icon
التغطية الحية

بعد كارثة الزلزال.. كيف نبلغ الأطفال بالأخبار السيئة وحالات الوفاة؟

2023.02.15 | 17:13 دمشق

1
متطوعة من الخوذ البيضاء تواسي طفلاً كان ينتظر انتشال جثة صديقه من تحت الأنقاض في قرية عزمارين شمال غربي سوريا (الدفاع المدني السوري)
إسطنبول - نور كيخيا
+A
حجم الخط
-A

بالنظر إلى حجم الكارثة التي خلفها الزلزال المدمر الذي ضرب فجر الإثنين 6 شباط الجاري، شمال غربي سوريا وجنوبي تركيا، وحيث إن فرق العمل المتخصصة بالدعم النفسي قليلة، وكثير منها جاءت من خلفيات اجتماعية ومن تخصصات غير علم النفس أو الطب النفسي.

وكذلك فإن الناس عموماً لا يمتلكون معرفة نفسية في الحد الأدنى تمكنهم من التعاطي بشكل سليم مع النتائج المهولة للأحداث دون إحداث مزيد من الأضرار، لا يدرك الكثيرون، بما فيهم المتطوعون في فرق الدعم النفسي أن بعض التصرفات الخاطئة قد يكون لها آثار مديدة ومدمرة على الصحة النفسية للضحايا.

كثيرة هي القضايا التي يجب أن يكون هنالك أدلة عملية بين فرق التطوع للتعامل معها، لكن واحد من أكثرها إلحاحاً في هذه الظروف العصيبة قضية الإبلاغ بالأخبار السيئة، وعلى رأس هذه الأخبار السيئة، وفاة أفراد من العائلة، والأبوين على وجه الخصوص.

إن كثيرا من الأطفال الآن فقدوا أسرتهم بالكامل أو على الأقل أحد أفراد أسرتهم أو دمر بيتهم وأشياءهم المحببة، هؤلاء بحاجة لإخبارهم بشكل علمي ودقيق وواضح ومفهوم من قبلهم؛ لأنهم من دون ذلك سيستمرون في تكذيب الخبر في داخلهم، وما يزيد من شعور القلق والخوف.

ينبغي أن ندرك بأن الصدمة باعتبارها أمراً مفاجئاً غير مألوف للطفل، تتموضع في إطار انفعالي شديد يصعب على الطفل بمعارفه ومدركاته الإحاطة بما حدث دون مساعدة واعية ودعم  ممن حوله، وما أود طرحه هنا إجراءات دليلية مبسطة للغاية للعموم (غير المتخصصين) كما تذهب إليها معظم الدراسات المتخصصة في السنوات الأخيرة، عن كيفية تبليغ الأطفال بالحدث الصادم بطريقة محددة ومفهومة تساعدهم على الاستجابة للحدث بطريقة تكيفية قدر الإمكان، والتخفيف من حدة المشاعر السلبية المزعجة المرتبطة بالحدث الصادم والتي يتم تخزينها في الذاكرة بشكل عشوائي وغير منظم وتبقى مثل خزان قابل للانفجار في أي لحظة ولو بعد سنوات.

وبتعبير آخر، إن عدم مساعدة الطفل ممن حوله من أقارب ومقدمي الرعاية على الاستجابة للحدث المحزن الصادم، والمرور بمراحل الحزن المعروفة وتقبلها والتعامل معها، ونقل الخبر بطريقة غير واضحة أو غيبية غير مفهومة، سيدفع الطفل لإغلاق ذاكرة الصدمة بما فيها من أفكار ومشاعر وصور حسية بطريقة غير تكيّفية ما يعني أنه يمكن استرجاعها بسهولة عند أي موقف ضاغط يقابله في حياته، وبالتالي سيتسمر تأثيرها السلبي وربما يتضاعف.

أعلم أن الكبار يحتاجون مثل هذه الدليل الإجرائي المبسط أيضاً في ظل الكارثة الحالية، لكن من أجل عدم تداخل الأمرين، فضلت كتابة هذه الإجراءات فيما يخص الأطفال لأنهم الأكثر تأثراً مقارنة بالراشدين، نظراً لاختلاف مرحلتهم العمرية وما يرتبط بها من خبرات سابقة وقدرة على إدراك واستيعاب الأحداث غير المألوفة، ومع ذلك جزء لا بأس به من هذه الإجراءات يمكن استخدامها مع الكبار الراشدين.

يتألف الدليل الإجرائي هذا من 22 إجراءً يجب التقيد بها، و22 أخرى يجب الحذر منها وتجنب القيام بها، وقد وضعتها في جدول مقارن ليسهل تداولها، وأيضاً ليكون بالإمكان الانتباه إلى الإجراءات الخاطئة، والتي لسوء الحظ منتشرة للغاية، كالآتي:

ما يجب فعله تحذير
  • الإسراع بنقل الخبر للطفل قدر الإمكان
  • لا تماطل أو تؤجل من دون مبرر مقبول ومفهوم للطفل
  • تجهيز بيئة آمنة قدر الإمكان قبل نقل الخبر السيئ
  • لا تندفع لإخبار الطفل دون تحضير مسبق للمكان (في منطقة الدمار، في المستشفى، في الشارع)
  • محاولة الجلوس بمسافة قريبة من الطفل بما يضمن سهولة التواصل اللفظي وغير اللفظي مع الطفل
  • ابتعادك عن الطفل سينقل له شعورا سلبيا من قبلك (غير متقبل(مرفوض)، قلق، خوف)
  • محاول معرفة الحالة الانفعالية لدى الطفل (حزن، غضب، قلق، خوف) مع محاولة تهدئته (تنفس بطيء، إعطاؤه قطعة من الحلوى)
  • لا تخبر الطفل وهو تحت تأثير الانفعال الشديد.
  • يفضل أن يخبر الطفل أحد أفراد الأسرة المقربين للطفل أو شخص بالغ تربطه علاقة سابقة مع الطفل
  • لا ترسل شخصاً غريباً لا تربطه علاقة عاطفية مع الطفل ليقوم بهذه المهمة (لا المنقذ، ولا الطبيب) إخبار الطفل.
  • تحضير الطفل للخبر السيئ، بسؤاله عن المعلومات التي يعرفها عما سنقوم بنقله له (نستعين بأمثلة من عالم الحيوانات أو النباتات التي يألفها الطفل)
  • لا نفترض إحاطة الطفل وفهمه التام لموضوع الخبر مهما اعتقدنا أن درجة وعيه كبيرة، وأنه عايش خبرات سابقة بالموضوع نفسه.
  • مراعاة عمر الطفل قبل إخباره، فقبل خمس سنوات لا يدرك الطفل ديمومة الموت (الشخص الذي يموت لا يعود)
  • لا تفترض أن خبرات الطفل السابقة وحديثه عن الموت يعني أنه يفهم ديمومته.
  • تحذير الطفل أو ننبهه بأننا سوف نخبره بشيء سيئ
  • لا تنقل الخبر فجأة دون تقديم تنبيه ممهد للطفل (مقدمة ضرورية)
  • إخبار الطفل بعبارات واضحة محددة ومفهومة له، يمكن أن نخبره في البداية أنه تم العثور عليهم ولكنهم كانوا في حالة حرجة، ثم نخبره بالوفاة على أن يكون ذلك بشكل متقارب جداً زمنياً)
  • نبتعد عن العبارات المألوفة الشائعة التي تشتت استيعاب الطفل (ذهب للجنة، ذهب إلى ربه)، وفي حال تجزئة الخبر ينبغي الابتعاد عن إعادة الأمل للطفل بأنهم سوف يعودون للحياة (ببساطة نجيب بأننا لا نعلم)
  • نبدي التعاطف مع الطفل ومحاولة التقرب منه وضمه بعد أن ننقل الخبر (إذا كانت البيئة الثقافية والاجتماعية تسمح بذلك)
  • لا نتظاهر بالجمود أو نركز على ردود الطفل من دون إبداء التعاطف
  • نسأل الطفل عن مشاعره، ونخبره بأنه من الطبيعي أن يشعر بالخوف والحزن والقلق واللوعة.
  • لا نتجنب سؤال المشاعر بحجة الخوف من تأجيجها؛ لأن ذلك سينقل للطفل شعورا بعدم مبالاة من حوله بما يجري داخله.
  • توقع تباين في ردود أفعال الأطفال على الخبر، فبعضهم لا يبكي مباشرة ويحاول أن ينشغل بالألعاب، وبعضهم يبقى صامتاً (يحتاج الطفل لبعض الوقت لامتصاص الصدمة بطريقته الخاصة)
  • يجب الابتعاد عن دفع الطفل ليستجيب وفق السياق الذي تعودنا عليه أو الذي نراه مناسباً. (لا يقال له مثلاً: يجب أن تبكي لكي ترتاح)
  • طمأنة الطفل على مصير الشخص الذي فقده (مثلاً تحديد مكان الدفن لو أمكن وأن يستطيع أن يزوره)
  • لا تحاول تجنب ذكر مكان الدفن بحجة أن ذلك سيدفعه للنسيان بسرعة.
  • سؤال الطفل عما أخبرناه إياه لنتأكد من فهمه والمعلومات التي انتقلت إليه، وذلك بعد الانتهاء من إخباره
  • لا تظهر للطفل التململ من تكرار سؤاله عن نفس الموضوع أو إعادة نفس المعلومات.
  • طمأنة الطفل أن ما حدث ليس بسبب تقصير أو خطأ ارتكبه هو في السابق.
  • تجنب الحديث للطفل عن موضوع أنه اختبار من الله أو أن ما حدث بسبب ذنوب ارتكبت أو غضب من الله (تعالى).
  • نؤكد للطفل أن فرق الإنقاذ والأطباء والأقرباء فعلوا ما بوسعهم من محاولات.
  • لا بدّ أن نتجنب اللوم على طرف أو إظهار مشاعر الغضب أو الاتهام بالتقصير لفرق الإنقاذ أمام الطفل
  • نحاول إعادة الطمأنينة للطفل بتحديد الأشخاص البالغين الذين سيتولون رعايته.
  • لا نظهر للطفل أو ننقل إليه مخاوفنا وترددنا بتحديد الأشخاص الذين سيتولون رعايته
  • ترك الطفل ليعبر عن مشاعره بالطريقة التي يختارها، ونتقبل هذه المشاعر وخاصة في المرحلة الأولى، ولا نحاول كبتها بعبارات (أنت صرت شاباً كبيراً، أنت شجاع، أنت تعرف الله جيداً)
  • لا نحاول تجنب إظهار مشاعر الحزن واللوعة والفقد أمام الطفل (ضمن السياق الطبيعي من دون صراخ) فإخفاؤها يولد القلق لدى الطفل من مدى تقبل مشاعر الحزن لديه
  • نشجع الطفل على طرح الأسئلة، مع تحري صدقنا في الإجابة؛ لكي نعيد ثقة الطفل بمن حوله وأنه يمكن الاعتماد عليهم، في حال كانت الإجابات معقدة أو غير مناسبة لإدراك للطفل يمكن أن نؤجل الإجابة ونعِده أننا سنجيبه حينما نتمكن من العثور على إجابة دقيقة
  • لا تخبر الطفل بأمور غير صحيحة أو تعده بتحقيق أشياء مستحيلة لأنك بذلك ستؤثر سلباً على ثقة الطفل وإحساسه بالطمأنينة
  • في نهاية الحوار مع الطفل نخبره بشكل مبسط أنه بانتهاء الحياة تغادر الروح الجسد بينما تبقى الروح عند الله، لذلك كلما شعر بحاجة للتواصل مع الشخص الذي فقده يمكنه الدعاء له والقيام بعمل صالح يسعده.
  • لا تحاول قطع صلة الطفل الروحية بمن فقده لأن ذلك سيزيد من شعور القلق والخوف لديه.

 

أخيراً، آمل أن هذه الإجراءات المبسطة التي دونتها أعلاه والمستمدة من خلاصة ما تذهب إليه دراسات الصدمة ونموها، ستخفف من معاناة أطفالنا السوريين وتخفف من آثار الزلزال في ظل فقر المساعدة والدعم في هذا الإطار وافتقار المنطقة المنكوبة شمال غربي سوريا وفي عموم البلاد لمنظومة عمل دعم نفسي مركزي مجهزة لمواجهة الطوارئ والكوارث.

نور كيخيا - اختصاصية نفسية