النظام يطارد محصول القمح في منازل الفلاحين ومخازن التجار |صور

تاريخ النشر: 10.08.2021 | 07:16 دمشق

آخر تحديث: 10.08.2021 | 09:59 دمشق

حلب - خالد الخطيب

يعتبر القطاع الزراعي في سوريا من أكثر القطاعات الاقتصادية تضرراً بفعل السياسات الحكومية الفاشلة لنظام الأسد، ووقع الفلاح السوري ضحية الخطط الزراعية الدعائية وغير المدروسة، والتي تسببت بتدني الإنتاجية وخروج مساحات واسعة عن نطاق الاستثمار خلال الموسم الزراعي الأخير 2020/2021، كما حملته أعباء إضافية من ناحية تكاليف الإنتاج ومحددات التسويق في ظل غياب شبه كامل للدعم الحكومي، ولم تقف معاناة الفلاح عند هذا الحد بعد أن بات ملاحقاً ومطلوباً أمنياً لعدم التزامه بالتعليمات الخاصة بالخطة الزراعية المفروضة عليه قسراً، وتحول الفلاح في كثير من الأحيان إلى مجرم مطارد بسبب تخزينه قسم من إنتاجه لأمنه الغذائي، وبيع قسم آخر في السوق السوداء بأسعار أفضل من تلك التي حددتها مؤسسة الحبوب التابعة للنظام.

الفلاح السوري وأمنه الغذائي

اعتاد الفلاح السوري عبر العقود الماضية بيعَ جزء من محصوله الزراعي وتخزين كميات لا بأس بها من المحاصيل القابلة للتخزين كالقمح والشعير والعدس وغيرها من الحبوب والبقوليات التي تشتهر بها الأقاليم الزراعية السورية، وكان لهذه العادة مبرراتها المنطقية في الفترة التي سبقت ظهور المكننة الزراعية والوفرة في الإنتاج وظهور أفران الخبز الآلية ودخولها إلى المناطق الريفية النائية، ففي تلك الحقبة كان للوفرة في مخزون الفلاح من الحبوب وتنوعها الدور البارز في تحقيق الأمن الغذائي للعائلة لمدة عام كامل، وكانت الكميات الفائضة عن الحاجة كماً ونوعاً تحدد المساحات التي يمكن للفلاح زراعتها للموسم الزراعي الجديد.

لاحقاً، وعلى الرغم من تطور التكنولوجيا الزراعية والتوسع في استخدامات المكننة وتوسع القائمة الغذائية للفلاح السوري إلا أنه حافظ على عادته الموروثة، وكان لديه مبرراته أيضاَ، ففي الفترة ما قبل انطلاق الثورة السورية في العام 2011 كان الفلاح يخزن جزءا من محصوله للاستفادة من ثمنه في تغطية مصاريف المعيشة خلال فصل الشتاء، وتغطية مصاريف أي حادث طارئ تمر به العائلة، كما أن عملية التخزين كانت تتيح للفلاح البيع بأسعار أفضل لأن عمليات بيع الحبوب المخزنة تتزامن غالباً مع موسم البذار وفي الفترة التي يزداد فيها الطلب على الحبوب من قبل مربي المواشي.

 

 

بعد انطلاق الثورة وتوسع الحرب المفتوحة التي خاضها نظام الأسد ضدها تعرض القطاع الزراعي في معظم المناطق السورية لأضرار هائلة بسبب القصف والمعارك والحرائق المفتعلة، وغابت عن قائمة المحاصيل السورية الشهيرة الكثير من الأنواع وتدنت الإنتاجية لبعضها إلى مستويات غير مسبوقة (القمح والقطن والشمندر وعباد الشمس والذرة والعدس)، وبدا الفلاح السوري في الفترة ذاتها أكثر تمسكاً بعادة التخزين للحفاظ على الأمن الغذائي لعائلته، ومنذ بداية العام 2018 تدنت إنتاجية الحبوب في مناطق سيطرة النظام، وبشكل خاص محصول القمح الذي انخفضت إنتاجيته إلى مستويات قياسية، وبات النظام غير قادر فعلياً على تحقيق الكفاية من مادة الخبز، وبدأت الأزمة تظهر تباعاً، بداية من "الطوابير" أمام الأفران وصولاً إلى تحديد كميات الخبز لكل فرد، والبيع عبر البطاقة الذكية، وفشل الخطة الزراعية للعام 2020/2021 (عام القمح)، كل تلك المستجدات جعلت الفلاح السوري أكثر تمسكاً بعادة تخزين الحبوب، والقمح على وجه الخصوص، لا للتربح إنما لتحقيق الكفاية من الغذاء والخبز بعد أن فشل النظام في تأمين الحاجات الأساسية للناس، لكن هذه العادة العريقة أصبحت في عرف نظام الأسد مؤخراً جريمة، ويعاقب عليها القانون، ومن يزاول هذه العادة من الفلاحين سيكون هدفاً للدوريات الأمنية المشتركة التي شكلت لملاحقته ومطاردة محصوله حتى وإن كان مخبَّأ في مكان سري في منزله.

مطاردة القمح

خلال شهري حزيران وتموز نفذت دوريات "اللجان المكانية" المشتركة عدداً كبيراً من عمليات الدهم على منازل الفلاحين في مناطق السفيرة وتل الضمان ودير حافر والخفسة، وتمت مصادرة كميات كبيرة من القمح المخزن في منازل ومخازن الفلاحين، واعتقلت عدداً منهم، وأوقفت اللجان عدداً من التجار بعد أن صادرت كميات من القمح في مخازنهم وعلى الطرق الفرعية في الريف، وهو ما أثار الرعب بين الفلاحين ودفع قسما كبيرا منهم إلى تسليم كامل محصوله لمراكز الحبوب التابعة للنظام، وآخرين اتخذوا إجراءات تخزين أكثر أمناً خوفاً من أن تكتشفها اللجان أو المخبرون العاملون لصالحهم. عمليات الدهم ومصادرة الحبوب المخزنة شملت أيضاَ الفلاحين في أرياف حماة وحمص ودير الزور والرقة إدلب الشرقي.

الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر يرى أن "أي حكومة في العالم لا سيما في حالات الحروب بإمكانها قانونياً ودستورياً الطلب من رعاياها تسليمها المحاصيل الاستراتيجية، فطلب حكومة النظام من الفلاحين تسليمها محصول القمح أو أي محصول استراتيجي آخر لا يشكل أمراً غريباً، لكن الخطأ والخلل في هذا الأمر يتمثل بطريقة وأسلوب التنفيذ، فللحكومة أياً كانت حق استملاك الأراضي والأصول والمحاصيل وغيرها، ولكن هذا الأمر لا يجب أن يتم إلا وفقاً لمبدأ التعويض العادل، من خلال منح المستولى على أصولهم تعويضاً عادلاً، وفي حال تم الاستملاك بتعويض جزئي أو من دون تعويض فتكون الحكومة تمارس دور الميليشيات".

وأضاف السيد عمر خلال حديثه لموقع "تلفزيون سوريا" أنه "من الملاحظ أن حكومة النظام تعطي الفلاحين سعراً يقل عن سعر السوق، لهذا يتهرب غالبية المزارعين من تسليم إنتاجهم للنظام، فأعلى سعر قدمته حكومة النظام هو 900 ليرة للكيلو الواحد من القمح، مع أن سعر السوق يفوق هذا السعر بأكثر من 50%، لذلك يمكن القول بأن استلام القمح بسعر منخفض وبالتهديد والإكراه يشكل ممارسات لا تمت بصلة لمبادئ عمل الدولة بل تقترب من مبادئ عمل الميليشيات".

من جهته قال وزير المالية والاقتصاد في الحكومة السورية المؤقتة، عبد الحكيم المصري لموقع "تلفزيون سوريا" إنه "يمكن للدولة احتكار أي نوع من أنواع المحاصيل، تخزيناً وتسويقاً وتصنيعاً، في حال وفرت للفلاح وسائل الإنتاج والتي تتضمن في جزء منها البذار والأسمدة وغيرها من أشكال الدعم الزراعي، فكيف يطلب من الفلاح أن يسلم كامل قمحه على سبيل المثال من دون وجود ضمانات تكفل له حصوله على كميات جيدة من الحبوب في أثناء فصل البذار والزراعة، فالفلاح يبدو مضطراً لتخزين قسم كبير من محصوله بسبب غياب الدور الحكومي الداعم للقطاع، كما أن عدم توفر الطحين وندرة الخبز في الأفران وتحديد كمياته تجعل عادة التخزين ضرورية لأجل الحفاظ على الأمن الغذائي للعائلة، ولا يحق للدولة في مثل هذه الحالة التي تعيشها مناطق سيطرة النظام المطالبة بتسليم كامل الكميات أو الملاحقة الأمنية وعمليات الدهم التي تنفذها على منازل ومخازن الفلاحين بمعاونة مخبرين وأعضاء البعث والفروع الأمنية".

وأضاف الوزير المصري "بات الفلاح السوري الحلقة الأضعف في الاقتصاد السوري المنهار، ووقع ضحية منظومة الفساد التي تتحكم في واحد من أكثر القطاعات الحيوية في سوريا، والذي بات في جزء كبير منه تحت سطوة تجار الحرب وقادة الميليشيات التابعين للنظام، وأتوقع أن يتواصل انهيار القطاع الزراعي في سوريا ويزداد الضغط على الفلاح السوري خلال الفترة القادمة، وستغيب المزيد من الأصناف الزراعية عن قائمة المحاصيل التي تشتهر بها الأقاليم الزراعية في البلد الذي سيتحول من منتج للكثير منها إلى مستورد لتغطية الاحتياجات المحلية".

اللجان المكانية

أنشأت "اللجان المكانية" في محافظة حلب جداولَ بأسماء الفلاحين الذين زرعوا محصول القمح للعام الزراعي 2020/2021، وبعد انتهاء موسم الحصاد وانتهاء عمليات استقبال الحبوب في المراكز المنتشرة في أرياف حلب الجنوبية والشرقية والغربية والشمالية بدأت اللجان بعمليات تدقيق ومطابقة بين الكميات المسلمة وأسماء أصحابها مع الأسماء الموجودة في الجداول، وشدد محافظ حلب التابع للنظام حسين دياب على ضرورة مطابقة الجداول الموجودة بأسماء الفلاحين الذين زرعوا أراضيهم بالقمح مع الكميات التي جرى تسليمها من المحصول، والبدء باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم. ودعا أواخر تموز إلى البدء بتوجيه إنذارات للفلاحين الذين لم يسلموا محصول القمح إلى مؤسسة الحبوب وتطبيق أحكام المرسوم رقم ٨ لعام ٢٠٢١ بحق المخالفين على اعتبار أن الامتناع عن تسليم المحصول يعد اتجارا غير مشروع.

اللجان المكانية تسمية جديدة لما يشبه الجهاز الأمني الذي أنشأه النظام بداية العام 2021، ويختص الجهاز المفترض بمتابعة القطاع الزراعي في مختلف المحافظات السورية وبالأخص الشمالية والوسطى (حلب والرقة وادلب ودير الزور وحماة وحمص)، وتضم اللجان في كل منطقة بريف المحافظات مندوبين عن اتحاد الفلاحين وأعضاء في شعب وفرق حزب البعث ومندوبين عن مديرية الزراعة ومندوبين عن فرعي الأمن العسكري وأمن الدولة وممثلين عن مجلس المحافظة وإدارة المناطق والنواحي، وتعمل اللجان عادة بالتعاون مع أعضاء البعث من أبناء المناطق الريفية الذين يزودونها بالمعلومات حول الفلاحين في كل منطقة، وهذا ما حصل في ريف الرقة الجنوبي خلال الأسابيع القليلة الماضية والذي شهد عدة عمليات دهم على منازل الفلاحين ومخازنهم في دبسي عفنان ودبسي فرج والسبخة وريف معدان وغيرها من المناطق الخاضعة لسيطرة النظام في ريف الرقة الجنوبي.

 

 

مصادر محلية متطابقة في ريف الرقة الجنوبي قالت لموقع "تلفزيون سوريا" إن اللجان المكانية المسؤولة عن مراقبة عمليات تسليم القمح أوصت إدارات مراكز الحبوب في المنطقة بمعاقبة الفلاحين في قرى المنطقة بسبب امتناع بعضهم عن تسويق كامل محصولهم، وذلك من خلال تصنيف الجزء الأكبر من محصولهم لمادة القمح ضمن الدرجة الرابعة وهي أقل درجة يمكن أن يصنف بها القمح ويقابلها السعر الأدنى للكيلو الواحد، ويقل سعر الكيلو من الدرجة الرابعة عن سعر الكيلو الواحد من الدرجة الأولى قرابة 100 ليرة سورية". وأوضحت المصادر أن "اللجان المكانية المشتركة لا تطبق سياستها على عموم الفلاحين، فهناك استثناءات لبعض الفلاحين المقربين من أعضاء البعث والروابط الفلاحية وقادة الميليشيات العشائرية وموظفي مؤسسة الحبوب وغيرهم من المقربين من النظام، وهؤلاء يمكنهم تخزين كميات كبيرة وبيعها في السوق السوداء إن أردوا ذلك، أو الاحتفاظ بمخزونهم لبيعه في موسم البذار بأسعار مضاعفة".

 

فلاحو الرقة - اللجان المكانية.jpg
فلاحو الرقة - اللجان المكانية

 

وأضافت المصادر أن "اللجان المكانية تعتمد في عمليات ملاحقة الفلاحين على المعلومات التي جمعتها اللجان في أثناء جولاتها قبل موسم الحصاد، بالإضافة الى اعتمادها على التقارير الأمنية التي يقدمها أعضاء البعث والمتعاونون والمخبرون في كل منطقة، ففي كثير من عمليات مداهمة منازل الفلاحين كان مصدر المعلومات أحد المقربين من العائلة أو عضو بعثي من أبناء البلدة".

اللجان المكانية التي شكلتها مجالس المحافظات لا يقتصر عملها كما يبدو على ملاحقة الفلاحين ومراقبة عمليات تسويقهم للقمح، فمن مهامها أيضا تحديد ملكيات الفلاحين من الأراضي الزراعية (تحديد الأراضي التي يستثمرها مالكوها والأراضي التي يغيب عنها مالكوها لأنهم نازحون ومهجرون)، ففي أبو الظهور والقرى التابعة لها في مناطق شرق سكة الحديد في ريف إدلب الشرقي والتي سيطر عليها النظام السيطرة عليها في العام 2018 بدأت اللجان المكانية بزيارة القرى والتقى أعضاؤها بالفلاحين في المنطقة منذ بداية العام الزراعي 2021، وطلبت اللجنة من كل فلاح تقديم معلومات وأوراق رسمية حول حجم المساحة التي يملكها من الأراضي الزراعية، أو تلك التي يستثمرها وبالأوراق الرسمية.

والهدف كما يبدو من عمل اللجان هو إحصاء مساحات الأراضي الزراعية التي تعود ملكيتها للنازحين من أبناء المنطقة، والتي يستثمر القسم الأكبر منها فلاحون من أقارب النازحين بالتنسيق معهم، وقسم آخر يستثمره قادة ميليشيات محلية، وكان على الفلاح الذي يستثمر أرضا زراعية لا يملكها (تعود ملكيتها لنازح) أن يخبر اللجنة بمساحتها ويحدد موقعها، ويجب على الفلاح أن يتخلى عن استثمارها لأن اللجنة هي من ستحدد الجهات التي ستتولى عمليات استثمارها، وغالباً ما يتم إدراج هذه المساحات التي تحددها اللجان المكانية من قبل المؤسسات الأمنية ومجالس المحافظات في مزادات علنية، ويكثر هذا النوع من المزادات في أرياف حماة وحلب والرقة ودير الزور وإدلب والتي غادرها عدد كبير من النازحين والمهجرين من أبناء القرى وتركوا خلفهم أملاكهم وعقاراتهم الزراعية والسكنية.