جعجع يخرج عن قواعد اللعبة

2023.01.21 | 06:54 دمشق

جعجع يخرج عن قواعد اللعبة
+A
حجم الخط
-A

لا يجب أن يمر كلام رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع "عن إعادة النظر في كل التركيبة اللبنانية" مرور الكرام، فمن المعروف عنه أنه لا يتسرع في إطلاق المواقف بل تكون مسبوقة عادة بالتخطيط والترتيب. ولكي لا يدع مجال للشك أكد الكلام في كلمة متلفزة في اليوم التالي.

ينظر جعجع للانتخابات الرئاسية على أنها الفرصة الأخيرة للرضى بالسير بقواعد اللعبة والتي توقف حزب الله عن الالتزام بها منذ سنوات. حدد جعجع إذاً الخطة "ب" في حال وصل رئيس على غير مراده وهو تغيير في منهجية القوات، فقد دأبت القوات على تقديم نفسها حامية حمى قواعد اللعبة السياسية اللبنانية، إلا أنها الآن تعلن الخروج عن قواعد اللعبة إن لزم الأمر.

وعد جعجع بالتغيير في حال ربح الانتخابات البرلمانية فحقق نتيجة مسيحية ممتازة وضعته تحت ضغط الإيفاء بالوعود. راهن على توحيد المعارضة فوصل إلى قناعة باستحالة الأمر. راهن على فرض رئيس من دون  حزب الله ففشل. راهن على تراجع إيران في المنطقة وتقدم المحور العربي فوجد أن أمد هذا الرهان طويل.

لا حل بالنسبة لجعجع من داخل الصندوق، ففي لبنان فريق يمتلك السلاح وكذلك العلاقات الخارجية الأقوى

اقتنع جعجع ضمنيا بأن لا رئيس إلا برضى حزب الله وباستحالة فض يد حزب الله عن مفاصل الدولة اللبنانية وبالتالي استمرار الوضعية الراهنة مع احتمالية كبيرة لمقاطعة سعودية للبنان، وبالتالي استمرار الضغط والتدهور الاقتصادي في حال سارت الأمور كما يريد الحزب. فما الحل في حال اتجه لبنان في هذا الاتجاه؟

لا حل بالنسبة لجعجع من داخل الصندوق، ففي لبنان فريق يمتلك السلاح وكذلك العلاقات الخارجية الأقوى. صحيح أن إيران ليست اللاعب الأقوى والأوحد المؤثر في لبنان إلا أن العلاقة بينها وبين حزب الله لا يمكن أن يبلغه أي حزب لبناني مع أي جهة خارجية، وهو ما يجعل حزب الله يمتلك العلاقات الخارجية الأقوى. على سبيل المثال وفي نفسه المقابلة، بدا جعجع متذمرا من أميركا حتى فهم منه المحاور بأن علاقته بها متوترة.

كل الحديث كان بمعرض الخطة ب ولكن الحجم الذي حظيت به مساحة الكلام يفهم منها بأنها  صاحبة الاحتمالية الأعلى.

هذا الكلام المتقدم يتلمسه أي متابع في حديثه مع الكتائب والقوات جمهورا وقيادة. إضافة إلى ذلك فقد قال النائب طوني سيلمان فرنجية الوريث السياسي لمرشح محور المقاومة في الانتخابات الرئاسية في حديثه مع الإعلامي جاد غصن بأنه مع التقسيم أو الفدرالية "لأننا ببلد ناس بسمنة وناس بزيت… كل واحد فاتح إمارته عحسابه.. ناس بتدفع (ضرايب) وناس ما بتدفع..."

قد لا يكون النائب طوني فرنجية مع هذا الخيار حقيقة ولكن مجرد القول به ولو لمرة تأكيد إضافي بأن ما صرح به جعجع ليس خيارا حزبيا سياسيا بل خيار اجتماعي.

في زمن الحرب وصل جزء كبير من المسيحيين لقناعة راسخة بأن العيش المشترك لا أمل منه، فخرج العديد من المنظرين لهذا التوجه وكتبوا فيه وكان قائد حركتهم السياسية وداعم هذه الأفكار الرئيس الراحل بشير الجميل قبل وصوله للرئاسة فعرف عنه الاستهزاء "بالصيغة اللبنانية" القائمة على التعايش الإسلامي المسيحي.

تغير موقف بشير بعدما شعر أن بإمكانه حكم الطرفين وتحول من استهداف الصيغة إلى التمسك بشعار ال١٠٤٥٢ وهي مساحة لبنان الحالية. بعد اغتيال بشير عادت فكرة الفيدرالية أو التقسيم للشارع المسيحي لتكون مرادفة لليأس من الإصلاح في لبنان. عليه، فكلما ارتفع منسوب اليأس زاد التوتر والشعور بأن الخلاص يكون بالتصغير والتجانس.

إشكالية الطرح التقسيمي العملية (أو ما يختبئ خلف الفدرلة) هو كون صراع السلطة في لبنان وإن كان حزب الله الطرف الأساسي فيه إلا أن اللاعبين المسيحيين أنفسهم يلعبون دورا محوريا كذلك. فتعطيل انتخابات الرئيس عموده بالإضافة للثنائي الشيعي هو التيار الوطني الحر والمردة. والتهريب والتهرب من الضرائب موزع على كافة المحافظات ومتناسب مع نسب التنمية. فمناطق الأطراف التي تفتقد للتنمية تنشط فيها عمليات التهرب الضريبي ومناطق الجبل حيث نسب التنمية أعلى ترتفع فيها نسب الجباية. أما عن التهريب فتتشارك فيه مختلف الطوائف فقد ضبطت كمية محروقات هائلة مخرنة لدى عائلة صقر المؤيدة للقوات. كما يعرف عن قيادات حزبية في عكار والهرمل إشرافها على عمليات التهريب والاستفادة منها.

أما إن كان المستهدف هو علاقات خارجية سليمة، ففي حال التقسيم سيستمر التجاذب بين القوى السياسية في كل "كنتون" لاجتذاب الدعم الخارجي الحزبي لمحاولة السيطرة على "المقاطعة"، وهو ما نراه جليا اليوم في الصراع القواتي التياري ولجوء كل حزب منهم لدولة خارجية لتلقي الدعم وهو ما سيزداد في حال التقسيم. عليه، لن يتغير الكثير بالنسبة للتعاطي مع الخارج.

إن القفز من زورق الدولة اللبنانية بشكلها الحالي إلى زورق التقسيم المقنع قد لا يخرج القوات ولا غيرها من مستنقع الأزمات اللبنانية

أما إن كانت المشكلة ثقافية فإن الواقع لن يتغير عما هو  عليه الآن فأعراف المناطق طاغية وصبغتها الاجتماعية تفرض نفسها بشكل تلقائي والتعليم والأحوال الشخصية موزعان أساسا على الطوائف وحرية الحركة فيهم كبيرة.

خلاصة القول إن القفز من زورق الدولة اللبنانية بشكلها الحالي إلى زورق التقسيم المقنع قد لا يخرج القوات ولا غيرها من مستنقع الأزمات اللبنانية. صحيح أن لبنان يحتاج لمعجزة جوهرية و  ليس للتقسيم أو الفدرلة.