تخيل العدالة لسوريا

تاريخ النشر: 21.09.2021 | 06:13 دمشق

آخر تحديث: 21.09.2021 | 07:54 دمشق

كتب الزعيم والناشط السياسي الأميركي من أصول أفريقية وأبرز المطالبين بإنهاء التمييز العنصري ضد السّود، الدكتور مارتن لوثر كينغ، رسالة من سجن برمنغهام الذي كان يقبع فيه بولاية ألاباما قال فيها "إن الظلم في أي مكان هو تهديد للعدل في كل مكان". هذا الاقتباس، الذي بات يُستشهد به كثيراً في الولايات المتحدة، ينطبق تماماً على حجم الظلم الذي حدث في سوريا منذ عام 2011 وما نتج عنه من تهديد للسلم والأمن الدوليين بسبب الصراع السوري.

شكل الوضع في سوريا تحدياً كبيراً لالتزام المجتمع الدولي بالعدالة والمساءلة، لقد كان الصراع مدمراً جداً، والجرائم المرتكبة ومجموعات المتهمين المحتملين ضخمة جداً، إضافة إلى العوائق السياسية التي لا يمكن اختراقها لدرجة أن الإفلات من العقاب أصبح قاعدة راسخة سمتها الرئيسة الفشل الذريع للنظام الدولي للسلام والأمن الذي أقيم في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. لقد أصبح مجلس الأمن عاجزاً تماماً بسبب لجوء روسيا - والصين في بعض الأحيان - إلى استخدام حق النقض ضد كل إجراء قسري يستهدف معاقبة ومحاسبة المسؤولين عن ارتكاب الجرائم في سوريا. ونتيجة لذلك، سعت جهات فاعلة أخرى، داخل وخارج الأمم المتحدة، إلى إيجاد طرق مبتكرة للتغلب على هذا المأزق الجيوسياسي.

من هذه الحقائق انطلقت بيث فان شاك الباحثة في مركز ستانفورد لحقوق الإنسان والعدالة الدولية، والتي سبق أن شغلت منصب نائب السفير غير المقيم لقضايا جرائم الحرب في مكتب العدالة الجنائية العالمية بوزارة الخارجية الأميركية، كما عملت ككاتبة قانونية في مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، لتضع كتابها المعنون "تخيل العدالة لسوريا" الذي تضمن نظرة عامة عن المؤسسات المبتكرة، والحجج القانونية، وأساليب التحقيق التي ظهرت خلال السنوات الماضية في محاولة لتعزيز العدالة والمساءلة في سوريا.

يضع هذا الكتاب الذي صدر عن جامعة أكسفورد عام 2020، الحرب في سوريا ضمن النظام الفعلي والمتخيل للعدالة الجنائية الدولية. ويستكشف العوائق القانونية والتحديات الدبلوماسية التي أدت إلى ما سمته الكاتبة بـــــ "الثالوث القاتل في سوريا"، وهو ارتكاب جرائم دولية واسعة النطاق، تخضع لتحقيقات وتوثيق مفصل، لكن مرتكبيها يتمتعون بحصانة شبه كاملة. يتتبع الكتاب عدداً من حلول المساءلة لهذه الحالة المأساوية التي يتم استكشافها داخل التجمعات متعددة الأطراف، من قبل الدول، والجهات الفاعلة في المجتمع المدني، بما في ذلك ابتكارات التصميم المؤسسي، إعادة تنشيط مجموعة من مبادئ الولاية القضائية المحلية (بما في ذلك الولاية القضائية العالمية في أوروبا)، وظهور تقنيات ومنظمات تحقيق وتوثيق إبداعية، ورفض موافقة الدولة كشرط مسبق لممارسة الاختصاص من خلال إشراك كل من القانون والسياسة حول العدالة الدولية.

يقدم الكتاب مجموعة من مخططات العدالة، داخل وخارج المحكمة الجنائية الدولية. كما أنه يأخذ في الاعتبار فائدة إنشاء محكمة خاصة ومدى ملاءمتها للتطبيق العملي في سوريا، ومتابعة برنامج العدالة الانتقالية دون انتقال سياسي حقيقي. كما يحاول الكتاب التقاط الطاقة الإبداعية المنبعثة من أعضاء المجتمع الدولي العازمين على تعزيز معيار المساءلة في سوريا حتى في مواجهة العراقيل الجيوسياسية داخل مجلس الأمن. وبذلك، فإنه يعرض مجموعة من الإجراءات القانونية - الجنائية والمدنية - المتاحة للمجتمع الدولي للاستجابة للأزمة، في حالة وجود الإرادة السياسية فقط.

يوحي عنوان الكتاب بأن العدالة في سوريا هي مجرد حلم لا أكثر، لكن الكاتبة تقول إن العكس هو الصحيح، وتضيف في مقابلة مع قناة الجزيرة الإنكليزية "كان هدفي هو تشجيع المجتمع الدولي على التفكير بشكل خلاق في خيارات المساءلة خارج المحكمة الجنائية الدولية، بالنظر إلى العقبات الواضحة أمام هذا الطريق إلى العدالة، هناك مجموعة كاملة من النماذج المتاحة آمل أن يتم الأخذ بها إذا كانت هناك إرادة سياسية للمضي قدماً".

على صعيد التوثيق تقول الكاتبة إن الصراع السوري ولّد استثماراً غير مسبوق في جهود التوثيق، مما يجعل هذا الصراع قاعدة الجريمة الدولية الأكثر توثيقاً في تاريخ البشرية. تشمل جهود التوثيق المتعددة الأطراف في سوريا لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا التابعة لمجلس حقوق الإنسان، إلى جانب العديد من بعثات تقصي الحقائق وهيئات التحقيق التي تتعقب استخدام الأسلحة الكيميائية تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والآلية الدولية المحايدة والمستقلة للمساعدة في التحقيق ومقاضاة الأشخاص المسؤولين عن الجرائم الأكثر خطورة بموجب القانون الدولي المرتكبة في سوريا منذ آذار/مارس 2011، وهي هيئة تحقيق متعددة الأطراف أنشأتها الجمعية العامة عام 2016.

على صعيد المقاضاة، يشير الكتاب إلى أن هناك الكثير من خيارات العدالة، أكثرها وضوحاً هي المحكمة الجنائية الدولية، لكن الفيتو الروسي الذي لا يمكن اختراقه حال دون إحالة الوضع في سوريا إلى هذه المحكمة حتى الآن. وترى الكاتبة أن هناك مخاوف لا تجعل المحكمة الجنائية الدولية هي الخيار الأفضل لإقامة العدل في سوريا. وتشمل المخاوف الحجم الهائل للإجرام الظاهر والقيود في الاختصاص الموضوعي للمحكمة على جرائم الحرب المرتكبة في النزاعات المسلحة غير الدولية. مع ذلك، ونظراً لحجم وطبيعة الضرر في سوريا، ترى الكاتبة أنَّ إنشاء محكمة خاصة ذات اختصاص موضوعي على قائمة كاملة من جرائم الحرب المرتكبة في سوريا تقدم في كثير من النواحي بديلاً أفضل، لكن المجتمع الدولي يبدو متردداً في هذا الشأن لأن ذلك يمكن أن يُعقّد مفاوضات السلام في سوريا، ولأن بعض الدول كانت حذرة بشكل ملموس من خلق سابقة دولية (محكمة بدون موافقة مجلس الأمن، أو بدون موافقة سوريا).

هناك إجراء قضائي آخر ربما يمكن اللجوء إليه وهو إمكانية قيام مجموعة فرعية من الدول بتجميع اختصاصاتها القضائية دون الحاجة إلى مجلس الأمن لإنشاء مؤسسة مخصصة لمحاكمة الأشخاص المسؤولين عن الانتهاكات في سوريا، أو إنشاء محكمة إقليمية داخل جامعة الدول العربية، على غرار الغرفة الجنائية المقترحة للمحكمة الأفريقية للعدل وحقوق الإنسان. وهناك اقتراح بإجراء محاكمات أمام غرف متخصصة في المناطق المحررة في سوريا أو داخل الدول المجاورة بدرجات متفاوتة من التدخل الدولي بشرط الامتثال للمعايير الدولية وقيود حقوق الإنسان.

وفي ظل عدم وجود إجراءات على المستوى متعدد الأطراف، فإن المحاكم المحلية على أساس مبدأ الولاية القضائية العالمية، كتلك الجارية في عدد من الدول الأوروبية تملأ إلى حد ما فجوة المساءلة. لكن ما يثير القلق إلى حد ما هو حقيقة أن الغالبية العظمى من الحالات التي نظرت فيها هذه المحاكم قد استهدفت المشتبه بهم المرتبطين بجماعات المعارضة - وعناصر داعش - وليس أفراد النظام السوري. وهذه المحاكمات رغم أهميتها، تظل عرضية وانتهازية. وبالنظر إلى حقائق التحقيق والادعاء العام، فإن القضايا في مجملها لا تمثل النطاق الكامل للجرائم الدولية التي تُرتكب في سوريا. إذا كان الهدف هو المساءلة الشاملة، فإن هذه النتائج مخيبة للآمال، لا سيما لضحايا جرائم النظام السوري. ومع ذلك، فإن هذه القضايا ترسي سوابق قانونية مهمة، مثل تزويد السلطات المحلية بخبرة قيمة في مقاضاة الجرائم الدولية، وتقديم قدر من العدالة للضحايا، وحرمان الجناة من الملاذ الآمن، ومعاقبة الأفراد المتهمين بارتكاب أعمال مروعة، وتعزيز الاستقرار من خلال منع الضحايا من تحقيق العدالة بأيديهم في أماكن لجوئهم. ونظراً للعقبات التي تحول دون ممارسة الولاية القضائية الدولية، ينبغي الاحتفاء بهذه النتائج، فقد ظهرت المحاكم المحلية على أنها المنتدى الوحيد المحتمل لإقامة العدل في سوريا حتى الآن.

ولا تغفل الكاتبة الحديث عن الإنصاف المدني لتعويض الضحايا من خلال المسؤولية المدنية التي توفر للضحايا مزايا معينة، وتستشهد بالدعوى التي رفعها محامون في الولايات المتحدة الأميركية ضد سوريا بموجب قانون الحصانات السيادية الأجنبية للولايات المتحدة. وقد أسفرت الدعوى عن حكم بقيمة 300 مليون دولار لأفراد عائلة ماري كولفين، المراسلة الحربية التي اغتالها النظام السوري في حمص. ومع ذلك، فإن عدم التناسق في هذه النتيجة مذهل، في حين أن ورثة الضحية الأميركية قادرون على اتخاذ خطوات للتعافي، فإن ملايين السوريين يعانون من عدم إمكانية الوصول إلى العدالة بشكل حقيقي.

أخيراً، تقول الكاتبة إنه بالرغم من أن المجتمع الدولي قد أضاع الفرصة مقدماً لإدماج عنصر العدالة بشكل كامل في استجابته للصراع السوري، إلا أن لديه الآن فرصة لاستخدام عملية إعادة الإعمار لإنشاء مسار للمساءلة. ويمكنه أن يشترط المساعدة وتخفيف العقوبات المحتمل بتعاون سوريا مع العدالة الانتقالية المستقبلية وجهود المساءلة ومع الجهود الجارية بالفعل، بما في ذلك الملاحقات القضائية المحلية في أوروبا. بينما يبدأ المجتمع الدولي في استيعاب حتمية بقاء الأسد في السلطة، يبقى أن نرى ما إذا كانت العدالة ستكون أولوية في النهاية لهذا الصراع المروع.

لقد قدم كتاب "تخيل العدالة لسوريا" أفكاراً إبداعيةً وخططاً قانونية لتحقيق المساءلة في سوريا، لكل من هذه الأفكار إيجابياتها وسلبياتها، ويمكن للمحامين والقضاة الدوليين الاستفادة منها بشكل كبير، ويبقى وجود إرادة سياسية دولية لتحريك هذا الملف هو الأهم وبدونها أي مسار قد يكون محكوماً بالفشل.