ستون دقيقة: ريجيم الحبيبتين

تاريخ النشر: 08.03.2021 | 06:39 دمشق

تظهر الضحايا في صور قيصر العالمية في دور البطولة المطلقة: هياكل عظمية مكسوة بالجلد، حالها مثل سوريا، كانت هيكلًا على العظم، فسوريا من أغنى الدول العربية، والعامة تستشهد عادة بسؤال ورد في برنامج من سيربح المليون يقرُّ بأنَّ سوريا أعظم اقتصاد عربي موؤود، والماء في ظهور العيس محمول.

وقد بالغ سوريون في الحفاوة بالبرنامج الأميركي الشهير الذي يقدمه نيكولا يونغ، والذي ذكر أنَّ الوثائق المُدينة للنظام السوري الرجيم، و"الريجيم" وهو النظام باللاتينية، وصف مناسب، لأنه نظام حمية وحماية وحراسة، وجعل الضحية والجلاد هيكلين عظميين، الضحية قضت والجلاد هيكل عظمي سياسي يحتضر، مع أنَّ برنامج التحقيقات الأميركي الشهير يعترف بأنَّ الأسد سينجو من القصاص غالبًا، لكنه يبعث الأمل في النفوس، ويقول المدعي القضائي راب ستيفن، سفير الولايات المتحدة لجرائم الحرب حتى سنة 2015، الذي جمع أدلة من رواندا وسيراليون وغيرهما: إنّ الوثائق السورية هي أمتن وأشدُّ من الوثائق التي أدانت هتلر وميلوسوفيتش.

حذّر البرنامج أنَّ الصوّر المعروضة لا تناسب الأطفال، ولا تناسب الكبار، فهي جثث خضعت للمُثلة، والتمثيل بالجثة هو تشويهها. ولو نظرت إليهم لملئت منهم رعبا ووليت منهم رعبا.

قال راب ستيفن إنها أعظم الجرائم في القرن 21. ما زلنا في أول القرن، لكن لا يظنَّ أن أحدًا سيتفوق على الأسد، فسيظل الأول حتى نهاية القرن

وبين الضحايا صور لأقران الأطفال الأميركيين، أمثال عماد مسلماني الذي كان ذاهبًا للمشاركة في جنازة والدته، فأرسلته الفروع الأمنية مع والدته إلى الجنّة، والسبب أغنية، وجدتها الحواجز على هاتفه. أغنية قاتلة.

اضطر مخرج البرنامج إلى إغماض الصور وتظليلها. قال راب ستيفن إنها أعظم الجرائم في القرن 21. ما زلنا في أول القرن، لكن لا يظنَّ أن أحدًا سيتفوق على الأسد، فسيظل الأول حتى نهاية القرن.

يقول البرنامج إنهم جمعوا 900 ألف وثيقة تدين الأسد ونظامه، ولم يحتج غزو العراق إلى أي وثيقة عندما قامت أميركا بغزوها، العدل في الأرض يبكي الجنَّ، ويضحكهم أيضا، لكن اليائس يتمسك بقشّة.

وإنّ الشاهد الذي صار معروفًا باسم القيصر، اختلس الصور، وأودع نسخة لدى زميل اسمه المستعار سامي، فلا بد أن ينجو أحد من غرق السفينة، ليخبرنا بالحقيقية، والحقيقة يعرفها السوريون، ولكن العالم يريد أدلة ويحتاج إلى وثائق غير شهاداتنا، فنحن في عصر الصورة، والصورة لا تحتاج إلى ترجمة غالبًا، وإن شاب عصرنا الفوتوشوب ما شابه، فشهادات شعب كامل لا قيمة لها ما لم ترفق بصورة توثيقية.

 شهادتنا مثل عملتنا لا تشتري شيئا.

هناك سؤال يختلج في الرؤوس لم يُسأل بعد، وهو لماذا وثّق النظام جرائمه؟ فقد دفنت حقائق مذابح الثمانينيات من غير توثيق. فإما أنَّ الريجيم أراد أن يستوثق من قيام جلاديه بالمطلوب بصور يتباهى بها الجلادون في سيلفي في عصر السيلفي أمام زوجاتهم للتشفّي، فصيادو الأسود يصورن أنفسهم مع الأسد المغدور، ويعلقون جماجم الحيوانات بعد تحنيطها في غرف الاستقبال. وإما للتوثيق، فهم عصابة كبيرة متعددة الأجهزة، ولم تعد مثل الثمانينيات جهازًا واحدًا، وتحتاج إلى أدلة، وبات فيها بيروقراطية، وكانوا قديمًا بعد قتل العدو يرسلون رأس القتيل إلى الأمير آيةً.

يقول البرنامج: إنَّ القيصر انشق عن النظام، ولو لم ينشق عنه لانشق من القهر والغيظ والكمد، ويتساءل القيصر بلسان محاميه عماد مصطفى، إنه لا يعرف كيف تفعل حكومة بشعبها هذه الفعال الشائنة، والحق إنه ليس شعبها، فهو احتلال مقنّع وقد اضطرته المظاهرات إلى التكشير عن أنيابه، وأنَّ القيصر سرّب الصور خوفًا من مصير يشبه مصائر هؤلاء الذين طالبوا بالحرية، وقيامًا بواجبه الإنساني والوطني. ولم يجب البرنامج عن سؤال لماذا كان النظام يقلع العيون، بل لم يسأل هذا السؤال، هو تعذيب وكفى.

يمكن أن يقال إنَّ النظام كان يبيع القرنيات ويتاجر بالعيون فهي ثروة، لكن هناك أجوبة أخرى مثل أنَّ أفضل أنواع التعذيب متعة وفكاهة هي في قلع العيون، والعرب يسمّون العينين الحبيبتان، ويجد الجلاد متعة عندما يفقأ عيني الضحية التي تجرأت على النظر في وجهه، ومعلوم أنهم يعصبون عيون المعتقلين في المعتقلات، فهم يحبوّن العميان، ممنوع النظر إلى عورة النظام. التلفزيون السوري الرسمي ووصيفاه لا يعرضون إلا صور سوريا الفاضلة، اذكروا الإيجابيات، كان هذا شعارًا معروفًا في الصحافة، وكان عدد سكان سوريا قبل الثورة 23 مليون أعمى، يرى ويسكت.

وكان النظام في العلن يخفي جرائمه، ويحرف النظر ويزيغ الأبصار، بطرق كثيرة إحداها طريقة "بص العصفورة"، قد تكون العصفورة مسلسلًا ممتعًا، أو كوميديًا مثل ضيعة ضايعة، وقد يحتال علينا بمقابلة مع رجل قتل ابنته لأنها لم تغسل الدرج...

المصريون بارعون في لعبة بص العصفورة، لكنهم أقل درجة في البطش من النظام السوري، فالنظام المصري الجديد يستعمل الجرافات في تدمير البيوت والمساجد وليس مثل النظام السوري بالصواريخ، يقول سامي الذي احتفظ بنسخة احتياطية من صور قيصر: إنّه كان يرى جارته تذهب يوميًا إلى فرع أمن الدولة للسؤال عن ابنها، لكنه كتم الخبر عنها حتى يبيّن مصير الضحايا الآخرين وهم بالآلاف.

وقد يكون سبب التصوير أنّ النظام كبر ورَشُد، وأمسى نظام مؤسسات، فالفروع الأمنية لا تثق ببعضها، وهي متحاربة ومتنافسة. هكذا أراد منشؤها حافظ الأسد. يسأل مقدم البرنامج عن ثلاثية الأرقام، فكل ضحية لها ثلاثة أرقام، كأنه ينظم مكتبة للجثث البشرية. رقم المعتقل، رقم الفرع الأمني الذي تشرّف بقتل الضحيّة، ورقم الجثّة التي يمنحها الطبيب الشرعي للضحيّة.

بشار الأسد أكبر قاتل متسلسل وشامل معاصر، وكانت صنعته الثقيلة العنف والدم والخوف

 يقول البرنامج: إنّ فحص 242 من صور التحقيق الفيدرالي أكّد أنَّ الصور حقيقية لا شبهة في صحتها، فهي متناسقة مع الوثائق المسربة.

بشار الأسد أكبر قاتل متسلسل وشامل معاصر، وكانت صنعته الثقيلة العنف والدم والخوف، ولا يعرف التاريخ نظامًا قتل شعبه ونكّل به هذا التنكيل غيره، وكان يصدّر العنف إلى الخارج لفيضه عن حاجة الشعب، فهو مدعوم من دول كبيرة وأخرى شقيقة على كرهها له، وأنَّ النظام وجد رضاً دوليًا، أو سكوتًا، فاستخدم الكيماوي 300 مرة.

يقول راب: إنه متفاءل، وهو ينظر إلى الوثائق، لا إلى موقع سوريا وموقع النظام ومثابة الشعب السوري، ولعلَّ أن يكون سلوىً وعزاءً في أنَّ بعض رجال النظام سيخافون من السياحة الخارجية، والبعض الآخر سيتجول بأسماء مستعارة، وقد يكتفون بزيارة قرية السمرا مكان تصوير ضيعة ضايعة. يتفاءل البرنامج بأنَّ الأسد سيظل ملطخًا بالعار. هناك أمر آخر هو اسم الشاهد القيصر، والقيصر وُلد ولادة غر طبيعية، وصار القيصر اسمًا للمقص. والعدالة الأميركية هي عدالة صفقات وبيع وشراء ومقصات أشرطة حريرية، وقد تراجعت عن معاهدات دولية، منها معاهدة مع إيران، وتهمُّ بالنكول عن معاهدة مع طالبان، الديمقراطية لها وجه قبيح.

نعود إلى الحبيبتين وفقء العيون فنضيف سببًا آخر هو أنَّ النظام نظام باطني، ويحبُّ ستر فضائله وصدقات السرِّ، بقلع عيني الضحية وقتلها.

ملاحظة أخيرة تفسد التفاؤل هي أنَّ القيصر الأول مات مغدورا بست وثلاثين طعنة من الأصدقاء.