خطاب وطني من أجل سوريا

خطاب وطني من أجل سوريا

خطاب وطني من أجل سوريا
25 تشرين الأول 2020

مهما اختلفت وجهات النظر، وكيفما تعددت قراءة مجريات الثورة السورية، وما رافقها من أحداث وما تعرضت له من استهداف، وما وقع منذ اندلاعها في إطار الربيع العربي من تطورات وتغيرات محلية وإقليمية ودولية، وما تعرض له السوريون منذ عام 2011 من انتهاكات ومجازر؛ فنحن قادرون على العودة في أي وقت إلى منطلقات هذه الثورة ووضعها أمام الجميع كمرجعية ثابتة لا تتزحزح.

الثورة السورية هي ثورة ولدت من صميم الشعب السوري من احتياجاته الحقيقية ومن مطالبة الطبيعية، بمختلف فئاته ومكوّناته، لقد تبلورت شعاراتها الرئيسة من واقع السوريين ومن معاناتهم، لتضع أمام الجميع كلمات واضحة وبسيطة وأساسية: الحرية والكرامة والعدالة.

مطالب الشعب السوري تهدف في المحصلة إلى إحداث تغيير جذري يطول بنية نظام الاستبداد والفئوية والفساد الذي فرض نفسه على سوريا وشعبها منذ نصف قرن وقضى على الحياة التعددية والديمقراطية التي كان يعيشها بلدنا آنذاك، مطالب شعبنا تسعى نحو إقامة نظام بديل، نظام مدني تعددي ديمقراطي، تتساوى فيه جميع مكونات الشعب السوري، نظام يحافظ على النسيج المجتمعي، ويتعزز خلاله الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين، وتكون جميع المكونات حريصة على حقوق بعضها بعضاً كما تحرص على حقوقها وأحلامها الذاتية، وتدرك بأن حقوق البعض لا تكون مضمونة ما لم يتم صون حقوق الجميع.

هذا هو المعنى الحقيقي للمواطنة، أن نحرص على حقوق إخوتنا في الوطن قبل حقوقنا، وأن نفهم بأن حصولنا على حقوقنا على حساب حقوق الآخرين لا يمكن أن يكون خياراً عادلاً ولا مستداماً، بل سيؤدي إلى الخراب مجدداً ولو بعد حين. فأي فضل لنا إذا كنا ندافع عن حقوقنا ونرفض حصول إخوتنا في الوطن على حقوقهم.. عند ذلك  لا تعود حقوقنا حقوقاً، بل تتحول إلى مظالم.. وامتيازات وفساد.

هذا هو الخطاب الوطني الأخلاقي والسياسي الذي يساوي بين جميع مكونات الشعب السوري بغض النظر عن الإثنية والقومية والجنس والدين والمذهب، هذا هو خطاب المواطنة وتأمين الحقوق عبر دستور عصري يقرره الشعب في استفتاء عام.

روعة الثورة السورية جاءت من شموليتها، ومن جذورها الممتدة في آلام جميع السوريين وتطلعات جميع السوريين، الثورة التي عبرت كل الحدود وتجاوزت كل التقسيمات والتكوينات وفتحت أبوابها من خلال حراك سلمي وصمود أسطوري في وجه آلة إجرامية جهنمية صبت حممها على رؤوس المدنيين والمتظاهرين.

لم تكن الثورة السورية حالة فئوية لجماعة أو دين أو مذهب، وإنما مشروعاً لمختلف فئات ومكونات الشعب السوري، وهو ما كرسته في حراكها السلمي في معظم المدن والمناطق والقرى طيلة أشهرها السلمية، وفي المراحل التالية واجهت وعانت من مختلف محاولات الشيطنة، والحرف والتشويه، لكن أصواتها الحرة

 تمثل حقوق الشعب السوري والحريات التي يجب أن يعيشها المواطنون ويتمتعوا بها جوهرَ قضية الشعب السوري، وهي حقوق تنص عليها جميع الدساتير العصرية

ومعدنها الحقيقي ظل عصياً على الاختراق بفضل جذورها النابتة في أرض الحقوق المشروعة لجميع الشعوب، ولأنها لم تحمل إلا شعارات إنسانية طبيعية حقوقية سياسية ولا خلاف حولها، في الوقت الذي استمر فيه النظام في جرائمه الممنهجة باستقدام القوى الخارجية، والميليشيات الطائفية، وتدمير البلاد، وإجبار نحو نصف السكان على النزوح والهجرة واللجوء.

 تمثل حقوق الشعب السوري والحريات التي يجب أن يعيشها المواطنون ويتمتعوا بها جوهرَ قضية الشعب السوري، وهي حقوق تنص عليها جميع الدساتير العصرية، وكذلك الدساتير السورية السابقة، وبالأخص دستور عام 1950، وقد وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ والعهدين الدوليين الخاصين.

السنوات العشر المنصرمة كانت مليئة بالتحديات والتغيرات وقد شن خلالها النظام النظام حرباً على الشعب السوري استعان خلالها بقوى إقليمية ودولية لمواجهة الثورة، واستخدم جيش البلاد لقتل الشعب، وجيّر موارد الدولة لتمويل آلة عسكرية إجرامية ضد الشعب المطالب بالحرية وألقى البراميل المتفجرة واستخدم الأسلحة الكيميائية وزج مئات الآلاف في المعتقلات، وأعدم الآلاف من خيرة أبنائنا وشبابنا في أقبية سجونه الرهيبة، كل ذلك بالإضافة إلى الكثير من الإجرام الذي لا مكان لذكره هنا، تسبب بكثير من المآسي والدمار والخراب الذي طال جزء منه النسيج الاجتماعي للشعب السوري، وزرع شروخاً كبيرة بين أبناء الوطن وساهم في تخريب وكسر وحدة السوريين من أجل تعزيز فرص النظام في البقاء.

ومن جانب آخر جعل النظام من سوريا بلداً يتذيل قوائم التنمية في العالم وجعلها من الأفقر عالمياً، طوابير من المواطنين لا نهاية لها أمام المخابز ومحطات الوقود لا تجد فيها أحداً من أبناء العصابة الحاكمة ولا من دوائرهم الضيقة، حتى المساعدات الإنسانية الدولية التي تصل مناطق سيطرة النظام يتم سرقة الجزء الأكبر منها، وما تبقى يتم توزيعه بشكل انتقائي على الشبيحة المقربين.

لقد أوصلتنا سياسات النظام وتفاعلاتها مع المواقف الدولية إلى وضع معقد للغاية، وضع تتداخل فيه مصالح دول كبرى وإقليمية على حساب الشعب السوري، الأمر الذي يضع مزيداً من المسؤوليات على عاتق أهل الثورة، ويدفعنا نحو مزيد من التمسك بمبادئ هذه الثورة من أجل تجاوز المخاطر الجادة التي تراكمت خلال هذه السنوات. إن إعادة النظر بالرؤية السياسية وتجديد الخطاب الوطني مع مراعاة المعطيات التي استجدت أمر ضروري.

إن طبيعة هذا الخطاب المستند إلى حقوق طبيعية ومطالب وأهداف ذات بعد إنساني؛ تضعه فوق أي مجال للتفاوض، ما يعني أن النضال من أجل هذه الحقوق لا يمكن أن يتوقف بأي شرط، وأنه من غير المعقول أن نطالب أي شعب من شعوب العالم بوقف نضاله من أجل استعادة حقوقه، على العكس فإن المطلوب هو موقف من دول الحرية والديمقراطية، ومنظمات ومؤسسات المجتمع المدني والناشطين الإنسانيين وناشطي الحرية والعدالة حول العالم؛ يدعم أبناء الشعب السوري، المناضل في سبيل حقوقه الطبيعية المبدئية والأساسية.

أبناء سوريا في المناطق المحررة وفي المناطق الخاضعة للنظام أو لسلطات الأمر الواقع، وكذلك في دول اللجوء والاغتراب؛ مدعوون إلى اصطفاف وطني هدفه إنقاذ الوطن ومواجهة التحديات الخطيرة التي يواجهها، والحفاظ على وحدته الجغرافية والسياسية والاجتماعية، وتفعيل الحراك الثوري والمقاومة الشعبية بكل أشكالها وصورها، بما في ذلك العمل على إخراج القوات الأجنبية، والميليشيات الطائفية العابرة للحدود، ومقاومة التفريط بسيادة الوطن ومصالحه والعبث بثقافته ولغته وعقائده.

مقالات مقترحة
سوري من أصل فلسطيني بين المشاركين بتطوير لقاح كورونا في ألمانيا
جهود وخطط للحصول على 900 ألف لقاح كورونا لشمال غربي سوريا
"محافظ طرطوس" يصدر قرارات جديدة للحد من انتشار كورونا