنسانية الأميركية، وكذلك الغارات بطائرات بدون طيار التي تنفذ من حين لآخر لتستهدف شخصيات بحجة أنها مرتبطة بتنظيم القاعدة، ومتحالفة مع الأعداء الجهاديين في هيئة تحرير الشام، تلك الفكرة التي تروج بين الأوساط السياسية في واشنطن، والتي تدور حول عدم وجود الكثير الذي بوسع الولايات المتحدة القيام به أو يتعين عليها أن تقوم به لمواجهة خطر تجدد التصعيد العسكري هناك. وفي الوقت الذي يمكن لنا تفهم هذه النتيجة، إلا أننا لا يمكننا أن نصفها إلا بالقاصرة، كونها تقوم على ثلاث فرضيات، أولها أن استعادة النظام لإدلب عسكرياً شيء محبب بالنسبة لمكافحة الإرهاب، وبأن هذه الاستعادة حتمية على أية حال، وإلا، وبما أن تركيا قد تدخلت بما فيه الكفاية في إدلب، فقد بات بوسعها وقف هجمات النظام ومعالجة معضلة هيئة تحرير الشام بمفردها، دون مساعدة من قبل الولايات المتحدة. بيد أن كل هذه الفرضيات الثلاث خاطئة، والأولى هي التي يسهل دحضها بصورة أكبر، إذ بكل بساطة، في حال قيام حملة عسكرية كبرى من قبل النظام، لابد وأن تتفاقم التحديات التي تتصل بمكافحة الإرهاب بشكل كبير. وذلك لأن الهدوء الذي أوجده اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقع في آذار من عام 2020 أعطى المجال والدوافع لهيئة تحرير الشام لتزيد من قمعها للجهاديين الأجانب، ولتقوم بمطاردة فلول خلايا تنظيم الدولة، ولإخصاء فصيل حراس الدين المرتبط بتنظيم القاعدة. وطالما بقيت هيئة تحرير الشام تحكم إدلب، التي تعتبر أولى أولوياتها حسبما أعلنت، فسيكون لديها سبب وجيه لقمع العناصر التي تعارض وقف إطلاق النار، وإلا فلابد لذلك أن يهدد حالة الاستقرار المحلية. بيد أن تجدد هجمات النظام لابد وأن تحد من قدرة هيئة تحرير الشام على مواصلة تلك الجهود، وذلك لأن أولويتها ستصبح عند ذلك تعتمد على حشد كل ما يتوفر من مقاتلين لديها للدفاع عن إدلب.

والأهم من ذلك هو أنه في حال تقدم قوات النظام ودخولها لمحافظة إدلب، عندها لابد وأن تدفع تلك الحملة العسكرية الثوار في إدلب إلى تغيير طريقتهم من أسلوب الدفاع عن المنطقة إلى أسلوب حرب العصابات، وبالتالي لابد لذلك أن يضفي أهمية جديدة على شخصيات رفيعة ضمن تنظيم القاعدة والمجموعات التابعة له، والتي ظلت تنتقد هيئة تحرير الشام خلال فترة طويلة وذلك بسبب أولويتها في السيطرة على إدلب وتفضيلها لذلك على مقارعة النظام، وكذلك لتخليها عن قضية الجهاد العابر للحدود. وهكذا، وبدلاً من إنهاء الحرب، من المحتمل أن يفتتح أي تقدم للنظام مرحلة جديدة من التمرد الذي سيظهر ضمن مساحات غير خاضعة للسيطرة، بما أن قوات النظام المنهكة أصلاً لم تعد قادرة على السيطرة على المناطق الجبلية الحدودية التابعة لإدلب، والتي كانت أول من خرج عن سيطرة النظام في عام 2012، وظلت الملاذ للكثير من معارضيه الذين كرسوا أنفسهم لمناهضته.

وبالنسبة للفرضية الثانية والثالثة، فإن الوضع ليس بميؤوس منه كما يحاول القدريون المتشائمون تصويره، ولا بمستقر وثابت كما يحاول المتفائلون أن يرسموه. كما أن شن المزيد من الهجمات وسيطرة النظام على المنطقة ليست بالشيء المحتوم، ثم إن دور تركيا في إدلب قد يفتح الباب أمام احتمال بقاء الهدوء واستمراره في شمال غرب سوريا. إذ بوجود نحو أربعة ملايين لاجئ سوري في تركيا، ومع ظهور حالة من السخط بين أوساط الشعب التركي وما يرافق ذلك من تزايد في الأعباء، تقوم أنقرة بمعالجة خطر تقدم النظام أكثر على أنه تهديد كبير يقلق أمنها القومي، وتعترف بأن ذلك يمكن أن يدفع بمئات الآلاف من السوريين إلى قطع الحدود السورية ليصلوا إلى تركيا. ولهذا شنت تركيا عملية تدخل لمكافحة ذلك ولإحباط الهجوم العسكري للنظام في مطلع عام 2020، وهكذا نجحت بإقناع روسيا بالتفاوض على وقف إطلاق النار، ثم نشرت بعد ذلك نحو 12 ألف جندي على خطوط الجبهة في إدلب. وبذلك أكدت تلك الإجراءات التركية لدمشق وداعميها بأن أي عملية عسكرية قد تجري مستقبلاً لابد وأن تترتب عليها مخاطر وتكاليف أعلى مما هو متوقع.

غير أن وقف إطلاق النار بقي هشاً، وقد يثبت الدور التركي أنه لا يكفي لتجنب وقوع هجمات كبرى يشنها النظام خلال الأشهر أو السنوات القادمة. كما أن الدوريات التركية-الروسية المشتركة على طريق إم4 الدولي قد توقفت منذ شهر آب المنصرم، وهكذا تواصل القصف عملاً بمبدأ العين بالعين وذلك على خطوط الجبهة، كما واصلت روسيا غاراتها الجوية بين الحين والآخر. وأسهم وضع هيئة تحرير الشام ووصفها بأنها تنظيم إرهابي في تقويض استمرارية تلك الهدنة. إذ إن الاتفاق الذي وقعته كل من روسيا وتركيا في آذار 2020 يدعو كلا الطرفين صراحة إلى: "محاربة كل أشكال الإرهاب، والقضاء على كل المجموعات الإرهابية في سوريا التي صنفت كذلك من قبل مجلس الأمن الدولي". وكثيراً ما استعانت موسكو بتصنيف هيئة تحرير الشام من قبل مجلس الأمن لتبرير هجمات النظام السابقة على إدلب، ولتؤكد بأن الحملات العسكرية ضد تلك الجماعة لابد وأن تستمر، وبأن وقف إطلاق النار ما هو إلا مجرد إجراء مؤقت.

وبالمقابل، أدركت أنقرة بأن هيئة تحرير الشام قد تجذرت هناك بشكل يصعب معه هزيمتها عسكرياً دون التسبب بخسائر بشرية فادحة وكبيرة وما يرافق ذلك من ظهور موجة ضخمة من اللاجئين، كما أدركت بأن التزام هيئة تحرير الشام بوقف إطلاق النار ودفعها للجماعات الأخرى لأن تحذو حذوها، يمثل أهم فائدة يمكن أن تترتب على هذا الاتفاق. وقد دفع كل ذلك المسؤولين الأتراك إلى تفضيل الحل السياسي بالنسبة لمشكلة هيئة تحرير الشام، بيد أنهم يبدون قلقهم إزاء التدخل من جانب واحد، والذي لابد وأن يعرضهم في نهاية الأمر إلى اتهامات بتلميع صورة الجهاديين ودعمهم. كما أن كبار المسؤولين يعالجون في هذا الوقت سلسلة من الملفات المعقدة سواء في سوريا أو في المنطقة، الأمر الذي لم يترك لأنقرة سوى مجال ضيق يبعدها عن الإدارة المباشرة للأزمة في إدلب.

ومما يثير القلق بشكل أكبر هو أن الحوار بين روسيا وتركيا حول مستقبل إدلب وصل إلى طريق مسدود، كما أصبحت المحادثات التي تدعمها الأمم المتحدة بشأن سوريا في حالة احتضار. وبالنتيجة لا يوجد أي عملية دبلوماسية حقيقية لمواجهة حالة الاختلاف والتباعد بين الموقفين الروسي والتركي حيال هيئة تحرير الشام أو لتعزيز وقف إطلاق النار بأسلوب سياسي.

وبالمختصر يمكن القول إن الوضع قابل للإصلاح لكنه متقلب، فإذا كانت إدارة بايدن ترغب بزيادة تدخلها الدبلوماسي بخصوص إدلب، عندها سيغدو دورها ضرورياً لتجنب أي تصعيد غير ضروري للعنف الذي يؤدي إلى تقويض الاستقرار. وعليه، تتمثل الخطوة الأولى بطرح أفكار ودوافع أمام السبل السياسية لحل معضلة هيئة تحرير الشام في إدلب.

هيئة تحرير الشام التي ترتدي عباءة تنظيم القاعدة

يقوم الخوف من هيئة تحرير الشام في سوريا وفي العواصم الأجنبية على أساس مخاوف حقيقية، إذ تمثل هيئة تحرير الشام أحدث نسخة لفصيل عرف باسم جبهة النصرة، والذي شارك مؤسسه السوري (الذي أصبح زعيم هيئة تحرير الشام اليوم) في التمرد الذي قام في العراق عقب أحداث عام 2003، حيث أصبح عنصراً لدى تنظيم الدولة في العراق (الذي تحول فيما بعد إلى تنظيم الدولة في العراق والشام)، وفي عام 2011 قام بالتنسيق مع قيادة تنظيم الدولة في العراق لتأسيس فرع لها في سوريا. وبالرغم من أن نهج الجولاني ابتعد عن نهج تنظيم الدولة في العراق، إلا أنه لم يقطع علاقته بذلك التنظيم الذي يقوده عراقيون حتى عام 2013. وحتى في ذلك الحين، أبقى هذا الزعيم فصيله تحت لواء البيئة الجهادية وذلك عبر مبايعة زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، واستمر على ذلك إلى أن فك ارتباطه بتلك الجماعة الجهادية العابرة للحدود في عام 2016.

في تلك الأثناء، أصبحت جبهة النصرة مرهوبة الجانب بين عموم السوريين (بل حتى بين صفوف من انضموا للانتفاضة المناهضة للنظام)، وذلك بسبب أساليبها العدوانية التي ظهرت مع بداية هذا النزاع، وبسبب التصرفات الوحشية والبلطجية التي أبداها بعض العناصر التابعة لتلك الجبهة، إلى جانب قوة تسليحها بين فصائل المعارضة المتناحرة. ففي عام 2012 مثلاً، انتقدت جماعات المعارضة السورية من غير الجهاديين قيام جبهة النصرة بتفجير قوات ومرافق تابعة للنظام في مناطق موجودة داخل المدن، وأقرت بأن تلك العمليات قوضت الجهود الساعية لتوسيع مدى تقبل المعارضة في الأوساط الدولية والدعم الدولي المقدم لها. بيد أن جبهة النصرة واصلت تفجيراتها الانتحارية ضد أهداف عسكرية في السنوات التالية، مما أكسبها ميزة تكتيكية مقارنة بالفصائل غير الجهادية، لكنه أسهم في الوقت ذاته بتحويل الثورة بنظر الشارع المحلي والدولي إلى مشروع قتالي إسلامي. وقد تورطت عناصر من جبهة النصرة أيضاً في أبشع العمليات التي نسبت لقوات الثوار، ويشمل ذلك الإعدامات وأسر الرهائن خلال الهجمات التي شنت على القرى العلوية في عام 2013، فضلاً عن الحادثة التي وقعت في عام 2015 والتي قام فيها قائد عسكري تونسي من جبهة النصرة باغتيال أكثر من عشرين شخصاً من أهالي قرية درزية في إدلب (لكنه اعتقل إثر ذلك وطرد من التنظيم). وما بين أواخر 2014 (عندما كان اسم التنظيم النصرة) ومطلع عام 2019 (بعد تحولها إلى هيئة تحرير الشام)، قام ذلك التنظيم وبصورة تدريجية بتفكيك أو تهميش أو إخضاع معظم التيار السائد للمعارضة المسلحة في شمال غرب سوريا، مع الحد من المجال المفتوح أمام المجتمع المدني، وذلك ضمن الجهود التي نجحت في ترسيخ تلك المجموعة لتتحول إلى قوة مهيمنة في تلك المنطقة.

هيئة تحرير الشام اليوم

عبر سلسلة من التحولات الداخلية والقمع الأمني، أبعدت هيئة تحرير الشام نفسها عن الحركة الجهادية السلفية مع الحد من المجال المفتوح أمام الجهاديين الأجانب والذي يمكنهم من خلاله أن ينشطوا في شمال غرب سوريا. إذ عبر الانفصال عن جذورها الجهادية، قامت قيادة هيئة تحرير الشام بإعادة صياغة تلك الجماعة بشكل مطرد لتصبح عنصراً فاعلاً سورياً محلياً بوسعه حكم إدلب إلى جانب استعداده لضمان عدم استخدام المقاتلين الأجانب لهذه المنطقة كمنصة لانطلاق عملياتها. بيد أن هذا التطور لم يمسح الماضي، كما لم يواجه المخاوف التي يضمرها الكثير من السوريين الذين يواصلون شجبهم وإدانتهم للحكم الاستبدادي الذي تمارسه هذه الجماعة فضلاً عن سلوكها القمعي.

ومع ذلك يبدو الأمر وكأنه أكثر من مجرد إعادة تسمية، بل إنه يعكس سنوات من توسع الخلاف تدريجياً على المستوى الأيديولوجي والاستراتيجي مع تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة وذلك بالنسبة للقضايا الأساسية التي تحدد معالم تلك الجماعات، وعلى رأسها معارضة هيئة تحرير الشام للعمليات الجهادية العابرة للحدود، وتفضيلها للسيطرة على المناطق وحكمها بدلاً من التمرد ضد النظام، وتوصلها إلى حل توفيقي بخصوص فرض حكم إسلامي صارم في إدلب.

ويبدو اعتراض قيادة هيئة تحرير الشام على استخدام سوريا كمسرح للعمليات الدولية جوهرياً ومركزياً بالنسبة لتسلسل فك ارتباط تلك المجموعة عن الجهاديين الأجانب. ففي آخر حوار له، روى الجولاني القصة من زاويته، حيث ذكر بأن رفضه للهجمات الدولية نابع من نقطة الاختلاف الأساسية بينه وبين الدائرة المتطرفة المحيطة بزعيم تنظيم الدولة في العراق، أبي بكر البغدادي (وذلك قبل فك ارتباط النصرة عن ذلك التنظيم العراقي في عام 2013)، وقد تجلى ذلك عندما رفض الجولاني ومن يفكرون مثله طلب تنظيم الدولة في العراق بتفجير تجمع للمعارضة السورية في إسطنبول. وأضاف الجولاني بأن دينامية مماثلة ظهرت فيما بعد في خضم الانفصال الأبعد عن الظواهري، عندما قام المتشددون في جماعته الذين عارضوا قرار فك الارتباط بتنظيم القاعدة في عام 2016 بتجديد الدعوة للقيام بهجمات خارج سوريا. ويخبرنا الجولاني بأنه بالرغم من أن أنصار تلك الفكرة التي تسعى لشن هذا النوع من الهجمات قد لعبوا أدواراً داخل جبهة النصرة، إلا أنهم فشلوا في فرض أجندتهم وهكذا فكوا ارتباطهم بشكل مطرد أو تم إخراجهم من تلك الجماعة. وبالرغم من استحالة التأكد من التفاصيل التي وردت في رواية الجولاني للأحداث، إلا أن المسار العام للأمور يبدو واضحاً: إذ في الوقت الذي جعل فيه كل من تنظيم الدولة وتنظيم القاعدة من العمليات الدولية أمراً جوهرياً ومركزياً بالنسبة لهويتهم واستراتيجياتهم، نأت هيئة تحرير الشام بنفسها عن تلك العمليات التي تتم خارج البلاد، كما ابتعدت عن المقاتلين الذين يؤيدون تلك الفكرة. وقد اطلع المسؤولون الأميركيون على تلك الاختلافات الأساسية وعمليات الانفصال التي قامت ضمن هذا الاتجاه، مما يمكن أن يفسر سبب استهداف الغارات التي تنفذ بطائرات بدون طيار للجهاديين الذين يعملون خارج نطاق هيئة تحرير الشام في تلك المنطقة بصورة أساسية، دوناً عن تلك الجماعة بحد ذاتها.

وثمة نقطة اختلاف جوهرية بين هيئة تحرير الشام والجهاديين العالميين، وتقوم على قرار هيئة تحرير الشام الذي يقضي بتقييم سيطرتها على المناطق وتفضيل ذلك على القيام بهجمات تمرد ضد النظام وداعميه. فلقد أثبتت هيئة تحرير الشام رغبتها بالتوصل إلى تسوية على المستوى الأيديولوجي والعسكري لتحافظ على سيطرتها على إدلب، وذلك عبر وقف هجماتها ضد النظام وداعميه مثلاً خلال فترة سريان اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقعت عليه كل من تركيا وروسيا، أو عبر الترحيب بنشر قوات تركية في إدلب. وفي الوقت الذي تواصل فيه هذه الجماعة خطابها المناهض للنظام، تركز هيئة تحرير الشام اليوم على التوصل إلى تجميد طويل الأمد للنزاع، مع ترسيخ حكمها في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، وكسب شكل من أشكال الشرعية الدولية عبر التعاون مع تركيا وغيرها من الدول (كما تأمل) والتي تعتبر وجود هذه الجماعة أساسياً لبقاء إدلب ونجاتها. في حين يقوم زعيم تنظيم القاعدة الظواهري، إلى جانب انتقاداته الحادة لهيئة تحرير الشام بعدما نأت بنفسها عن الجهاد العابر للحدود، بالتحذير من خطورة التدخل التركي مع الدعوة للانتقال إلى حرب العصابات التي تعمل على استنزاف النظام وإضعافه هو وداعميه. وقد قام سلفيون جهاديون بارزون بإطلاق انتقادات مماثلة، كما فعل أنصار تنظيم القاعدة في سوريا. ومن جانبهم، عبر قادة هيئة تحرير الشام عن صراحة أكبر حيال الاختلافات والانقسامات الأيديولوجية والاستراتيجية التي تفصلهم عن منافسيهم الأكثر تطرفاً، وذلك عبر القيام مثلاً بانتقاد أبرز من ينتقدهم من السلفيين الجهاديين أمام الملأ.

ثم إن هيئة تحرير الشام لم تنفصل فقط عن الجماعات الجهادية المتشددة، بل أخذت تحاربها في إدلب أيضاً، فقد شنت هيئة تحرير الشام حرباً ضد تنظيم الدولة منذ عام 2014، ومنذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في آذار 2020 صعدت هيئة تحرير الشام من اقتحاماتها واعتقالاتها التي تسعى من خلالها لإحباط أي محاولة من قبل تنظيم الدولة لتشكيل شبكة سرية من الخلايا في إدلب، بعدما خسرت سيطرتها على المنطقة الشرقية بسوريا. وفي تلك الفترة قامت هيئة تحرير الشام باحتواء المجاهدين الأجانب الذين لم ينضووا تحت لواء تنظيم الدولة، ومنذ آذار 2020 عملت على تفكيك العناصر التي عارضت التزام هيئة تحرير الشام بالهدنة التركية-الروسية ونفذت ذلك صورة قسرية، لاسيما مع حراس الدين، ذلك الفصيل المرتبط بتنظيم القاعدة والذي يهيمن عليه أشخاص انشقوا عن هيئة تحرير الشام بسبب براغماتيتها النسبية وبسبب معارضتهم لفك ارتباطها بتنظيم القاعدة. وبعد اتباع سياسة الاحتواء في البداية مع فصيل حراس الدين، قلبت هيئة تحرير الشام ظهر المجن لتلك الجماعة في أواسط عام 2020 وذلك بعدما حاول فصيل حراس الدين ترسيخ تحالفه مع المنشقين عن هيئة تحرير الشام وغيرهم من الفصائل المتشددة التي عارضت وقف إطلاق النار. ولهذا اقتحمت هيئة تحرير الشام مقارّ ذلك الفصيل، واعتقلت بعضاً من قياداته وأجبرته وأجبرت شركاءه على إغلاق قواعدهم ونقاط التفتيش التابعة لهم، إلى جانب تسليم أسلحتهم الثقيلة والانسحاب من الجبهات. وبذلك حدت تلك الإجراءات من قدرة حراس الدين على خرق وقف إطلاق النار بشكل كبير دون أن تتمكن من القضاء على ذلك الفصيل.

وفي الوقت الذي استعانت فيه هيئة تحرير الشام بسيطرتها العسكرية والهدوء النسبي لممارسة القمع ضد الجهاديين العابرين للحدود، أحجمت عن فرض صيغة متشددة من الحكم الإسلامي، إذ مايزال شكل الحكم الذي تلتزم به هيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ (التي تمثل الجسم الإداري المدني الذي تدعمه هيئة تحرير الشام) إسلامياً حتى الآن على الأقل، دون أن يكون وحشياً بصرامته. إذ مثلاً، وبخلاف الجماعات الأخرى كتنظيم الدولة أو طالبان، لم تفرض هيئة تحرير الشام منهاجاً خاصاً بها على المدارس (بالرغم من أنها أقرت الفصل بين الجنسين في المدارس والجامعات). كما لم تفرض الفتاوى الأشد لحكم الشريعة الإسلامية، ولم تجبر النساء على تغطية وجوههن ولم تحرم الاختلاط بين الجنسين ضمن التجمعات في المطاعم. فقد أعلنت قيادتها وهي تفاخر بذلك بأن النساء يمثلن نسبة كبيرة من آلاف الطلاب المسجلين في جامعة إدلب الرئيسية. وبما أنهم يصفون نهجهم بالحكم الإسلامي، لذا يؤكد قادة هيئة تحرير الشام على أهمية بقاء تلك الجماعة متوافقة ومتناغمة مع العادات والأعراف الدينية السائدة في المجتمع السوري، وهذا ما عبر عنه الجولاني بالقول: "لابد للحكم أن ينسجم مع الشريعة الإسلامية، ولكن ليس وفقاً لمعايير تنظيم الدولة أو حتى السعودية"، وبالطبع ظل هذا الحد منخفضاً جداً، وذلك لأن الكثير من السوريين الموجودين في إدلب وما حولها يطالبون بضرورة الضغط على هيئة تحرير الشام حتى تفسح مجالاً أكبر للحريات الشخصية (للاستزادة عن حكم هيئة تحرير الشام وتطورها بصورة أوسع، راجع العمل والتقرير المرتقب الذي سيصدره الزميل باتريك هاييني وجيروم دريفون).

وحتى نوضح الأمور، يمكن القول إن فرع تنظيم القاعدة السابق يحكم اليوم ثلاثة ملايين سوري، ويشترك بالحدود مع دولة عضو بحلف شمال الأطلسي، ويعتبر كل ذلك مشكلة عويصة، ولهذا بوسعنا أن نفهم لماذا بقي الكثير من المراقبين المحليين والدوليين على موقفهم المشكك بتطور هيئة تحرير الشام، إذ يرجع ذلك للقمع الذي مارسته تلك الجماعة ضد معارضيها، والغموض الذي مايزال يكتنف توجهها -على المدى المتوسط والبعيد- لخلق حالة توازن بين الأولوية المباشرة المتمثلة بحماية إدلب مع هدفها البعيد المتمثل بإنهاء حكم بشار الأسد لسوريا. والأهم من كل ذلك تلك الحقيقة المتمثلة بطريقة نأي هيئة تحرير الشام بنفسها عن تنظيم الدولة وعن تنظيم القاعدة وعن طالبان، وبأن ذلك لا يمكن أن يجعل منها معتدلة أو ديمقراطية. إذ إن التحدث إلى المسيحيين الموجودين في إدلب يسلط الضوء على القصور الذي يعتري تطور هيئة تحرير الشام، ففي زيارة قمنا بها خلال الفترة الماضية، عبّر المسيحيون هناك عن تفاؤل حذر تجاه تحسن معاملة السلطات المحلية لتلك الفئات من السكان منذ أن رسخت هيئة تحرير الشام سيطرتها على الحكم هناك، إلا أنهم عبروا عن سخطهم أيضاً لأنه مايزال يتعين على الفصائل المسلحة (وعناصر من هيئة تحرير الشام أيضاً) العمل على إعادة الكثير من الممتلكات والعقارات التي استولوا عليها خلال السنوات الماضية.

 نحو نهج جديد للسياسة الأميركية

مع استقرار إدارة بايدن، يتعين على الولايات المتحدة إعادة النظر في نهجها المتبع حيال إدلب وذلك لضمان احتوائه على عدة عناصر، أولها: أهمية الأمور التي باتت على المحك بالنسبة للاستقرار في المنطقة في حال خرق اتفاق وقف إطلاق النار، ودور معضلة هيئة تحرير الشام في تقويض ذلك الاتفاق، وعدم وجود مبادرة دولية وإرادة سياسية لمعالجة تلك المشكلة، وجوهر تطور هيئة تحرير الشام والقصور الذي يعتري ذلك التطور حتى تاريخه.

كما ينبغي على واشنطن أن تنظر في الفراغ الداخلي الأوسع الذي يكتنف العديد من الإدارات، إذ لم يكن لدى الولايات المتحدة سياسة ولا حتى دليل واضح للتعامل مع الجماعات التي صنفت على أنها إرهابية، لكنها تبدي علائم توحي باستعدادها وقدرتها على التخلي عن أساليبها ومواقفها التي تم تصنيفها على إنها إرهابية بسببها. وهذه النقيصة فاضحة حقاً، وتزعج من يعملون في أوساط السياسة الخارجية على وجه الخصوص ممن يرغبون بأن تقوم الولايات المتحدة بالحد من اعتمادها على الوسائل العسكرية بشكل أساسي لمجابهة الجهاديين الذين تحولوا إلى أبطال بارزين في الحروب التي قامت في الشرق الأوسط وأفريقيا.

إذ يمكن لصناع السياسة أن يفتحوا المجال لخيارات أخرى سواء في إدلب أو غيرها وذلك بعيداً عن تنفيذ هجمات بطائرات بدون طيار. إذ إن غياب السبل المشروطة الواضحة بالنسبة للمجموعات المصنفة على أنها إرهابية للخروج من مربع الإرهاب قد يثبط عزيمة تلك الجماعات إزاء التحرك واتخاذ توجه قابل للتعديل بشكل يلائم المصالح الغربية ويخفف من غلواء المخاوف المحلية بصورة أكبر. فلقد أخبرنا قادة هيئة تحرير الشام بأن الشخصيات التي ارتبطت في البداية بتنظيم الدولة ثم بتنظيم القاعدة كانت ترى بأن الإحجام عن تنفيذ هجمات في دول أخرى لن يفيد بشيء، لأن الغرب سيعاملهم على أنهم إرهابيون بأي حال من الأحوال.

وعليه فإن تلك الديناميات تستدعي وجود سياسة أميركية أكثر جرأة واستباقية يمكنها أن تختبر ما إذا كانت هيئة تحرير الشام مستعدة للمضي قدماً بعد اتخاذها لتلك الخطوات البناءة أم لا. ولذلك يتعين على إدارة بايدن أن تبدأ العمل مع تركيا والحلفاء الأوروبيين حول الخطوات التالية:

  1. تحديد المعايير المشتركة التي ينبغي لهيئة تحرير الشام القيام بها حتى تكف الدول في حلف شمال الأطلسي عن التعامل معها أو تصنيفها على أنها تنظيم إرهابي، مع السعي لدعم تغير مماثل لدى الأمم المتحدة، والدخول في حوارات معها حول مستقبل تلك المنطقة. وينبغي لتلك المعايير أن تكون ملموسة بما فيه الكفاية حتى تتم إزالة اللبس عن هيئة تحرير الشام حيال ما هو مأمول منها، كما يجب أن تكون تلك المعايير قابلة للقياس حتى تتمكن الولايات المتحدة وتركيا وأوروبا من الرد بسرعة في حال تحقيق تلك المعايير أو عند تحقيقها والالتزام بها.
  2. طرح فكرة العصا والجزرة لتشجيع هيئة تحرير الشام ليس فقط على تحقيق تلك المعايير، بل أيضاً للالتزام بها على الدوام (أي على المدى المتوسط والبعيد)، مع اتخاذ خطوات أخرى في الوقت ذاته لمعالجة المخاوف المحلية والدولية حيال الحكم الاستبدادي والسلوك القمعي الذي تبديه هذه الجماعة. فمثلاً، يمكن للدول الغربية أن تقدم زيادة مشروطة في دعم جهود نشر الاستقرار بالنسبة للخدمات الأساسية في إدلب (بعد قطع معظم الدعم عقب تولي هيئة تحرير الشام للحكم في تلك المحافظة في عام 2019)، وذلك طالما بقيت هيئة تحرير الشام بعيدة عن قمع من ينتقدها من المدنيين، مع سعيها لتوسيع المجال أمام عمل منظمات المجتمع المدني المستقلة وتلك التي يدعمها الغرب، وإظهار التزامها الواضح بالتعددية السياسية والدينية.
  3. بمجرد توصل الولايات المتحدة وتركيا والشركاء الأوروبيين إلى إجماع حول تلك الخطوات، يتعين على واشنطن أن تفتح باب الحوار مع موسكو في محاولة لتحديد الإجراءات الأخرى التي يمكن أن تعالج المخاوف الروسية الفريدة حول الهجمات التي ستنطلق من إدلب على قاعدتها العسكرية في غرب سوريا أو على المناطق التي يسيطر عليها النظام، مع تجنب التصعيد العسكري.

 

بيد أن هذه الخطوات التي يمكن من خلالها اختبار مدى تطور هيئة تحرير الشام ليست بعصا سحرية، إذ بوسعها أن تحد من خطر تجدد العنف في إدلب، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنع قيام هجوم عسكري جديد للنظام عليها، وقد تفشل بشكل كبير في تغيير رغبة روسيا بإعادة سيطرة النظام على إدلب. وفي الوقت الذي قد يسهم فيه التعاون مع تركيا بالنسبة لهذا النهج في تحسين العلاقات الأميركية مع هذه الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي، قد يثير ذلك الكثير من الانتقادات من قبل حلفاء آخرين للولايات المتحدة في تلك المنطقة ممن يعادون أنقرة ويفضلون توسيع مصطلح الإرهاب ليشمل مجموعة أكبر من الإسلاميين (أي الإخوان المسلمين في بعض الحالات).

إلا أن مزايا هذا النهج تفوق نقائصه وعيوبه بشكل واضح، كما أن المخاطر المترتبة على نهج قائم على شروط واضحة لا تتجاوز الحدود الدنيا على ما يبدو. إذ عبر فتح الباب أمام نقاشات مباشرة ودوافع مشروطة، يمكن للولايات المتحدة وأوروبا كسب نفوذ في منطقة داخل سوريا لم يسبق لهما أن تواجدا فيها. كما أن ذلك يمنحهما فرصاً جدية ومباشرة للحد من خطر تحول إدلب إلى مسرح للأنشطة القتالية الدولية، ولتحسين الظروف بالنسبة لثلاثة ملايين نسمة يعيشون فيها، ولمنعها من التحول إلى مصدر كبير وجديد لتصدير اللاجئين (بالإضافة إلى المقاتلين الهاربين).

ولابد لهذا النهج أن يساعد واشنطن على تحديد واختبار أدوات جديدة بالنسبة للدبلوماسية، وعلى رأسها سياسة مكافحة الإرهاب، فإذا نجحت تلك السياسة في إدلب، عندها يمكن للولايات المتحدة أن تطبق دليلاً ونهجاً مماثلاً بالنسبة للجماعات الأخرى التي تم تصنيفها على أنها إرهابية بعدما أظهرت ما يدل على إسقاطها لعباءة الجهادية العابرة للحدود وإبداء استعدادها لاتخاذ خطوات جدية ومفيدة في ذلك الاتجاه. أما بالنسبة للمسؤولين الأميركيين الذين يهمهم إنهاء الحروب الأبدية، التي تعتمد بشكل كبير على الوسائل والسبل العسكرية، يعتبر الوضع في إدلب بمثابة فرصة للبدء بتطوير أدوات لسياسة عملية تترجم هذا الخطاب الذي يتبنونه على الأرض.

 

المصدر: مجموعة الأزمات الدولية