icon
التغطية الحية

عائلة "منشق" سوري قتلته فاغنر تبحث عن العدالة في روسيا

2021.12.24 | 17:16 دمشق

حمدي بوطة الذي قتل على يد مرتزقة فاغنر
حمدي بوطة الذي قتل على يد مرتزقة فاغنر
نيو لاينز - ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A

مع بلوغه 61 من العمر، أصبح محسن عبد الله يدرك بأنه قد لا يرى بلدته الأم خريطة مجدداً، إذ يبدو هذا الرجل بشاربه الأشيب المشذب، وقبعته المحبوكة بدقة، وسترته الصوفية المبطنة، أشبه بشخص لا ينتمي للمكان وهو يقف على شاطئ البحر في برد كانون الأول بهولندا. وكمعظم اللاجئين غيره، لدى عبد الله قصة صادمة يرويها، بيد أن القصة ليست قصته، بل قصة ابن عمه الأصغر منه سناً، واسمه محمد طه إسماعيل العبد الله، الشهير بحمدي بوطة.

إذ جرى اختطاف بوطة المنشق عن جيش النظام في عام 2017، ثم تعذيبه أمام الكاميرا على يد حفنة من المرتزقة التابعين لمجموعة فاغنر، وهي منظمة شبه عسكرية سيئة الصيت يمولها الثري المتنفذ الروسي الخاضع للعقوبات الغربية، يفغيني بريغوزين الذي يعتبر أحد أقطاب المال في روسيا. وقد صنفت الولايات المتحدة فاغنر على أنها "قوة تعمل بالوكالة" لدى وزارة الدفاع الروسية، كما تم التعرف إلى العلاقات التي تربط تلك المجموعة بجهاز الاستخبارات العسكرية الروسية.

إن مقطع الفيديو الذي يصور الجريمة الذي التقطته مجموعة فاغنر يثير الاشمئزاز والغثيان، إذ يظهر فيه أربعة رجال يتحدثون بالروسية وهم يتناوبون على ضرب بوطة بمطرقة ثقيلة، ثم يقطعون يديه ورأسه بمجرفة قبل أن يعبثوا بجثته بأقدامهم ثم يضرمون النار فيها. يقول عبد الله عن ذلك الفيديو: "بالطبع لم أستطع أن أكمل الفيديو" ويضيف بأن هنالك نسخة أطول شاهدها أقرباؤه، فيعلق: "لقد أخبروني عن البقية، أي كيف كانوا يقطعون رأسه ويلعبون به كرة قدم، ثم يضربون به الجدار عبر ركله بأقدامهم".

في 19 كانون الأول نشرت مجموعة من المقابلات التي أجريت مع أهالي مقاتلين من فاغنر فارقوا الحياة، وقد تم تسجيل أسمائهم جميعاً ضمن قاعدة بيانات رقمية ضخمة جمعها ضباط استخبارات من أوكرانيا على مدار سبع سنوات، فكان من بين هؤلاء المقاتلين القتلى فلاديسلاف أبوستول الذي كان أحد من قاموا بتعذيب بوطة.

تم تصوير مقطع الفيديو الذي ظهر فيه أبوستول ورفعه في عام 2017، بالرغم من أنه لم يحظ بعدد مشاهدات كثيرة إلا خلال العامين الماضيين. إذ خلال الأسبوع الماضي استشهد به الاتحاد الأوروبي في قراره القاضي بفرض عقوبات على مجموعة فاغنر بكاملها، إلى جانب ثلاث شركات وسبعة أشخاص مرتبطين بها، وذلك لارتكابهم "انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في أوكرانيا وسوريا وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى والسودان وموزمبيق وهذه الانتهاكات تتضمن التعذيب والإعدام الميداني والتعسفي وبلا محاكمة وغير ذلك من أنواع القتل". كما ذكرت بروكسل قائد فاغنر ديمتري أوتكين بالاسم، وهو ضابط سابق في المخابرات العسكرية الروسية، لكونه الرجل المسؤول عن تعذيب بوطة وتسجيل ذلك عبر فيديو.

ضحية تبحث عن قاتليها

عن بوطة يخبرنا ابن عمه فيقول: "كان حمدي ابن عمي يأتي إلى بيتنا ويمضي الوقت برفقة أولادي، وكان لطيفاً ويحبهم". أما والدة بوطة، عائشة، فقد قتلت عندما قصفت روسيا بلدة خريطة في مطلع عام 2017، أي قبل اختفاء ابنها ببضعة أشهر.

كان أبناء عبد الله في سن بوطة الذي ولد في عام 1986، وقد كبروا ولعبوا معاً بما أنهم جيران.

ثم غادر بوطة سوريا في أول سنة من الحركة الاحتجاجية المناهضة للنظام في عام 2011، واستقر في لبنان حيث عمل في مجال البناء حتى يتمكن من إعالة زوجته وأولاده الأربعة (ابنتين وولدين) الذين ظلوا يعيشون في خريطة. إلا أن الحرب الطاحنة التي وقعت في سوريا، والتي تخللها ظهور تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية لم تدمر تلك القرية، كما فعلت بأجزاء أخرى من البلاد.

وهكذا عاد بوطة إلى مسقط رأسه ليمضي إجازة العيد بعد وفاة أمه، ثم سافر من دير الزور إلى دمشق وعندئذ تم اعتقاله على يد ضباط سوريين عند حاجز للتفتيش.

ويخبرنا عبد الله عن تلك الحادثة فيقول: "أرسل رسالة صوتية لشقيق زوجته أخبره فيها أنه تم اعتقاله عند حاجز للنظام لأنه كان مطلوباً للاحتياط في الجيش، ثم تم نقله إلى قاعدة الشعيرات الجوية في الصحراء خارج حمص، كما أخبره أنه يتحين أقرب فرصة للهرب، وبعدئذ اختفى".

فقدت عائلة بوطة الاتصال به طوال أربعة أشهر، إذ يبدو أنه تاه في منطقة لم يكن يعرفها من قبل وهو يحاول أن يجد طريقه لمخيم رآه عن بعد، لكنه لم يكن يعرف بأن هذا المخيم تابع لمرتزقة فاغنر. وهكذا اعتقلوه وأخذوا يوبخونه "ويقولون إنه من تنظيم الدولة لأنه لم يكن يعرف إلى أين يمضي ولا يجيد أي لغة سوى العربية".

أشار المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، وهو منظمة غير حكومية كانت أول من تعرف إلى بوطة في الفيديو الذي نشرته فاغنر، إلى أن هذا المكان يقع بالقرب من حقل الشاعر للغاز في حمص، شمال غربي مدينة تدمر، حيث أقام المرتزقة معسكراً لهم هناك. وفي عام 2017، أصبح حقل الشاعر ومصنعان آخران للمواد الهيدروكربونية في سوريا تابعين لشركة بريغوزين واسمها إيفرو بوليس وذلك بعد دفع مبلغ 162 مليون دولار ضمن اتفاق شراكة في الأرباح دخلت فيه تلك الشركة مع نظام الأسد بعدما ساعدت فاغنر في تحرير الحقول التي تستخرج منها تلك المواد من سيطرة تنظيم الدولة.

إلا أن أساليب من حرروا تلك المنطقة أتت مطابقة للأساليب التي اتبعها أعداؤهم، فقد انتشر الفيديو الذي جرى فيه تقطيع أوصال بوطة والذي تفوح منه رائحة أساليب تنظيم الدولة بشكل كبير ليصل إلى مجموعة أنشاتها أسرته على تطبيق واتساب.

ويحدثنا ابن عمه عبد الله عن تلك اللحظة فيقول: "كان تأثير الفيلم علينا كالصاعقة، إذ لا يمكنني أن أصف شعوري عندما شاهدت ذلك المقطع".

سادية فاغنر

كان عبد الله قد سمع عن فاغنر قبل قتلها لبوطة، لكنه لم يتصور البتة وجود أحد بهذه السادية، وعن ذلك يقول: "تمنيت لو قتلوه برصاصة، فهذا أسهل بكثير".

أما عن أمه فيرى عبد الله بأنها كانت "محظوظة" لأنها قتلت في غارة جوية قبل أن ترى ابنها يعامل بهذه الوحشية.

أما المفارقة القاتمة هنا فهي أن أحباء بوطة أصبحوا يشتركون بالمصير ذاته مع قاتليه، أي أنهم حرموا من حقهم بتكريم فقيدهم بطريقة لائقة، حيث يقول عبد الله: "لم تستطع عائلة حمدي إقامة جنازة له في القرية، فقد حاولوا فتح خيمة عزاء لاستقبال المعزين، إلا أن النظام السوري منعهم من ذلك".

ما تزال زوجة بوطة وأولاده يعيشون في خريطة في ظل أحوال مزرية من الفقر كما وصفها عبد الله، إذ ليس لديهم غاز أو وقود لتدفئة البيت، ونادراً ما يتوافر لديهم الخبز.

وفي الوقت الذي يعبر فيه عبد الله عن سعادته لاكتشاف العالم لوحشية فاغنر، يبدي تشاؤمه حيال العقوبات الأوروبية التي لن تفعل أي شيء للجم تلك الجماعة المتوحشة، حيث يقول: "إن العقوبات التي فرضت على فاغنر لا تستحق الحبر والورق الذي كتبت عليه".

فاليوم، ينتشر جنود فاغنر الباحثون عن الثروة في مناطق حرب أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما تعاظمت جرائم هذه المجموعة وزادت سمعتها سوءاً، لذا لا شك أنها من يتحمل المسؤولية برأي عبد الله الذي قال: "هذه العصابة يدعمها المجرم بوتين، لأن الشخص المسؤول عنها هو طباخه"، وفي تلك إشارة واضحة لبريغوزين.

أكد لنا عبد الله أن ما يريده هو العدالة لبوطة، وحذر من تحول سوريا إلى مختبر أو إلى مقر لقوات بوتين السرية التي لا بد أن تصل إلى أماكن أخرى في العالم، خاصة في حال غزت روسيا أوكرانيا من جديد.

ويعلق على هذا بقوله: "لن نقبل بأقل من حبس هؤلاء المجرمين أو الحكم عليهم بالإعدام".

البحث عن العدالة في روسيا نفسها

تشهد ثلاث منظمات غير حكومية مرموقة وهي المركز السوري للإعلام وحرية التعبير والاتحاد الدولي لحقوق الإنسان والمركز التذكاري لحقوق الإنسان معركة طويلة لتحقيق العدالة في قضية مقتل بوطة، حيث قامت تلك المنظمات برفع دعوى قانونية أمام محكمة باسماني في موسكو بالنيابة عن شقيقه (الذي لن نذكر اسمه لأنه يختبئ حالياً)، وذلك لإرغام لجنة التحقيق الروسية التي تشبه مكتب التحقيقات الفيدرالية الأميركية على فتح تحقيق في تلك الجريمة التي ارتكبتها مجموعة فاغنر، وقد صادف تاريخ رفع تلك الدعوى الذكرى السنوية العاشرة لانطلاق الثورة السورية.

وفي 21 كانون الأول أجريت مقابلة مع مازن درويش رئيس المركز السوري للإعلام وحرية التعبير بمجرد أن وصلته بعض الأخبار السيئة والمتوقعة، وهي أن محكمة موسكو أجلت النطق بالحكم في شكوى المدعي على لجنة التحقيق حتى 18 كانون الثاني من عام 2022، إلا أن ذلك لم يوهن عزيمة درويش، الذي قال: "هذه هي المرة الأولى التي يحاول فيها أهل ضحايا سوريين أن يتخذوا إجراء قانونياً لمساءلة روس مشتبه بارتكابهم لجرائم خطيرة في سوريا.. والمحاكمة مهمة هي أيضاً نظراً لأنها تجري في روسيا نفسها، والآن لا يستطيع نظام بوتين أن يدعي بأن هذه الدعوى مسيسة أو متحيزة، كما سبق له أن فعل مع المحاكم الدولية التي أصدرت أحكاماً ضده، كما سيطلع الشارع الروسي على الجرائم التي يرتكبها نظامه من خلال محاكمه".

ويرى درويش أنه في حال قامت المحكمة بتعليق حكمها بشكل دائم أو في حال وجدت بأن لجنة التحقيق محقة في رفضها النظر بمقتل بوطة، عندئذ سيقوم درويش وزملاؤه برفع الدعوى أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ، وذلك لأن تصفية حساب أحد الضحايا السوريين مع فاغنر في قلب أوروبا قد يكون الخيار الأنسب على أية حال، وذلك نظراً لتوسع نشاطات هذه المجموعة.

وهنا يعلق عبد الله بقوله: "الآن يرتكبون جرائمهم ضد الشعب السوري، وغداً سيرتكبون جرائم ضد الشعب الأوكراني، أو ضد أحد الشعوب الأوروبية".

  المصدر: نيو لاينز