صناعة التفاهة

تاريخ النشر: 05.01.2022 | 06:57 دمشق

أمضى ذوونا أعمارهم وهم يربوننا على أهمية التعليم وحرصوا على تنشئتنا عليه لأنه الأساس لخلق إنسان واعٍ وقادر على الحصول على فرصة عمل جيدة ومحترمة. 

لم يخطر ببال أحدهم أننا لن نكتشف عدم واقعية تلك الحقيقة متأخرين، وأننا لن نتمكن بعدها من تعديل أدمغتنا بما يتوافق مع متطلبات العصر، وأننا تبعاً لذلك سنكون في النهاية ملفوظين من عصرنا منفصلين عنه وغير مناسبين لمعاييره.

ليس هدف الفكرة السابقة حتماً الانتقاص من أهمية التعلم والكفاءة، لكننا نعيش في زمن أصبح فيه أكبر أحلام شبانه وفتياته الحصول على فرصة عمل محترمة، فهل تكفي الشهادات الجامعية واللغات اليوم للحصول على حياة كريمة؟!

إذا فكّرنا أن نجيب بصدقيَّة على هذا السؤال، فعلينا التحلي بجرأة كبيرة لمكاشفة أنفسنا بانحطاط الواقع ورداءته، وذلك يعني مع الأسف انهيار المنظومة الأخلاقية التي لطالما آمنا بوجودها أو اعتقدنا ذلك على الأقل، وقد يؤدي ذلك إلى شعور بالإحباط واللا جدوى وهو نتيجة طبيعية لتكويننا لأن كثيرين لا يمكن أن يمتلكوا مقومات ومعايير الاستمرار والتأقلم وفق قوانين العالم الجديدة.

نجد أن أي محتوى هادف وجدّي على منصات التواصل الاجتماعي، لا يمكن أن تتعدى نسبة مشاهداته رقماً ضئيلاً لا يذكر، والأغلب يكون من الأصدقاء والمعارف لصانع المحتوى، وذلك في مواجهة محتوى لا يقدم أي قيمة مضافة وربما لا يقدم قيمة من الأصل لكن مشاهداته قد تتجاوز الملايين ويحظى بشهرة واسعة ويصبح حديث الساعة في بعض الأحيان.

من الممكن أن نكيل الاتهامات لكثير من الظروف في مقدمتها النظام الرأسمالي، إذ يصبح من السهل إلقاء اللوم عليه في معرض حديثنا عن العمل، ويمكننا ببساطة أن نلعنه لأنه سبب خضوع كثير من المؤسسات والفعاليات لقوانين جديدة غير إنسانية جعلت منا عبيداً بشكل أو بآخر.

ليس بالعلم وحده يحيا الإنسان إذن؟ ولا بالأدب والفن، لقد بات العالم يفرض علينا معايير جديدة للحياة ولتحقيق إمكانية الاستمرار ومواءمة شروطه المتجددة التي لا تتوقف عن إعلاء سقفها باستمرار.

النظام الجديد أرخى بظلاله على المحتوى الفني والأدبي أيضاً، فقد انتشرت في نهاية السنة الماضية أغنية تسمّى "شيماء" حققت أكثر من 29 مليون مشاهدة حتى اللحظة، وعلى الرغم من وجهة نظر كل منا الخاصة تجاه أسلوب "فن المهرجانات" الدارج في مصر، واختلافنا معه من عدمه فهو ليس معرض حديثنا، فإنه وإلى حدّ ما قد يمكنه في بعض الحالات التي قد تكون نادرة تقديم كلمة جميلة وفكرة ولحن مختلفين، لكن الأغنية المذكورة لا تحتوي أياً من ذلك، لا فكرة ولا مضموناً ولا لحناً ولا حتى أداء، لكنها ولسبب ما تم تسويقها بشكل مبالغ فيه ولاقت رواجاً كبيراً وغريباً في الآن ذاته. 

في حين نجد أن أي محتوى هادف وجدّي على منصات التواصل الاجتماعي، لا يمكن أن تتعدى نسبة مشاهداته رقماً ضئيلاً لا يذكر، والأغلب يكون من الأصدقاء والمعارف لصانع المحتوى، وذلك في مواجهة محتوى لا يقدم أي قيمة مضافة وربما لا يقدم قيمة من الأصل لكن مشاهداته قد تتجاوز الملايين ويحظى بشهرة واسعة ويصبح حديث الساعة في بعض الأحيان.

لكل زمن شروطه وظروفه ذلك أمر لا شك فيه، إذ لا يمكن أن يكون العالم هو من يفرض علينا هذه القيم والمعايير الجديدة، وإلا فسنكون متمثلين قول الإمام الشافعي "نعيب زماننا والعيب فينا" لأن ما يبدو من خلال التسارع الشديد في الانحدار الأدبي والفني والعلمي، أن الحالة تشكل منهجاً كاملاً له آليات واضحة ومحددة تنم عن جهد واضح لتصدير المحتوى التافه وجعله أساساً للانتشار والرواج وصورة للمجتمع، وأن العالم الجديد لا يدّخر جهداً من أجل إنتاج ما يسمى "صناعة التفاهة".

هنالك شركات إنتاج تدفع أموالاً طائلة وأرقاماً فلكية لإنتاج أغنية أو أعمال درامية أو سينمائية تبعث على الملل وتجعل المتلقي في صدمة حقيقية من فراغها وهشاشتها، في حين نجد أن هذا العمل لاقى رواجاً كبيراً لدى شريحة كبيرة من المعجبين وهو لا يجسد أي فكرة وليس لديه أي مقولة تذكر. 

يتفق كثير من الشعراء والأدباء والفنانين على الأمر ذاته، ذلك أن من يتصدر الساحة اليوم بحسب رأي كثيرين قلّة من أنصاف الموهوبين الذين سُوّق لهم جيداً، خاصة أن مستوى الذائقة انحدر بشكل عام وبالتالي أصبح ما يطرحه (أنصاف المواهب) ـ إذا صح التعبير ـ متناسباً مع الذائقة الحديثة، وأدى ذلك في النهاية إلى تناغم كبير بينهما بحيث شكّل كل منهما للآخر سنداً وحافزاً، وعلى هذا السياق تسود الشاشات أعمال درامية دون المستوى من حيث النص، أو الحوار، أو الحبكة، أو الأداء التمثيلي.

لكن ذلك لا يمكن أن يُلام من أجله المتلقي فقط ولا من يعتبر نفسه صانعاً لمحتوى أدبي أو فكري أو فني، المشكلة الحقيقية يتحمل مسؤوليتها صانع العمل أو المنتج أو الراعي لأنهم ربما يموّلون أعمالاً ويروّجون لها، في حين أنها لا تحقق معايير الجودة، ربما لأنهم جزء من منظومة النظام الرأسمالي القائم على آلية الربح المادي ما يسبب أضراراً جسيمة فيما بعد.

المؤسف أن ذلك قد ترافق مع انسحاب عامّ من المشهد لمن يعتبر أنه لم يعد مناسباً لمعايير الزمن، مقابل سيطرة تامة للأشياء الأكثر رواجاً التي تجذب اهتمام الناس بعمومهم.

وفي ذلك تمثيلٌ جليّ لقانون "كريشام" القائل بأن "العملة الرديئة تطرد العملة السيئة من السوق"، وتحتل مكانها وتبقى العملة الجيدة محتفظة برونقها وقيمتها لكنها غير قابلة للتداول بعد الآن.