جعجعة التطبيع مع نظام الأسد

تاريخ النشر: 11.10.2021 | 06:55 دمشق

قيل الكثير خلال الأسابيع الماضية، وربما الأشهر الماضية، عن تحركات عربية، مباشرة وغير مباشرة، تهدف إلى إعادة سوريا إلى الجامعة العربية، واستند كثيرون في تحليلاتهم وقراءاتهم لهذا الأمر إلى لقاءات واجتماعات وتصريحات، صدرت عن مسؤولين من الأردن والجزائر والعراق وغيرها، وإلى تحريك بعض الملفات المُجمّدة بين بعض الدول العربية وسوريا، كالأردن ومصر ولبنان وغيرها، وبُنيت على ذلك قناعات لدى الكثير من المحللين والسياسيين بأن الدول العربية في طريقها إلى فتح الباب أمام نظام الأسد للعودة إلى الحضن العربي من دون شروط سياسية.

ذهب البعض من مؤيدي نظام الأسد، إلى أبعد من ذلك بكثير، واعتبروا أن الدول العربية هي التي تعود إلى الحضن السوري لا العكس، وأن نظام الأسد انتصر في حربه العسكرية والسياسية والدبلوماسية، وأن الدول العربية التي اتّخذت موقفاً مؤيداً للثورة وللتغيير السياسي في سوريا اكتشفت خطأها وغيّها، وأنها الآن تعود صاغرة إلى "الصراط المستقيم"، ويُروّجون إلى أن سوريا ستعود أقوى من ذي قبل، عربياً وإقليمياً ودولياً، بفضل حكمة نظامها لا بفضل دمويته.

المعارضة السورية التي لا تريد أن يتم هذا التقارب بين الدول العربية ونظام الأسد، وترى به نكسة خطيرة لثورتها، وقفت بموقف المُتلقي للحدث، تنتظر سماع الأخبار من وسائل الإعلام، علّها تسمع نفياً لنيّة التطبيع مع نظام الأسد من هذا البلد أو ذاك، وبدأت منصاتها الإعلامية تتهجم تدريجياً على كل دولة تُبدي ملامح تقارب أو تقوم بعمل قد يُفهم منه أنه تطبيع، من دون أن تقوم هذه المعارضة بحملة علاقات سياسية ودبلوماسية عربية واسعة، ودون أن تقوم بزيارات أو اجتماعات مع حلفائها في هذه الدولة أو تلك، علّها تُحقق خرقاً ولو على مستوى صغير وبسيط يعرقل هذا التطبيع أو يؤجله، إن كانت هناك بالفعل نوايا للتقارب مع نظام الأسد.

الأردن مأزوم اقتصادياً لدرجة خطيرة، ويسعى لزيادة موارده، ويعاني مشكلات التهريب والمخدرات وغيرها عبر حدوده مع سوريا

في الحالة السورية الراهنة، ومع تعدد المتدخلين، وتضارب واختلاط مصالح الدول، العربية والإقليمية والغربية، ومع امتداد الحرب السورية إلى أكثر من عشرة أعوام، وبروز أزمات كبيرة على هامش المأساة السورية، كأزمات اللاجئين والعقوبات والانتكاسات الاقتصادية لدول المنطقة وتأثيرات كورونا عليها والتطرف والإرهاب العابر للحدود والتهريب والمخدرات والتزوير وأخطاء المعارضة وغيرها من الأزمات التي ولّدها صراع القوى العظمى والكبرى والإقليمية، والمصالح المتضاربة لها، كل ذلك جعل كثيرا من الدول تبحث عن مصالحها أولاً قبل ما يُفرض عليها من قبل المجتمع الدولي والقوى الكبرى فيه.

الأردن مأزوم اقتصادياً لدرجة خطيرة، ويسعى لزيادة موارده، ويعاني مشكلات التهريب والمخدرات وغيرها عبر حدوده مع سوريا، ولبنان حليف لنظام الأسد، ويُحكم حزب الله القبضة عليه، مصر تسعى لدور عربي ريادي قائد افتقدته منذ حرب 73 ونفذ صبرها بانتظاره، ودول الخليج تريد استقراراً وأمناً لها واستثمارات تزيد من غناها، والعراق حديقة خلفية لإيران بمعنى الكلمة، والجزائر وعُمان وموريتانيا وتونس، كلها دول هامشية في المشهد العربي وحتى الإقليمي، وبعضها مأزوم بداخله، لا تصلح كمثال للقياس، وحتى الولايات المتحدة، مايسترو ما يجري في الشرق الأوسط، فهي رغم أنها ترسم استراتيجياتها لثلاثين سنة مقبلة على الأقل، فإنها براغماتية جداً، وتحيد عن المسار أحياناً لتصويبه أو للتحول إلى خطة "ب" توصلها بالنتيجة إلى المسار الأساس المرسوم، وقد تجد في غض الطرف عن بعض تجاوزات بعض الدول لقراراتها لتصحيح بعض الثغرات في خططها، ولا تُمانع بها إن كانت هامشية ولا تُؤثّر على الهدف الأساس.

في كثير من الحالات، خلال الحروب وبعدها، وخلال مقاطعة دولة أو حصارها، أو خلال فرض عقوبات عليها بسبب تمردها أو خروجها عن الأعراف والقوانين الدولية، تبقى العلاقات بين الدول، خاصة على المستوى الأمني والاستخباراتي قائمة، لأن بهذا الأمر مصلحة لكل الأطراف، بما فيها الأطراف التي فرضت العقوبات أو حاصرت، واستمرار هذا النوع من العلاقة لا يعتبر تطبيعاً.

كذلك، في كثير من الحالات، يُسمح لبعض الدول بكسر الحصار الاقتصادي عندما يتبيّن أن ضرره طال دولاً حليفة، أو توسّع أكثر من المتوقع، أو أصاب الشعوب بكارثة، خاصة لو كانت العقوبات المُطبّقة مفروضة على نظام وليست على شعب، وأحياناً يُستخدم التطبيع الاقتصادي كـ "جزرة" إن كان الأمر يقتضي ذلك في مرحلة ما.

تقف خلف نظام الأسد حرب دموية، ومئات آلاف القتلى، وتشريد ملايين البشر، وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ودمار بنى تحتية كاملة، والأهم فشل دولة

إعادة نظام الأسد إلى الفلك العربي ليس أمراً سهلاً، وليس مجرد صفقة أنابيب غاز هنا أو ترانزيت شاحنات هناك، وليس مجرد دعوة لغداء لمسؤول سوري هنا أو تصريح دبلوماسي عابر هناك، الموضوع دولي قبل أن يكون عربياً، وتقف خلف نظام الأسد حرب دموية، ومئات آلاف القتلى، وتشريد ملايين البشر، وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ودمار بنى تحتية كاملة، والأهم فشل دولة، وكل هذا يصعب القفز فوقه بسهولة، سياسياً وحقوقياً وأخلاقياً. كذلك، يقف وراء الأزمة السورية قوى عظمى، تُعلن منذ سنوات أن أي تطبيع غير ممكن، وأي إعادة تلميع غير متاحة، دون أن يكون هناك حل سياسي واضح ومتوازن ومرضي للجميع، ينطلق من القرارات الدولية ذات الشأن وخاصة 2254، وهذا هو أهم مدخل، ودون ذلك، لن نرى سوى القليل من الطحين.