تهدد حياة مليون إنسان بإدلب.. المياه الآسنة تتسلل إلى جوف الأرض والأمعاء (تحقيق)

تاريخ النشر: 20.01.2022 | 05:36 دمشق

آخر تحديث: 20.01.2022 | 09:55 دمشق

إدلب - فائز الدغيم

لم يكن محمد العبد من أهالي قرية كفر روحين غربي مدينة إدلب يعرف سبب ارتفاع الحرارة المفاجئ والإسهال الذي أصاب أطفاله أواخر العام الفائت 2021، وزاد الأمر حيرة انتشار هذه الأعراض على نطاق واسع بين أطفال القرية والقرى المجاورة خلال أيام، ما دعا أهلهم إلى الإسراع نحو المراكز الصحية لعلاج آلامهم الشديدة، لكنهم وجدوا تفسيراً عندما خرجت مياه داكنة آسنة من صنابير منازلهم بعد أيام.

المياه الآسنة التي لوثت أمعاء أهالي القرى المحيطة بسد كفر روحين دقت ناقوس الخطر من كارثة بيئية في وجه المنظمات العاملة في المجال الإنساني والسلطة المحلية المتمثلة بـ "حكومة الإنقاذ"، التي اكتشفت أن مياه الصرف الصحي الخارجة من مدينة إدلب ومخيمين قرب قرية كفر روحين، شكّلت بحيرة من المياه الآسنة خلف سد كفر روحين وبدأت بالتسرب إلى الآبار الجوفية التي تغذي نحو 800 ألف إلى مليون شخص في مدينة إدلب والقرى المحيطة بالسد بمياه الشرب، بالإضافة إلى عشرات آلاف المزارعين المهددين بطوفان المياه الآسنة إلى أراضيهم، فضلاً عن انتشار الروائح الكريهة والحشرات والبعوض

 

سد كفر روحين وبحيرة المياه الآسنة المتجمعة خلفه

 

ازداد عدد سكان مدينة إدلب 4 أضعاف خلال 5 سنوات وأُنشئت مخيمات من دون دراسة كافية مع غياب البنية التحتية لمعالجة مياه الصرف الصحي وتصريفها في مدينة إدلب ومحيطها، وإهمال "حكومة الإنقاذ" لهذه المشكلة المتفاقمة، وضعف الدعم الدولي للمشاريع الخدمية والتنموية، كل ذلك حوّل سد كفر روحين من سد ترشيحي داعم للمياه الجوفية في المنطقة إلى أكبر مستنقع للمياه الآسنة في شمال غربي سوريا، أكثر المناطق الجغرافية اكتظاظا بالسكان في سوريا بعد الحرب، وتراكم قرابة نصف مليون متر مكعب في مياه الصرف الصحي خلف جدار السد (ما يعادل 20 ألف صهريج مقطور من الحجم الأكبر).

 

EVkEN2TWkAEbb7i.jpg
صورة توضيحية لصهريج المياه الكبير بحجم 20 مترا مكعبا (يونيسيف)

 

والآن اتسعت دائرة التلوث أكثر من 1.5 كم عن السد وبحيرة المياه الآسنة المتجمعة خلفه، وتدرس "حكومة الإنقاذ" ما يمكنها فعله لتدارك أكبر كارثة مرتقبة قبل أن يصل التلوث إلى بئر سيجر وهو بئر المياه الرئيسي المغذي لمدينة إدلب والذي لا يبعد عن مركز التلوث سوى مسافة 4.5 كم.

يعدّ سد كفر روحين واحداً من خمسة سدود ترشيحية في محافظة إدلب تبلغ سعتها التخزينية مجتمعة أكثر من 4.5 ملايين متر مكعب، وهو الأكبر بينها، حيث تقع بقية السدود في كل من معرة النعمان والهبيط وخان شيخون والعقرق.

مهمة هذه السدود حصر مياه الأمطار التي تجري في الأودية القريبة ومن ثم نقلها إلى الأحواض المائية الجوفية عبر آبار خاصة تحفر في قاع السد، يطلق عليها الآبار "البيزومترية".

 

map3 (1).jpg

 

 

والسد الذي يقع إلى الغرب من مدينة إدلب بنحو 8 كيلومترات تم البدء بتشييده عام 1988 ودخل العمل فعلياً عام 1991 على مجرى وادي حج خالد الممتد من أطراف مدينة إدلب وحتى قرية كفر روحين التي سمّي السد باسمها، وتصب فيه العديد من المجاري المائية الفرعية المنحدرة من التلال والجبال المحيطة بهذا الوادي، وتبلغ سعته التخزينية مليوني متر مكعب من الماء، ومهمته الرئيسية درء الفيضانات التي تحدث الخراب في المحاصيل الزراعية، ودعم الحوض المائي الجوفي في المنطقة ولمسافة 10 كم من مركز السد وتغذية الآبار في منطقة سهل الروج.

يدق هذا التحقيق الاستقصائي ناقوس الخطر الذي سيضرب المنطقة المكتظة بالسكان على عدة مستويات:

  • تلوث آبار مياه الشرب المغذية لمدينة إدلب والقرى الواقعة بينها وبين سد كفر روحين، والتي تضم ما لا يقل عن 800 ألف - مليون نسمة.
  • تلوث مساحة لا تقل عن 10 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية في سهل الروج، الذي يعد السلة الغذائية الأكبر لإدلب، وتضرر عشرات آلاف المزارعين في حال قررت "حكومة الإنقاذ" تفريغ المياه الآسنة نحو حقولهم.
  • انتشار الأمراض المعوية والجلدية في كامل المنطقة:

الأمراض المعوية المرتبطة بالمياه الملوثة: الإسهال الحاد الذي قد يصل للتجفاف، والالتهابات المعوية الشديدة، وداء الشيغيلات الذي يؤثر على الجهاز الهضمي للإنسان ويتلف بطانة الأمعاء ويسبب الإسهال المائي أو الدموي وتشنجات البطن والتقيؤ والغثيان، وكذلك الكوليرا والتهاب الكبد والتهاب الدماغ، والأميبا وعدوى الجيارديات وغيرها.

الأمراض الجلدية التي تنقلها الحشرات من المستنقعات: من أبرزها اللشمانيا والجرَب

 

إصابات باللشمانيا في مخيمات إدلب

تضخم سكاني في إدلب وغياب البنية التحتية اللازمة

تحولت محافظة إدلب إلى مركز ثقل سكاني غير مسبوق في شمال غربي سوريا نتيجة الحرب المستمرة واستقبالها موجات النزوح والتهجير المتعاقبة، وبالأخص مدينة إدلب التي باتت أكثر المناطق الجغرافية اكتظاظا في سوريا، حيث ارتفع عدد سكانها من 160 ألف شخص عام 2010 إلى 685 ألفاً عام 2021، بحسب إحصائية غير رسمية.

هذا التضخم السكاني والكثافة المرتفعة في المحافظة بشكل عام ومدينة إدلب بشكل خاص، لم يرافقه تطوير خدمي أو مشاريع بنية تحتية تستوعب هذا التضخم، فضلاً  عن غياب خطط التنمية خلال العقد الأخير بفعل الحرب

الكثافة السكانية في مدينة إدلب زادت الضغط على شبكات الصرف الصحي الخارجة منها والبالغ عددها 4 مجارٍ، ومنها المجرى الغربي الخارج من أحياء "مشروع جعفر والضبيط ومساكن الضباط ومشروع الرنة وجنوب المشتل وشرق دوار الفلاحين بالإضافة إلى حيي الجامعة والناعورة"، تلك الأحياء التي تؤوي نصف عدد سكان مدينة إدلب، بحسب ما صرح به رئيس مكتب الأشغال في مجلس مدينة إدلب عامر عبيد لموقع تلفزيون سوريا.

 

مجرى الصرف الصحي الغربي الخارج من أحياء مدينة إدلب

 

غياب التخطيط والإهمال

في السابق كانت مياه الصرف الصحي الخارجة من مدينة إدلب تنفذ قبل وصولها إلى سد كفر روحين الصحي بسبب استخدامها من قبل المزارعين لري المزروعات، لكن منع "وزارة الزراعة والري في حكومة الإنقاذ" ري المزروعات بمياه الصرف الصحي وفرضها عقوبات تشمل الغرامة المالية والسجن وإتلاف المحصول المروي بهذه المياه، خفّف من استخدامها إلى حد كبير مما أدى إلى جريانها لمسافة أطول في الوادي المؤدي للسد.

قرار الوزارة صحيح من ناحية المبدأ العلمي، لكنها لم تتوقع أن يتسبب ذلك بزيادة كمية مياه الصرف الصحي الواصلة إلى سد كفر روحين، وبالتالي حلّت الوزارة مشكلة أصغر (سقاية المزروعات بمياه الصرف الصحي) وخلقت مشكلة أكبر (زيادة كمية مياه الصرف الصحي الواصلة إلى السد).

أيضاً بناء منظمات إنسانية مخيمات لإيواء المهجرين حول مجرى الوادي وتصريف مياه الصرف الصحي الخارجة من المخيمات إلى الوادي، زاد من كمية مياه الصرف الصحي التي تصل إلى السد.

 

 

تجمع في حوض السد أكثر من 400 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي في مطلع كانون الأول/ديسمبر الماضي، مع زيادة قدرها 1500 متر مكعب يومياً، بمعدل ضخ وسطي قدره 60 متراً مكعباً بالساعة، بحسب وزارة الزراعة والري في حكومة الإنقاذ، مما حول السد إلى بحيرة للمياه الآسنة، ومصدر تلوث بيئي لعدة قرى محيطة به وتهديداً لقرى أخرى على نطاق أوسع.

 

التدفق الكبير لمياه الصرف الصحي في مجرى وادي خالد باتجاه سد كفر روحين

مئات الآبار تلوثت ودائرة التلوث تتسع يومياً

تحولت مئات الآبار الجوفية في محيط سد كفر روحين التي كانت تخزن مياها صالحة للشرب، إلى "جور" صرف صحي بعد أن تسربت المياه الآسنة إليها عبر طبقات الأرض.

ولاحظ سكان هذه القرى تغيراً في مواصفات المياه من ناحية الطعم أو اللون أو كليهما معاً، وتقدموا بعدة شكاوى للمديرية العامة للموارد المائية والتي قامت بكشف على السد وأخذ مجموعة عينات من مياه هذه الآبار لتحليلها

جميع عينات مياه الشرب المأخوذة من القرى المحيطة بالسد ظهرت نتائج تحليلها المخبري على أنها عينات سلبية وغير صالحة للشرب.

 

تحليل مخبري لعينات مياه الشرب المأخوذة من القرى المحيطة بسد كفر روحين

 

على الأرض انتشرت خريطة التلوث في القرى المحيطة بالسد كما يأتي:

  • قرية كفر روحين التي يبلغ عدد سكانها مع النازحين 6850 شخصا فيها 150 بئراً لاستخراج المياه الجوفية، بحسب ما أفاد رئيس المجلس المحلي للقرية وليد المحمد لموقع تلفزيون سوريا.
  • قرية مورين التي يبلغ عدد سكانها حالياً 322 شخصاً مع النازحين فيها أكثر من 220 بئراً لاستخراج المياه الجوفية.
  • في قرية بعيبعة التي لا يتجاوز عدد سكانها ألف نسمة فيها 40 بئراً.

ما يزيد من خطورة التهديد أن بقعة انتشار التلوث في المياه الجوفية آخذة بالاتساع، ففي الفترة الممتدة ما بين 10 إلى 25 من كانون الأول/ديسمبر 2021 اتسعت دائرة الآبار الملوثة إلى 7 أضعاف.

وبالاستناد إلى نتائج العينات السلبية المأخوذة من مياه الآبار، رسم موقع تلفزيون سوريا خريطة توضيحية لانتشار التلوث ضمن دائرة مركزها سد كفر روحين.

في العاشر من كانون الأول/ديسمبر كان نصف قطر دائرة التلوث يبلغ 200 متر، في حين وصل نصف قطرها إلى 1500 متر في الـ 25 من كانون الأول/ ديسمبر.

 

map2.jpg
دائرة التلوث حتى تاريخ نشر التحقيق

 

وحصل موقع تلفزيون سوريا على مواقع بعض الآبار الملوثة وفق التحاليل المخبرية في مختبرات وزارة الزراعة والري وفق الإحداثيات الآتية والتقى بعدد من أصحابها.

04_0.jpg

 

IMG_٢٠٢١١٢٢٧_١٤٣١٠١-logo.jpg

من المسؤول؟

توجّه مُعدّ التحقيق بجملة من الأسئلة لمختلف الجهات المعنية بهذه الكارثة البيئية.

وأوضح مدير مكتب الأشغال في مجلس مدينة إدلب، عامر عبيد، أن الميل الجغرافي للأرض يحتم توجيه الصرف الصحي باتجاه الوادي المؤدي للسد، ولا يوجد أي وادٍ بديل لتوجيه مجرى الصرف الصحي إليه.

وأضاف بأن محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي الخارجة من مدينة إدلب عبر هذا المجرى، جُهزت قبل عام 2011 لكنها لم تدخل حيز العمل، مشدداً على أن المنطقة تحتاج لمحطة تنقية.

واستدرك عبيد بأنه رغم الزيادة السكانية في مدينة إدلب، فإن مياه الصرف الصحي الخارجة من المدينة لم تكن تصل للسد قبل إنشاء مخيمات للمهجرين قرب مجرى الوادي، وهو ما أكدته مديرية الموارد المائية في وزارة الزراعة والري في حكومة الإنقاذ.

كما عاين موقع تلفزيون سوريا المنطقة المحيطة بمجرى وادي حج خالد والممتدة ما بين مدينة إدلب وسد كفر روحين، ورصد قيام كل من "منظومة وطن" و"منظمة مرام" بتصريف مياه الصرف الصحي الخارجة من مخيميهما إلى مجرى الوادي المؤدي إلى السد.

اكتمل إنشاء مخيم وطن قرب قرية كفر جالس في نيسان الفائت ويتكون من 3100 وحدة سكنية تؤوي 11 ألف شخص.

 

مخيم وطن في كفر جالس

 

تحدث مدير برنامج المأوى في "منظومة وطن"، نادر العلي، لموقع تلفزيون سوريا عن المخططات التي كانت معدة للتخلص من مياه الصرف الصحي منذ الشروع في إنشاء المخيم.

وقال إن منظومة وطن عاينت المواقع المحيطة بالمخيم وقررت توجيه مياه الصرف الصحي باتجاه وادي حج خالد ليلتقي مع الصرف الصحي القادم من الجزء الغربي لمدينة إدلب والجزء الغربي لقرية كفر جالس.

"إدارة شؤون المخيمات التابعة لوزارة التنمية والشؤون الإنسانية في حكومة الإنقاذ" هي الجهة التي منحت الترخيص اللازم لمنظومة وطن لإنشاء مخيمها، بحسب نادر العلي.

وبرّر العلي طريقة التخلص من مياه الصرف الصحي في مخيم وطن بكفر جالس بقوله: "إن جميع مسارات مياه الصرف الصحي في محافظة إدلب تنتهي بمسارات أو وديان مكشوفة مثل مجاري كل من مدن وبلدات "باتبو- أريحا - دارة عزة "، ولا يوجد فعلياً أي محطة معالجة لمياه الصرف الصحي في المنطقة".

وأنشأت منظمة مرام مخيماً بالقرب من مخيم وطن، يتألف مخيم مرام من 1133 وحدة سكنية تؤوي 3600 شخص، بدأ إنشاء المخيم مطلع شباط/ فبراير 2021 على أن ينتهي إنشاؤه بعد 60 يوماً، لكن خلافات وقضايا مالية أحيلت إلى القضاء بين المنظمة والمقاول الذي ينشئ المخيم أوقفت عمليات الإنشاء لعدة أشهر ثم استُكمِلَت لاحقاً، وسكنه المهجرون أواخر أيلول/ سبتمبر 2021.

 

 

التقى موقع تلفزيون سوريا مع عبد الكريم قيسون مدير مشروع التسكين وخدمات "الووش" (مياه شرب وصرف صحي وصيانة البنى التحتية)، وأفاد قيسون بإعداد المنظمة لدراسة مشروع للتخلص من مياه الصرف الصحي عند إنشاء المخيم تقضي بإنشاء حفر تصفية كبيرة (جور صحية) يتم شفطها بشكل دوري، إلا أن مرور مجرى الصرف الصحي الخاص بقرية كفر جالس بالقرب من المخيم ألغى مشروع الحفر ودفع المنظمة لتخفيف التكاليف والتخلص من الصرف الصحي الخارج من المخيم إلى الوادي.

 

الصرف الصحي الخارج من مخيم مرام

 

قيسون في بادئ الأمر قال إنهم في منظمة مرام حصلوا على الموافقات اللازمة من المجلس المحلي في قرية كفر جالس لتوجيه الصرف الصحي باتجاه الوادي، لكنه لم يقدم أي إثبات خطي، وأكد أن أي خطوة كانت تتم بإشراف "وزارة التنمية والشؤون الإنسانية في حكومة الإنقاذ"، كما تحدث قيسون عن عدم علم منظمة مرام بمصب مجرى الصرف الصحي في الوادي الذي يصل بدوره إلى سد كفر روحين.

لم تقدم منظمتا وطن ومرام أياً من الموافقات الخطية التي استخرجتها عند الشروع في بناء المخيمات، مما دفعنا للتوجه إلى المعمل الأزرق (مبنى إداري يتبع لوزارة التنمية والشؤون الإنسانية في حكومة الإنقاذ معني بملف المنظمات والمخيمات) بهدف الاطلاع على دفتر الشروط الفنية المتفق عليه بين وزارة التنمية وكل من منظمتي وطن ومرام قبل البدء بتنفيذ مشاريع مخيماتهما في محيط كفر جالس، خاصة آلية التخلص من مياه الصرف الصحي، ومعرفة ما إن كانت منظمة مرام قد ألغت مشروع إنشاء حفر التصفية إما قبل موافقة وزارة التنمية على شروط إنشاء المخيم أو بعد الموافقة؛ لكن مديرية شؤون المخيمات التابعة لوزارة التنمية لم تطلع معدّ التحقيق على دفتر الشروط الفنية، متذرعة بصعوبة إيجاده كونه يعود لتاريخ قديم وتغيّر الموظفين.

إلا أن مدير دائرة التطوير في مديرية شؤون المخيمات عبد الفتاح رحال قال لموقع تلفزيون سوريا إنه "لا يعتقد" أن المنظمات خالفت ما اتفق عليه في دفتر الشروط الفنية.

وأشار رحال إلى أن مديرية شؤون المخيمات بصدد منع تنفيذ أي مشروع صرف صحي للمخيمات لا يصب في مصب مغلق بعد حادثة التلوث الحالية في سد كفر روحين.

لكن موقع تلفزيون سوريا حصل على نسخة من العقد المبرم بين منظمة مرام والشركة المقاولة التي نفذت مشروع المخيم، وذُكر فيه بند يتعلق بإنشاء خزانات لترسيب مياه الصرف الصحي، لكنها على الواقع لم تنفذ.

التسلسل الزمني للأحداث يظهر أن منظمة مرام ألغت العمل على إنشاء خزانات الترسيب بعد حصولها على موافقة وزارة التنمية، وبعد توقيعها العقد مع الشركة المقاولة، ووجّهت مجرى الصرف الصحي الخارج من المخيم باتجاه الوادي المؤدي إلى سد كفر روحين. والغاية من ذلك تخفيف التكاليف بحسب ما أكده قيسون أعلاه.

العقد يتكون من عدة بنود أحدها بعنوان "تقديم وصب خزان ترسيب ومعالجة للصرف الصحي" ووقع عليه كل من المدير التنفيذي في مؤسسة مرام يقظان شيشكلي من طرف، ومدير مركز الأبحاث الحضرية Urban Research Center (URC) رضوان موقت كجهة مقاولة منفذة للمشروع من طرف آخر.

سيبلسيبلسيبلسيبلفق_0.jpg

 

لارؤىلا.jpg

 

راسل موقع تلفزيون سوريا إدارة منظمة مرام عبر الإيميل، وذلك بناء على طلب مدير مشروع مخيم مرام، وطلب توضيحات وتبريرات مدعمة بالوثائق، لسبب إلغاء الجزء المتعلق بشبكة الصرف الصحي، وتحويل مياه الصرف الصحي الخارجة من المخيم إلى مجرى وادي خالد الذي يصب في سد كفر روحين.

وجاء رد إدارة منظمة مرام بأنه في مرحلة تصميم المشروع تمت دراسة إنشاء شبكة الصرف الصحي لمخيم كفر جالس بطول ما يقارب 8900 متر باختلاف أقطار القساطل على أن تصبّ الشبكة في حجرتين فنيتين (جُوَر فنية تجميعية وليست خزانات لمعالجة مياه الصرف الصحي) ويتم الشفط من الحجرتين يومياً وتفريغها في أماكن مخصصة خارج المخيم.

وأوضحت إدارة مرام في ردها: "بعد الإعلان عن المناقصة متضمنة جميع الدراسات والكميات، وبعد البدء بإنشاء المخيم، وبمشورة من الداعم وبهدف تحقيق الاستدامة في المشروع تم تغيير الدراسة على النحو الآتي: إلغاء حجرتي تجميع مياه الصرف الصحي ووصل شبكة الصرف الصحي لمخيم كفر جالس بخط الصرف العام خارج المخيم (مجرى وادي خالد)، حيث تعهدت إحدى المنظمات السورية بإجراء إعادة التأهيل اللازمة لخط الصرف الصحي المكشوف (خط الصرف الصحي المار في وادي خالد)".

وقالت إدارة المنظمة إنها أنشأت شبكة صرف صحي (داخل المخيم) ووصلتها بخط الصرف الصحي للقرية.

وتابعت: "ووفقاً لذلك تم تغيير العقد مع الشركة المنفذة على أن يتم توصيل شبكة الصرف الصحي في المخيم إلى خط صرف القرية بعد ضمان وجود جهة تتعهد بإعادة تأهيل خط الصرف المكشوف, وفي الوقت نفسه لتقليل الكلفة التشغيلية اليومية الناتجة من سحب المياه بشكل يومي من الحفر التجميعية".

كرر موقع تلفزيون سوريا الطلب من إدارة منظمة مرام لتزويده بنسخة من المراسلات أو العقود مع الداعم الذي قدم المشورة، والكشف عن اسم المنظمة التي تعهدت بإجراء إعادة التأهيل اللازمة لخط الصرف الصحي المكشوف.

جاء رد الإدارة على النحو الآتي: "نعتذر عن تقديم أي وثائق خاصة بالمشروع. نحن بحاجة لموافقة الجهة المانحة لمشاركة أي مستند أو حتى إيميل (المراسلة الإلكترونية مع الداعم بهذا الخصوص)".

 

الصرف الصحي الخارج من مخيم مرام ويصب في مجرى وادي خالد

 

بدوره أيضاً نفى رئيس المجلس المحلي لقرية كفر جالس، محمود يوسف شاهين، وجود أي تنسيق بينهم كمجلس محلي وبين كل من منظمة مرام ومنظومة وطن، لافتاً إلى أن المخيمات تتبع إداريا لوزارة التنمية والشؤون الإنسانية لا للمجالس المحلية التابعة لوزارة الإدارة المحلية والخدمات.

وأضاف شاهين: "لقد قدم مجلسنا والمجالس المحلية في البلدات المحيطة بمخيمي وطن ومرام (بعيبعة – مورين – بئر الطيب – كفر روحين) اعتراضاَ جماعياً على آلية التخلص من مياه الصرف الصحي، لكنه لم يأت بأي نتيجة.

تابع موقع تلفزيون سوريا الاعتراض ووصل إلى مديرية خدمات المنطقة الوسطى الواقع مركزها في مدينة معرة مصرين وحصل على نسخة من أوراق الاعتراض التي حملت تواقيع معظم أرباب الأسر في بلدات مورين وكفر روحين، وظهر فيها تاريخ التوقيع على الأوراق 7/11/2021.

IMG_٢٠٢١١٢١٩_١٢٢٦٤١.jpg
ورقة من أصل 13 أخرى تحمل تواقيع المعترضين
IMG_٢٠٢١١٢١٩_١٢٢٧٢٠.jpg

 

محصلة ما سبق عرضه:

  • حصل موقع تلفزيون سوريا على الوثائق التي تثبت تغيير منظمة مرام طريقة تخلصها من مياه الصرف الصحي الخارجة من مخيمها بعد توقيع العقد مع الشركة المقاولة.
  • تبقى آلية التحقق من التزام منظومة وطن صاحبة المخيم الأكبر في المنطقة بدفتر الشروط الفنية المتفق عليه مع وزارة التنمية عند إنشاء مخيمات في كفر جالس في عهدة وزارة التنمية والشؤون الإنسانية وخصوصاً مديرية شؤون المخيمات التي لم تبرز دفتر الشروط الفنية لمعد التحقيق.
  • الكارثة البيئية الحاصلة في سد كفر روحين وتفاقهما يومياً واستمرار المخيمات بتصريف مياه الصرف الصحي بهذه الطريقة حتى يوم نشر هذا التحقيق، يثبت غياب المراقبة التي من المفترض أن تمارسها "إدارة شؤون المخيمات في حكومة الإنقاذ"، لإلزام المنظمات ببنود العقود والشروط المتفق عليها.
  • الإهمال غير المبرر لدى "مديرية خدمات المنطقة الوسطى في حكومة الإنقاذ" وعدم تجاوبهم مع شكاوى واعتراضات الأهالي في البلدات المحيطة بمخيمي وطن ومرام.

كيف تلوثت الآبار؟

تختلف طبيعة السدود الترشيحية عن التخزينية، فالسدود التخزينية تحتاج لمساحات كبيرة لحصر وتخزين كميات كبيرة من مياه الأمطار خلفها كسد البالعة في سهل الروج غربي إدلب الذي تصل سعته التخزينية إلى 14.5 مليون متر مكعب، وسد الوادي الأبيض غير مكتمل الإنشاء الذي كان يعد لتخزين 87 مليون متر مكعب من المياه المخصصة لري المساحات المزروعة، أما السدود الترشيحية فسعتها التخزينية تكون أقل بكثير، فمهمتها لا تقتصر على حجز المياه خلف جدرانها وإنما الحجز المؤقت والرشح الدوري لمياه الأمطار المتجمعة فيها إلى الأحواض المائية الجوفية عبر آبار خاصة تسمى بيزومترية، ورفع منسوب المياه في الآبار الجوفية القريبة.

لكن تحول سد كفر روحين إلى مستنقع كبير لمياه الصرف الصحي أدى لرشح هذه المياه المليئة بالملوثات إلى الحوض المائي الجوفي عبر الآبار البيزومترية التسعة في قاع بحيرة السد مما أدى إلى تلوث الآبار في المنطقة وتهديد آبار أخرى بالتلوث على نطاق جغرافي أوسع.

السد على موعد مع مزيد من مياه الصرف الصحي

خلال فترة نهاية فصل الصيف وقبل سقوط الأمطار كانت تتراوح كمية تدفق مياه الصرف الصحي إلى سد كفر روحين بقرابة 1500 متر مكعب يومياً، من كل من مدينة إدلب ومخيمي وطن ومرام.

لكن تلك الكمية لن تبقى على حالها، حيث تحضر منظمات إنسانية لإنشاء 6 مخيمات تتكون من عشرات الآلاف من الوحدات السكنية في محيط كفر جالس، وجميعها سيصب الصرف الصحي الخارج منها إلى سد كفر روحين.

وزارة الزراعة والري في حكومة الإنقاذ حددت لموقع تلفزيون سوريا مواقع المخيمات المزمع الشروع بإنشائها مطلع ربيع 2022 وحذرت من تفاقم الكارثة البيئية في سد كفر روحين.

 

map1.jpg
المواقع الدقيقة للمخيمات الـ 6 المزمع إنشاؤها حول مجرى وادي خالد

 

قبل أن تعم الكارثة.. آبار "سيجر" المغذية لمدينة إدلب سيصلها التلوث

منذ بداية اكتشاف التلوث في المياه الجوفية في محيط سد كفر روحين مطلع كانون الأول الفائت، اتسعت رقعة التلوث إلى مسافة 1500 متر عن السد.

وحذر مدير الموارد المائية في وزارة الزراعة والري، صالح دريعي، من خطر وصول التلوث إلى آبار سيجر المغذية لمدينة إدلب التي تحوي أكثر من 650 ألف نسمة، وعدد من المدن والبلدات الأخرى المحيطة بها، مما سيفاقم من حجم الكارثة، ويحرم مئات آلاف المدنيين من الحصول على مياه شرب نظيفة بالمجان ولسنوات طويلة، ويزيد من تكاليف المشاريع التي قد تحدث لإنقاذ المنطقة من هذه الكارثة.

تتميز منطقة سيجر بغناها بالمياه الجوفية القريبة من سطح الأرض، حيث يبلغ عمق السحب في آبارها 50 متراً فقط، وهناك 18 بئراً تتبع لمحطة مياه سيجر، اثنان منها فقط يوفران مياه الشرب لمدينة إدلب وما حولها حيث تضخ محطة سيجر يومياً 12 ألف متر مكعب من مياه الشرب إلى مدينة إدلب (ما يعادل 600 صهريج مياه من الحجم الأكبر)، وتغذي أيضاً كلاً من قرى وبلدات سيجر – العرشاني – عرّي – خربة الناطور – مرتين – القبية – الكريز بالإضافة إلى مزرعة أصلان.

وتبعد آبار سيجر مسافة 4.5 كم فقط عن سد كفر روحين، وبالتالي عن الآبار الملوثة الواقعة تحت السد وفي محيطه.

في أثناء سيطرة المعارضة المتمثلة بـ "جيش الفتح" مطلع 2015 على مدينة إدلب، تعرض أرشيف ومحتويات العديد من الدوائر الحكومية للإتلاف والتخريب ومنها مديرية الموارد المائية التي فقدت منها كثير من السجلات والخرائط والدراسات، الأمر الذي جعل من الصعب الحصول على الدراسة الجيولوجية للمنطقة الممتدة ما بين سد كفر روحين وآبار سيجر لمعرفة طبيعة صخور تلك المنطقة وهل تتبع لحوض مائي واحد أو لحوضين مائيين منفصلين، ومعرفة مصدر الروافد المغذية لآبار سيجر؛ الأمر الذي استدعى الاستعانة بالمختصين من خارج مديرية الموارد المائية بإدلب.

ماذا يقول الجيولوجيون؟

مديرية الموارد المائية بإدلب حذرت من وصول التلوث إلى آبار سيجر، وهذا يعني ضمنياً أن آبار سيجر والآبار البيزومترية في قاع بحيرة سد كفر روحين تتبع للحوض المائي نفسه، لكن هذا لم يكفِ لإثبات الاتصال الجيولوجي بين المنطقة الملوثة وآبار سيجر؛ فالتقى موقع تلفزيون سوريا بمختصين اثنين يمتلكان الدراسة الجيولوجية للأرض وحدود الأحواض المائية، واطلع على الوثائق والدراسات.

أكد الجيولوجيان أن المنطقتين تقعان على الحوض المائي نفسه، لكنهما امتنعا عن تقديم الخرائط المطلوبة لكونهما يعدّانها بهدف الحصول على رسالة الدكتوراه.

أحد المختصين أفاد بأن صخور منطقة الحوض هي صخور نيوجين الهشة عالية النفاذية، وصخور كارستية كلسية، مما يعني حدوث عملية رشح بنسب عالية جداً، حيث يذوب الكلس بتفاعله مع ثاني أوكسيد الكربون co2 الموجود في الماء، مما يؤدي لاتصال الأحواض المائية الجوفية بعضها ببعض، عند وجود كمية تدفق مياه مناسبة.

كما التقى موقع تلفزيون سوريا بالجيولوجي وخبير المياه الجوفية ثابت الكسحة، الذي أشار إلى أن المنطقة الممتدة من كفر روحين إلى سيجر مروراً بالعرشاني تقع على الكتلة العلوية للفالق الذي ينتمي إلى فوالق غور الغاب والتي تمر بسهل الروج وصولاً إلى منطقة كفر روحين وسيجر.

حيث إن الفالق يفصل بين سحنتين من التوضعات الصخرية وهي:

  • الكتلة العلوية وتتألف من صخور دلوميتية ودلوميتية كلسية كتلية متشققة تسمح بمرور المياه من خلالها، وهذه الكتلة تقع عليها قريتَا كفر روحين وسيجر مما يعني أن القريتين لهما العمر الجيولوجي نفسه وهو النيوجين، مما يشكل خطر وصول مياه الصرف الصحي من آبار كفر روحين إلى آبار سيجر.
  • الكتلة السفلية وهي كتلة تحوي رسوبات رباعية وهي عبارة عن توضعات غضارية كتيمة لا تسمح بمرور المياه من خلالها وهي توصفات هيماتيتية، أي تربة حديدية حمراء، فالنتيجة أن قريتي كفر روحين وسيجر تقعان على الحوض المائي نفسه، ولصخورها العمر الجيولوجي نفسه وهو النيوجين، وصخورها تسمح بمرور المياه من خلالها لكونها كتلية متشققة.

وينصح الخبير المائي الكسحة بمراقبة آبار المياه الجوفية الممتدة على طول خط الفالق ما بين كفر روحين وسيجر، وتحليل آبارها بشكل دوري، لمعرفة سرعة حركة المياه الملوثة للحيلولة دون وصولها إلى آبار سيجر.

أعباء صحية واقتصادية

ما الذي ستخلفه الكارثة البيئية على سكان المنطقة؟

لم يمض من الوقت إلا أشهر قليلة على تحول سد كفر روحين إلى أكبر بحيرة لمياه الصرف الصحي في شمال سوريا، ولم تنتظر المشكلات الناجمة لتلك الكارثة البيئية وقتاً إضافياً لتظهر آثارها في المنطقة، فأولى المشكلات تتمثل بانعدام المصدر الآمن لمياه الشرب بعد تلوث آبار القرى المحيطة بالسد، وانتقال السكان إلى مرحلة شراء مياه الشرب وما يترتب على ذلك من تكاليف مادية إضافية، لا سيما مع الأوضاع الاقتصادية المتردية في سوريا.

وقال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مارتن غريفيث، في إحاطة لمجلس الأمن نهاية تشرين الأول/أكتوبر الفائت: "أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وكثير منهم يضطر إلى اتخاذ خيارات صعبة للغاية لتغطية نفقاتهم".

وفي حال وصلت الكارثة ذروتها وتلوثت آبار سيجر المغذية لمدينة إدلب، فيعني ذلك أن كل عائلة في المدينة ستضطر لدفع مبلغ لا يقل عن 200 ليرة تركية شهرياً ثمن المياه عبر الصهاريج.

 

تعبئة مياه المنازل في مدينة إدلب بواسطة الصهاريج

 

أما ثاني المشكلات فيتمثل ببدء انتشار الأمراض والأوبئة في المنطقة، ما يوفر لذبابة اللشمانيا بيئة مناسبة للانتشار.

وبحسب رئيس المجلس المحلي في قرية مورين، عبد الله فردوس الخلف، بدأ مرض اللشمانيا ينتشر بين سكان القرى القريبة، مشيراً إلى أن مجلسه رصد سبع إصابات حديثة باللشمانيا بعد تراكم مياه الصرف الصحي في سد كفر روحين.

وحصل موقع تلفزيون سوريا على هذه الإحصائية من المجلس المحلي للقرية لعدم وجود مراكز صحية في القرى الثلاث المحيطة بالسد، وبسبب عدم تجاوب وزارة الصحة في حكومة الإنقاذ وعدم الإجابة عن الأسئلة التي تتعلق بالواقع الصحي الذي خلفته هذه الكارثة البيئية، ورصد الأمراض المنتشرة بسببها، وتصنيف مدى خطورة الكارثة، والإجراءات التي من الممكن أن تكون اتخذت لحماية السكان أو توعيتهم.

عدم تجاوب وزارة الصحة وغياب المراكز الصحية في القرى الواقعة في عين الكارثة دفع بموقع تلفزيون سوريا للبحث الميداني والتواصل مع الأهالي وإجراء لقاءات ميدانية معهم، والتوجه إلى مراكز صحية يرتادونها في نطاق جغرافي أوسع، فالتقى بشخصين ظهرت عليهما أعراض التسمم ظنا بأن سببها يعود للمياه الملوثة قبل تحليل آبارهما، لكن تبقى هذه الادعاءات في نطاق الظن بسبب عدم ذهاب المرضى للمشافي وغياب تقارير طبية توضح أسباب التسمم.

أيضاً تواصل معد التحقيق مع المركز الصحي في قرية حفسرجة القريبة والذي يعدّ واحداً من وجهات المرضى في القرى المحيطة بالسد بقصد الحصول على العلاج، مدير المركز أوضح أن غياب الدعم ونقص الكوادر والأطباء في المركز يمنعه من تحديد عدد المرضى الذين راجعوا المركز في كل تخصص على حدة، ومن أين كانوا قادمين؟

المركز الصحي في قرية كفر جالس يعد واحداً من أهم وجهات القرى والمخيمات المحيطة بالسد، وقدم مديره إبراهيم شاهين إحصائية لعدد المرضى الذين راجعوا المركز من القرى والمخيمات المحيطة بسد كفر روحين ونوعية الأمراض التي تم تشخيصها خلال شهرين على الشكل الآتي:

  • مرض الجرب: 80 حالة  
  • اللشمانيا: 10 حالات
  • التهابات مَعِدية ومعوية:  50 حالة
  • تسمم غذائي: 10 حالات
  • طفيليات (ديدان البطن): عشرات الحالات

حذر بعض الأطباء من انتشار الأمراض المعدية في المنطقة والتي لا تظهر فوراً، بل تحتاج لفترة زمنية للانتشار، وحذروا من تحول منطقة السد إلى منطقة موبوءة، وأكدوا ضرورةَ إرسال فرق طبية إلى القرى المحيطة بالسد وتقديم العلاج والنصائح الطبية وطرق الوقاية للسكان من مختلف الأمراض وخاصة الجلدية.

خطة عاجلة للحل تخلق مشكلات أخرى

وضعت المديرية العامة للموارد المائية خطة عاجلة لحل مشكلة التلوث تتلخص بتصريف مياه الصرف المتجمعة في السد إلى مصارف المياه في سهل الروج وتوجيه مجرى الصرف إلى مفرّغ السد مباشرة وعدم السماح لهذه المياه بالتجمع في بحيرة السد، لكن عملية تصريف المياه لم تبدأ رغم مرور أكثر من شهر على إقرارها.

غيرَ أن عملية فتح السد تبقى حلاً إسعافياً فقط، ويخشى المزارعون في منطقة سهل الروج من أن تتحول إلى حل دائم يؤدي مستقبلاً إلى تضرر آبارهم ومزروعاتهم.

مخاوف المزارعين تبدو محقة عند الاطلاع على فكرة إنشاء محطة معالجة مياه الصرف الصحي التي لم تتبلور حتى الآن، وإنشاؤها يستغرق ثلاث سنوات بحسب تقديرات المختصين، الأمر الذي يعني أن استمرار تصريف مياه الصرف الصحي باتجاه سهل الروج ستدوم لعدة سنوات، وسيفتح خطر التلوث على منطقة تزيد مساحتها على 10 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية، وتعدّ السلة الغذائية الأكبر لإدلب، لكونها ترفد أسواق إدلب بالنسبة الأكبر من الخضراوات فيها، مما يؤثر على صحة السكان وحدوث حالات تسمم غذائي لكون المواد العضوية في مياه الصرف الصحي تعلق في أنسجة النباتات وتبقى طوال فترة حياة النبتة.

 

5O0B4906.jpg
تضرر مزروعات بالقرب من سد كفر روحين

 

كما حذر عاملون في مجال المياه والجيولوجيا من مخاطر توجيه مياه الصرف الصحي باتجاه سهل الروج، لما له من تأثيرات على الينابيع في المنطقة وتلوثها أيضاً، كما تخوفوا أيضاً من تلوث الآبار الجوفية من الأعلى بسبب قرب منسوب المياه من سطح الأرض حيث يصل في منطقة عرّي إلى 30 متراً فقط، مع النفوذية العالية لصخور المنطقة.

الحلول المقترحة

اقترحت مديرية الموارد المائية في وزارة الزراعة والري حلّين لرفع خطر التلوث البيئي عن المنطقة:

  1. إنشاء محطة معالجة لتحسين نوعية مياه الصرف واستثمارها في أعمال الزراعة للأراضي قبل السد مسافة 2 كم.
  2. تحويل السد من سد ترشيحي إلى سد تخزيني وذلك بتبديل طبقة التربة في أرضية وجوانب السد وإغلاق الآبار التي تم حفرها في أرضية السد لزيادة الرشوحات وتكتيم الفوالق والشقوق في جسم السد.

نقل موقع تلفزيون سوريا الحلول التي قدمتها مديرية الموارد المائية إلى مختصين في مجال المياه ومهندسين سابقين عملوا في السد منذ إنشائه، من التقاهم موقع تلفزيون سوريا رفضوا الحديث بأسمائهم الصريحة بسبب طبيعة عملهم مع منظمات إنسانية تحظر على العاملين فيها تقديم تصريحات أو دراسات لجهة أخرى، لكن الردود على الحلول المقترحة من مديرية الموارد المائية كانت على الشكل الآتي:

  • عملية تحويل السد من سد ترشيحي إلى سد تخزيني مستحيلة لأسباب عديدة من أبرزها طبيعة الأرض العالية النفاذية وهشاشة الصخور فيها، وما يترتب على ذلك من تكاليف مادية باهظة لتغيير أرضية السد وتكتيمها، وهو ما يمكن أن يعادل تكاليف إنشاء سد كامل.
  • موقع محطة المعالجة غير ملائم: من بين الردود على حلول مديرية الموارد المائية كان ردٌّ يتحدث عن فشل فكرة إنشاء محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي في نهاية مجرى الوادي وقبل بحيرة السد، وذلك لكون المحطة في تلك المنطقة ستكون مهددة بالغرق في حال وصول كميات كبيرة من مياه الأمطار ومياه الصرف الصحي من الوادي إلى السد وارتفاع منسوب المياه فيه في حال حدوث فيضان.
  • الموقع المختار لإنشاء محطة معالجة مياه الصرف الصحي قبل بحيرة سد كفر روحين غير مجدٍ في حال إبقاء السد كسد ترشيحي، فنوعية الصخور الهشة النفوذية ستؤدي لاستمرار عملية رشح المياه المعالجة الصالحة للري وغير الصالحة للشرب نحو الآبار الجوفية.

طالب معد التحقيق "حكومة الإنقاذ" عبر مسؤول العلاقات العامة فيها، ملهم الأحمد، بتقديم توضيحات عن أسباب عدم إنشاء محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي حتى الآن، فجاء الرد بأن السبب هو "الكلفة المالية الكبيرة".

وتابع الأحمد: "تمت مراسلة بعض المنظمات، بالإضافة إلى إجراء دراسة واتخاذ خطوات إسعافية من قبل مديرية الموارد المائية كتفريغ السد من المياه عن طريق التفجير، كما سيتم إغلاق بعض الآبار الارتوازية القريبة من السد والتي تؤدي إلى تسرب المياه الملوثة إلى باقي الآبار في القرى المجاورة".

هذه الحلول التي رآها المختصون غير مجدية بنيت على فرضية إنشاء محطة المعالجة، لكن ماذا لو لم تتوافر الإمكانات لإنشاء محطة معالجة لمياه الصرف الصحي الواردة إلى سد كفر روحين الترشيحي؟

ناقش موقع تلفزيون سوريا حلولاً أخرى مع عدد من المختصين وتوصل إلى حل يعدّ الأنسب، وذلك بإنشاء ومدّ خط من أنابيب الصرف الصحي البيتونية من المصب الغربي لمدينة إدلب ومصبات مخيمات وطن ومرام في محيط قرية كفر جالس إلى مُفرغ السد، لفصل مياه الصرف الصحي عن مياه الأمطار في السد والوادي المؤدي إليه، والحفاظ على طبيعة السد كسد ترشيحي، وإزالة خطر التلوث البيئي عن المنطقة الغنية بآبار المياه الجوفية.

أما الخطوة الثانية من الخطة فتكمن في إنشاء محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي، وتُبنى بعد فتحة السد ويتم تصريف المياه المعالجة الناتجة عن المحطة نحو الأراضي الزراعية في سهل الروج بشكل مباشر.

 

5O0B4807 copy.jpg
فتحة تفريغ بحيرة السد

 

وأكد المختصون أن هذه الخطة ممكنة عبر إنشاء مقطع طولي طبوغرافي من قاعدة فوهة مخرج تصريف مياه الصرف الصحي في مخيمي وطن ومرام أو فوهة تصريف مياه الصرف الصحي للمخيمات مع مدينة إدلب في حال تم إنشاؤها، ونهاية المقطع الطولي مُفرغ السد، وذلك لحساب ميل الأرض ودراسة إمكانية مد أنابيب الصرف الصحي البيتونية من مخارج مياه الصرف الصحي إلى مفرغ السد لتجنب فكرة إحداث أي خرق في جسم السد أو الجبل المجاور له، ليتحقق فصل مياه الصرف الصحي عن مياه الأمطار والمحافظة على السد الترشيحي بأقل التكاليف وأسهل الطرق.

هل يمكن تجزئة المشكلة وتقاسم المهام؟

لمحطات معالجة مياه الصرف الصحي العاملة بنظام أحواض الترسيب والتعريض الشمسي والأكسدة سلبيات عديدة لكونها طريقة بدائية، فأحواض الترسيب تحتاج لمساحات كبيرة، كما أن طريقة الأكسدة تعرض البيئة المحيطة بالمحطة لأضرار مختلفة، بالإضافة إلى وجود نواتج عضوية يصعب التخلص منها.

المعنيون أكدوا أن الحل المتاح الأمثل هو إنشاء محطة معالجة تعتمد آلية التخمير، حيث يتم فيها وضع مياه الصرف الصحي ضمن خزانات محكمة الإغلاق لفترة زمنية محددة تقدر بنحو 50 ساعة، ثم تنتج غاز الميتان الذي يستخدم منزلياً في الطهي، فضلاً عن الأسمدة، كما تخلص المياه من الفضلات العضوية، وتصبح المياه الخارجة من المحطة صالحة للري وتربية الأسماك، الأمر الذي يفتح أفقاً جديداً للإنتاج والعمل في مجال تربية الأسماك.

أيضاً أفاد بعض المختصين الذين التقاهم موقع تلفزيون سوريا عن جدوى تجزئة المشكلة وتقاسم الحلول، وذلك عبر تركيب محطات معالجة لمياه الصرف الصحي الخارجة من كل مخيم، فتكون المحطة صغيرة وتُلزم المنظمة أو الجهة التي أنشأت المخيم بتنفيذها لخروج مياه الصرف الصحي من مخيمها بشكل معالج.

كما تحدث أحد المهندسين العاملين في محطات معالجة مياه الصرف الصحي لأعوام طويلة لموقع تلفزيون سوريا عن إمكانية إجراء عملية الضخ العكسي لنقل مياه الصرف الصحي في مدينة إدلب من المجرى الغربي المؤدي إلى وادي حج خالد وسد كفر روحين إلى المجرى الشرقي المؤدي إلى طريق بنش ومنه إلى منطقة السيحة قرب مطار أبو الظهور العسكري شرقي إدلب، وذلك باستخدام المضخات، خاصة أن المسافة بين المجريين الغربي والشرقي قصيرة لا تتجاوز بضعة كيلومترات.

بعيداً عن التفاصيل، يشي الواقع الحالي باستمرار الكارثة البيئية في سد كفر روحين وتفاقمها في ظل غياب أي حل فعلي على الأرض، ويقع مصير هذه الكارثة على عاتق مجلس مدينة إدلب ومنظمتي وطن ومرام على التوالي، كل بحسب كمية ضخ مياه الصرف الصحي الناتجة عن المناطق المسؤولة عنها، وكذلك وزارة التنمية والشؤون الإنسانية في حكومة الإنقاذ بسبب عدم متابعتها لآلية تصريف مياه الصرف الصحي الخارجة من مدينة إدلب، وعدم دراسة مواقع إنشاء المخيمات التي تبنيها المنظمات، وعدم دراسة كيفية التخلص من مياه الصرف الصحي الخارجة من المخيمات، وعدم بناء وتجهيز محطة معالجة لمياه الصرف الصحي الجارية في وادي خالد بحجة التكاليف الباهظة.

كما ينقل موقع تلفزيون سوريا نداءات الاستغاثة من سكان القرى الواقعة في عين الكارثة البيئية في محيط سد كفر روحين إلى الجهات  الدولية المعنية لمساعدتهم، ومطالبتهم لتلك الجهات بالتحرك وتضافر الجهود لوقف تفاقم الكارثة قبل وصول مياه الصرف الصحي إلى آبار سيجر المغذية لمدينة إدلب وتلوث مياهها.

بعد أن انكشف سبب تلوث المياه في منزله، أغلق محمد العبد صنبور المياه القادم من البئر بانتظار حل للكارثة البيئية التي هددت مصدر مياه الشرب الوحيد في المنطقة، وعلى ما يبدو لن يأتي هذا الحل سريعاً. ومثله آلاف السكان في القرى المحيطة بسد كفر روحين، في حين يبرز التخوف الأكبر من وصول التلوث إلى آبار سيجر وأن يلقى نحو 650 ألف شخص يسكنون مدينة إدلب مصير عائلة العبد نفسه.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار
الصحة التركية تعلن خلو البلاد من فيروس جدري القردة
بينها سوريا وتركيا.. لهذا السبب منعت السعودية مواطنيها من السفر إلى 16 دولة
بسبب نظرة.. السلطات التركية ترحل 14 سورياً تشاجروا فيما بينهم
مرسوم العفو.. النظام يفرج عن 476 شخصاً من أصل 132 ألف معتقل
اعتقالات تطول المنتظرين تحت "جسر الرئيس" بدمشق
كم بلغ عدد المعتقلين المفرج عنهم من سجن صيدنايا بمرسوم "العفو"؟