بوتين مقرّراً في انتخابات فرنسا ولبنان

2022.04.24 | 06:47 دمشق

fladymyr-bwtyn-wmaryn-lwban-686x470.jpg
+A
حجم الخط
-A

احتلّ الرّئيس الروسي فلاديمير بوتين مشهد المناظرة الرئاسيّة الفرنسيّة الّتي جمعت مرشّحة اليمين مارين لوبين والرّئيس الحالي إيمانويل ماكرون الّذي يخوض معركة تجديد ولايته.

شهر ماكرون في وجه منافسته سيف العلاقة مع بوتين، واتهمها بالخضوع له، وبأنّ حزبها كان قد نال قرضاً كبيراً من بنك روسيّ لتجيبه بأنّ السّبب في ذلك يعود إلى تعذّر الحصول على أي قرض من بنك فرنسي، قبل أن يعود ليعلن أنّ الأمر يعني تلقيها تمويلاً سياسيّاً.

الموقف من حرب بوتين على أوكرانيا ومن ضمّ شبه جزيرة القرم كان حاضراً في المناظرة بقوة، حيث أكدت مرشحة اليمين على أنها ترفض تقسيم أوكرانيا وأنها كانت قد أدلت سابقاً بتصريحات في هذا الصدد ليبادرها ماكرون بالتّأكيد على أنها تعمل على تغيير آرائها ومواقفها.

حضور بوتين في قلب المناظرة كان طاغياً ومنتفخاً لدرجة أنّ الشّأن الفرنسيّ المباشر تراجع إلى خلفيّة المشهد، ومعه كل القضايا التّنظيمية والإداريّة والاقتصاديّة الّتي حضرت بوصفها تعليقات هامشية وغير أساسيّة، أو أنّها بدت ملحقة بالنّقاش الأساسيّ حوله في أحسن الأحوال.

منذ سنوات قليلة كان من الصعب تخيّل هذا المشهد، وكانت مارين لوبين تشكّل حالة لطالما كانت موجودة بوصفها أحد التّنويعات الهامشية على الحياة السّياسية الفرنسيّة والأوروبيّة بشكل عام، والّتي لا يتوقع لها أن تنمو وتزدهر أو تحتلّ موقع الصّدارة.

البوتينيّة بكل ما تمثله من هول لم تعد خارج عقل أوروبا ومنطقها وروحها وسياستها، بل صارت جزءاً مؤسّساً

وصولها إلى موقع التّنافس على الرّئاسة بفارق بسيط عن ماكرون يعني أن بوتين قد تحوّل إلى قوة انتخابيّة قادرة على تمزيق أوروبا من الدّاخل. وبغض النظر عن احتمال فوز المرشحة البوتينيّة أو إعادة انتخاب ماكرون فإن وصولها إلى هذا الموقع يعني أنّ البوتينيّة بكل ما تمثله من هول لم تعد خارج عقل أوروبا ومنطقها وروحها وسياستها، بل صارت جزءاً مؤسّساً، وتالياً فإن الانقسام حولها من شأنه أن يخلق جملة صراعاتٍ حادةٍ وانقساماتٍ بارزةٍ لن تمكّن ماكرون من الحكم بسلاسةٍ لو فاز.

في حال تحقّق الكارثة وفوز لوبين فإنّ الأمر أشبه بوجود نسخة من بوتين في الإليزيه، حيث سيكون كل مشروع الوحدة الأوروبية مهدداً، كما ستتحول فرنسا إلى معتقل مغلق يطرد المهاجرين ويقمع المواطنين ويرفض التّفاعل مع العالم.

بوتين حاضر في انتخابات لبنان بصفته طبّاخ الرّؤساء ومقرّر السّياسات. الانعطاف العربي الحاد في اتجاه الأسد وإعادة تعويمه وإنتاجه انسجاماً مع تموضعٍ واضحٍ إلى جانب بوتين، بات المحدّد الأساسيّ لكلّ الحراك السّياسي في هذه المرحلة.

انطلاقاً من هذا الإطار برزت زيارة المرشّح الرّئاسيّ سليمان فرنجيّة إلى روسيا ولقاؤه بوزير الخارجيّة لافروف. ما رشح من أخبار الزّيارة وما حظي به من حفاوةٍ يؤكّد على أنّه سيكون رئيس مرحلة ما بعد نهاية عهد ميشال عون.

لا يقتصر حضور بوتين على المشهد الرّئاسي اللبناني وحسب بل يدخل ضمن ترتيباتٍ عامة تطول المنطقة بأسرها ويشكل لبنان مسرحاً خلفيّاً لها. العودة الخليجية إلى لبنان والمتمثلة بعودة سفيري السعودية والكويت لم تجر على إيقاعٍ لبنانيّ انتخابيّ كما يحلو لكثير من اللّبنانيّين الاعتقاد، ولا على خلفيّة محاولة الدّفاع عن موقعٍ سنيّ في تركيبة الحكم في المرحلة القادمة. جاءت هذه العودة على إيقاع هدنةٍ في اليمن وتسيير شؤون التّفاوض لإنهاء الحرب بضغط روسيّ، وبروز خلاف حاد ومعلن مع الإدارة الأميركيّة.

أهميّة هذه العناوين أنتجت تماهياً عاماً مع روسيا في كلّ الملفات الكبرى من قبيل الحرب على أوكرانيا وموضوع نفوذها في المنطقة والّذي يشكل الإمساك بالشّأن اللّبناني عبر وضعه تحت وصاية حلفائها الأسديّين أحد عناوينه الواضحة.

الموقف السّعوديّ في هذا الصدد سبق التّحولات الحادّة الّتي أنتجتها حرب بوتين على أوكرانيا وتعامل الإدارة الأميركيّة باستخفاف كبير مع أزمات المنطقة وتهديدات إيران. موجة الانسجام مع المواقف الرّوسيّة في ما يخص التّقارب مع الأسد نضجت، ويُرجّح أن تتبلور قريباً في لقاء أمنيّ وسياسيّ مرتقب بين مدير مكتب الأمن الوطنيّ للنّظام علي مملوك ورئيس الاستخبارات السّعوديّة خالد الحميدان.

ومن ناحيةٍ أخرى وبعد الحفاوة التي استقبل بها السّفير السعودي العائد وليد البخاري رئيس الحكومة الحالي نجيب ميقاتي خرجت الأخبار التي تفيد بزيارة مرتقبة إلى السّعوديّة في الأيام الأخيرة من شهر رمضان الجاري.

يسيطر الجوّ البوتينيّ على المناخ الانتخابي في فرنسا ولبنان، وينذر بنتائج وخيمة على البلدين في كلّ الأحوال

 ومع أن الزّيارة لم تقترن بدعوة رسميّة ولا يوجد في جدولها لقاءات معلنة، ولكنها تكشف في توقيتها عن انفتاح سعوديّ على الميقاتي وترحيبٍ بتولّيه زمام الشّأن الحكوميّ في مرحلة ما بعد الانتخابات، وهو موضوع يرجّح أنّه كان قيد التّباحث منذ فترة وتبلور في صيغة تقضي بعدم خوضه المعركة الانتخابيّة تمهيداً لإعادة تكليفه برئاسة الحكومة.

يسيطر الجوّ البوتينيّ على المناخ الانتخابي في فرنسا ولبنان، وينذر بنتائج وخيمة على البلدين في كلّ الأحوال. فرنسا إذا ما وقعت تحت الجزمة البوتينيّة ستكون دولةً فاقدةً لرشدها وعقلانيتها وموقعها، وستكون كما حذّر ماكرون في مناظرته مع منافسته اليمينيّة المتطرّفة بلد الحرب الأهليّة والنزعات الفاشيّة.

لبنان البوتينيّ والّذي لا يملك حتى اللحظة وسائل تقيه الوقوع تحت براثن الزمن البوتينيّ الأسديّ المرعيّ عربيّاً سيكون متحفاً للخراب العظيم حيث إن الرّهان السخيف على تفكيك الحضور الإيرانيّ فيه وضرب حزب الله عبر تحويله إلى بلدٍ بوتينيّ أسديّ لن ينتج سوى أزمات مفتوحة.

لن يستطيع لبنان في ظلال هذا الاحتلال القادم أن يكون بلداً بل سيتحوّل إلى خربةٍ مهجورةٍ يعاني أهلها من مصير السّوريّين الّذين وقع عليهم احتلال بوتينيّ أنتج شعباً من المشردين في داخل لم يصبح آيلاً للعيش وفي منفى يستحيل أن يكون وطناً.