الإغاثة جوا: ليست مسرحا وإنما سينما

2024.03.09 | 07:02 دمشق

الإغاثة جوا: ليست مسرحا وإنما سينما
+A
حجم الخط
-A

وصف مشهد إنزال الطعام من طائرات عملاقة من الجو، من لدن دول ديمقراطية وراء أعالي البحار، على غزة بأنه مسرحية فيه صحة وسداد إن كان القصد هو الإيهام، لكنه أشبه بمشهد من مشاهد السينما. وقد جرى إعداد المشهد من قبل المخرج الإسرائيلي، فهي صاحب الفكرة، لإسعاف مجوعي غزة، بوجباتٍ طائرة قليلة النفع ذات رائحة كريهة، ومقادير قليلة، سقط بعضها في البحر وسقط بعضها الآخر وراء الحدود، ثم جرى إطلاق النار على الجائعين بعد طمأنتهم، وقتلهم كأنها مصيدة، وقد زاد عدد الضحايا على ثلاثين، أما المشهد السينمائي الذي وجدنا فيه الشبه بعملية الإنزال الجوي، فهو نمطي، وهو يؤدى غالبًا في أفلام الكوميديا وأفلام بوليود الهندية، وأفلام مصر الكوميدية، وتعتبر أفلام الهند التراجيدية كوميدية في وجه من الوجوه.

المشهد النمطي هو أن البطل يريد أن يخلب لب حسناء الفيلم ويأسر قلبها بأسرع طريقة، فيستأجر فتى عريض المنكبين، بارز العضلات لأداء دور المتحرش بالحسناء، فيفعل، ثم يخرج البطل صاحب النخوة والمروءة من وراء الكواليس، في اللحظة الحاسمة، فيعاركه ويلقيه أرضًا، أو يدفعه ليولي الأدبار خوفا من المنقذ الشجاع، فتقع البطلة في حبه وتشكره على إنقاذها، قد ينقلب الأمر على عكس المراد في أفلام الكوميديا، فيتأخر الممثل المكلف بالتحرش ويتحرش رجل آخر بالحسناء، فيضرب المنقذ البطل، وتسارع الحسناء إلى إسعاف البطل الشجاع المدمى وتحبه أيضًا، لأن المعتدي من الوزن الثقيل والمنقذ من وزن الريشة.

هذا المشهد قديم أيضا في فن الصيد، وهي حيلة تؤدى مع الطرائد البرية أيضًا، فبالحيلة نفسها يُستأنس الفيل، يصيده الصيادون في حفرة، ويؤذون الحيوان الضخم الأسير، ويجوعونه ويعطشونه، ثم يأتي الفارس الذي سيكون صاحب الفيل وسائسه، فيطرد الصيادين الذين يلبسون ثيابًا بلون غير لون الثوب الذي يرتديه، ويضربهم، فينكسرون ويهربون، ثم يطعم الفيل ويشفيه ويرأف به عدة أيام، ثم يخرجه من الحفرة، فيدين الفيل له بقية عمره بالولاء والطاعة.

إن إحدى غايات أميركا هي استئناس أهل غزة أو استئناس الشعب الأميركي أو المتظاهرين منهم ضد الحرب على غزة، لإقناعهم بقيامها بواجبها مع شعبها المحاصر

وهي طريقة يستأنس بها الصقر أيضًا، ومؤدى الطريقة أن صقرًا مقيدًا يجوع تجويعًا شديدًا، ويطعم قطع لحم مربوطة بخيط، فيأتي الشرير وينتزع اللحم من جوفه نزعًا، ثم يأتي بعد أيام من التجويع صاحب الصقر، ويطعمه، فيستأنسه ويحظى بولائه، ويصيره عبدا له أو خادما مطيعا.

إن إحدى غايات أميركا هي استئناس أهل غزة أو استئناس الشعب الأميركي أو المتظاهرين منهم ضد الحرب على غزة، لإقناعهم بقيامها بواجبها مع شعبها المحاصر، لكن أمرا يفسد أداء المشهد السينمائي هو أن المنقذ في المشهد السينمائي المؤدى في نشرة الأخبار يفسده بقيامه بدورين تقوم بهما أميركا هما معاونة المتحرش وإنقاذ الحسناء معا. وإن أداءها فاسد، وضعيف الإقناع.

وقد سلط صيادو الشعوب فتوات على حيواتنا بقرارات رسمية محفوفة بصيحات إعلام يومية مثل خطاب "لا صوت فوق صوت المعركة، والعدو على الأبواب، و كلفوا أجهزة مخابرات كثيرة بالشعب، ليس لدى الأنظمة وقت لتسميتها، أو أنهم رمزوا لها بأرقام للأيهام بكثرتها، والشعب مجوع في حفرة اسمها الوطن، وقد سلطت عليه سوى الشرطة والمخابرات شبيحة أو بلطجية تسرق قوته، ولا تستطيع كل أجهزة الدولة التصدي لها، فيخرج السائس (باسل الأسد مثلًا) بعد سنوات من  تسلط الشبيحة على الشعب في اللحظة الحاسمة، وهي عادة لحظة انتخابية، ويكافحها أو يكفّ شرها فترة، فيصير بطلًا فريدًا لا يشق له غبار.

وهو ما فعلته دول الطوق والأسورة، بالتعاون مع أميركا وفرنسا والإمارات وقيادة المايسترو الإسرائيلي الذي يفعل بغزة وفلسطين عمومًا ما نرى من تنكيل وقتل، فتظهر أميركا، لكنها بدلًا من تلقين إسرائيل الدرس واضطراره للهرب وتولي الأدبار، فإنها تنصحها وتعظها، وتمدها بالسلاح، وتستخفضها "مستوى القتل"، ثم يتفتق دهاؤها عن مدِّ غزة بالطعام من الجو، من السماء، وقد اختارت أميركا  السماء، والأرض أمهد وأسهل، والشاحنات بالآلاف تتنظر موافقة العبور، لأن السماء عزة وتعني العلو والرفعة والاقتدار، وقد وجدت حلًا آخر هو صنع ممر بحري، من قبرص إلى غزة، وهو أمر سيطول أسابيع وربما شهورا.

غالبًا يصرح لوسائل الإعلام أنه وزوجته وأبناءه سينتخبون الرئيس، مما يفسد التمثيل قليلًا، أو يزيد في مرح المشهد وفكاهته، فالغرض من الكوميديا هو الإضحاك وليس الإقناع

لكن رؤساءنا قد طوروا المشهد المسرحي، فصنعوا مسرحيات معكوسة، في أثناء الانتخابات الرئاسية، يأتي الرؤساء بأضعف مخلوقات الله، ويدربونه لأداء دور التيس المستعار، فيرشح التيس نفسه لمصارعة الكينغ فو  في حلبة الصناديق الانتخابية، ويكون المرشح مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا وسعيدًا بلقب المرشح الرئاسي، ومقابلة الرئيس العظيم والتقاط الصورة معه، وبوجبات الغذاء والعشاء المجانية، وبصوره في الشوارع، بل إنه غالبًا يصرح لوسائل الإعلام أنه وزوجته وأبناءه سينتخبون الرئيس، مما يفسد التمثيل قليلًا، أو يزيد في مرح المشهد وفكاهته، فالغرض من الكوميديا هو الإضحاك وليس الإقناع، أما الغاية من صيد الصقر فهو الصيد به، وليس الصقر بالطير الذي يؤكل لحمه، والغرض من الفيل هو الخدمة والاستعراض وجرِّ الجذوع الثقيلة، أو أداء فقرات السيرك كما تفعل الشعوب الأسيرة في حفرة الوطن.

أيها المغيثون جوا: علموا وجباتكم الرماية حتى لا تسقط في البحر، والسباحة، وركوب الخيل أيضا.