عن سوريا التي لا تشبهنا

تاريخ النشر: 13.01.2022 | 05:05 دمشق

ما الذي كنا نريده قبل كل ذلك الخراب؟ إنه السؤال الجوهري الذي يجب أن لا نمل من إعادته ليكون بوصلتنا كلما ضاق فينا الطريق.

ولماذا يجلس الناس اليوم يتباكون على أطلال الماضي وكأننا دمرنا شيئاً جميلاً برفضنا الاستمرار في تلك الحياة السياسية التعيسة والاجتماعية والاقتصادية الأشد بؤساً.

هل كانت سوريا التي عشنا فيها معاً سابقاً جميلة إلى هذا الحد؟ وهل نتحمل بالفعل وزر خرابها ـ بحسب زعمهم ـ أم كنا عمياناً إلى درجة ألا نرى ذلك الجمال، بل ونفعل أسوأ من ذلك بأن نشوّهه عن سبق إصرار وترصد.

الأمر ليس كذلك على الأغلب، فالجمال لا يمكن أن ينتج قبحاً والمقدمات الواضحة تفضي إلى نتائج واضحة، وما يحدث بتحميل آخرين المسؤولية ليس إلا تعامٍ متعمد عن القبح القديم أو محاولة يائسة لتجميله في مقابل الواقع الذي أصبح أكثر تعاسة اليوم. 

نحن لم نفعل شيئاً يا أصدقاء كل ما حدث أننا حركنا المستنقع فطفا القبح المخفي في قاعه على السطح، فهل هذه هي سوريا التي تقصدون؟ الاستبداد الفساد الفقر والذل من أجل فرصة عمل تؤمن حياة كريمة؟

لا يفتأ هذا السؤال يطن في أذني، هل سنعود يوماً حقاً؟ الإجابة التي توصلت إليها في النهاية هي أننا لا بد سنظل نحلم بذلك لكننا ربما لن نتجرأ على فعله، أو ربما لن تُتاح لنا الظروف له من الأساس.

أم أنكم تقصدون حالة السعادة واللا مبالاة التي كانت تغمر البلاد من جراء التغييب السياسي والانفصال عن العالم بشعارات أتخمونا فيها عقوداً، ولكنها لم تكن إلا فقاعات وطنية، فضلاً عن الحديث الذي يطول عن الدولة البوليسية العميقة التي لم تسلم عائلة من شر أذرعها الأمنية المتوغلة في مفاصل الحياة كلها، عن أي بلاد تتحدثون إذن وعلى أي جمال تتباكون؟

يفسر علم النفس ذلك بأن الماضي قد لا يكون جميلاً، ولكن العقل يعمل مع الوقت على تصفية الذكريات السيئة والاحتفاظ بالجميلة منها وإلا فلا مبرر لحالة الندم التي يعيشها بعضنا اليوم سوى أننا كنا بالفعل نعيش في عالمين متوازيين حتى وإن كنا في بلاد واحدة.

أعود إلى السؤال الأول من جديد، ما الذي كنا نريده قبل كل هذا الخراب؟ لقد كنا نريد سوريا التي تشبهنا وهذا بالضبط ما قد يمنعنا من الندم، لأنها ما عادت تشبه حتى ما يريده منها الواقفون على الأطلال.

نمني أنفسنا مثلكم جميعاً بأنها ستكون يوماً مثلما نشتهي وأنها قد تجمعنا يوماً وفق إطار جديد ومختلف، ولا يفتأ هذا السؤال يطن في أذني، هل سنعود يوماً حقاً؟ الإجابة التي توصلت إليها في النهاية هي أننا لا بد سنظل نحلم بذلك لكننا ربما لن نتجرأ على فعله، أو ربما لن تُتاح لنا الظروف له من الأساس.

ربما سنورّث ذلك الحلم لأبنائنا ونحثهم على عدم نسيانه، لكن ذلك الحنين الساذج لن يسحبنا إلى فخ العودة في المدى المنظور، لا لأن الأوضاع العامة من سيئ إلى أسوأ فحسب، بل لأن سنوات النزوح جعلت مشاعرنا أكثر صلابة فباتت مشاعرنا في آخر الأشياء أهمية بالنسبة لمعطوبي الحرب من أمثالنا.

لا أتحدث هنا عن زمن قريب قد تضع الحرب فيه أوزارها، ولا عن انتقال سلمي للسلطة أو اعتراف بشرعية حقوقنا السياسية ـ إذا حدث ـ، وربما ما يزال الوقت مبكراً للحديث عن إعادة الإعمار والاستقرار الاقتصادي، لكننا وريثما نصل إلى هذه النقطة علينا تحقيق استقرار سياسي قادر على ترميم أزمة الثقة بين الشعب وممثليه لتحقيق أمن اقتصادي على أقل تقدير، والحقيقة أن هذا لا يمكن أن يحدث إلا مروراً بإعادة إعمار الإنسان السوري أولاً وإصلاح الشرخ الحاصل في البنية المجتمعية، ويمكن القول إن ذلك لن يحصل إلا بوجود سوريا لكل السوريين بهوية جامعة ومانعة تتفوق على الانتماءات الأخرى كي يصبح الشعب السوري واحداً من جديد.

هل هذه الفرصة متاحة اليوم؟! هل يمكن لأي عاقل يرى المشهد السوري أن يدعي ذلك ويتمكن من المدافعة عنه في ظل انتشار الجريمة الهائل والفساد والتفاوت الطبقي الهائل وانهيار أسس المجتمع السوري التي كانت معطوبة منذ زمن.

هل نستطيع أن نعتبر أن الشعب السوري ما زال متماسكاً وقادراً بوحدته على مواجهة مخلفات الحرب وإعادة إعمار الإنسان من دون أن يسمم فكره الوطني مشاريع تقسيمية قائمة على فكرة محاصصة تتفوق فيها فئة على أخرى أياً كانت مقومات التفوق، أو تجتمع فيها الآراء لتستند فقط إلى دولة مواطنة وتعايش سلمي وأهلي تتحقق فيها عدالة انتقالية تطول المجرمين كلهم من دون استثناء ومن دون أن ينتصر لهم أحد على أسس خاضعة لولاءات غير وطنية. 

ها نحن هنا الآن إذن وقد عدنا إلى نقطة البدء التي كنا فيها قبل الثورة وإنما من دون إطار تجميلي، ها نحن هنا الآن حتى وإن قتلنا الحنين وهاجس العودة، نعجز عن ذلك ونعرف أن لا مكان لنا هناك مثلما لا مكان لنا في كل بقاع الأرض التي أصبحت مقصداً لشتاتنا الملعون. 

يفرق الإنسان الواعي بين الحقيقة وبين أمنياته عنها، قد نشعر بالحنين في لحظات كثيرة ولنكن صادقين إنها لحظات قد لا تتعدى الدقائق على مدار اليوم على أكثر تقدير، لكنها لا تزيد ميزان العودة مثقالاً يرجح كفته.

إن ما يمكن أن يدور في داخل كل منا من حوارات مع نفسه لا يمكن أن يفسر للحظة على أنه ندم أو رغبة بالعودة عن فعل الثورة والتراجع عنه، حسرة على شكل الحياة التي كنا نحياها قبل أن تؤول الأمور إلى ما آلت إليه اليوم.

إنه يوم لا ينفع الندم، لا حزناً على ما آل إليه حالنا بعد سنوات ثورة قاسية وعجاف، بل لكل من ترك هذا الركب من الثورة وحيداً، تدهسه أقدام الطغاة في حين بقي يتفرج على أبناء جلدته من دون أن يحرك ساكناً.