العملية السياسية ومواقف الشركاء من انسحاب الصدر

تاريخ النشر: 22.06.2022 | 07:16 دمشق

لم تكن خطوة مفاجئة تلك التي أعلن عنها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، يوم 13 حزيران 2022، حينما طلب من رئيس كتلته البرلمانية حسن العذاري، تقديم الاستقالات الجماعية لنوابه (73 نائباً) من البرلمان العراقي.

لقد كان متوقعاً الانقلاب الصدري أو الانسحاب من العملية السياسية وذلك بعد تنامي التناحر بينه وبين الإطار التنسيقي بزعامة نوري المالكي، واستمرار الانسداد السياسي لأكثر من ثمانية أشهر، وكذلك لفشل أكثر من ثلاث مبادرات صدرية لحلحلة الأمور والوصول إلى تفاهمات تقود لترميم العملية السياسية، والتفاهم على الشخصيات المرشحة لرئاستي الجمهورية والوزراء وشكل الحكومة المقبلة!

قرار الصدر صدم جميع القوى السياسية، وسنذكر بعض مواقف القوى الفاعلة من الاستقالة ورؤيتها لمستقبل العملية السياسية:

  • الإطار التنسيقي: وهو كيان سياسي عُرِف إعلاميا بهذا الاسم (غير مسجل رسميا) يضم العديد من القوى السياسية، ويقوده زعيم دولة القانون ورئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وهو المنافس اللدود للصدر.

ويضم الإطار العديد من الكيانات الفاعلة وفي مقدمتها منظمة بدر بزعامة هادي العامري، وتحالف النصر برئاسة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، وتيار الحكمة الوطني برئاسة عمار الحكيم، وعصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي، والاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة بافل طالباني، وبعض النواب من تحالف عزم والمستقلين وغيرهم.

وموقف الإطار التنسيقي من الاستقالات الصدرية يشوبه التضارب والغموض رغم "أسف المالكي" على القرار.

يَميل المالكي لتشكيل الحكومة المقبلة بعيداً عن الصدر، في حين يُعارض العامري هذا التوجه ويرى خطورة تشكيل أي حكومة دون الصدر، وأن هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام تمزق البيت (الشيعي)، وتُنعش آمال الحالمين بالقتال (الشيعي – الشيعي)

وهنالك تسريبات تشير إلى حصول خلاف بين زعيمي الإطار المالكي والعامري، حيث يَميل المالكي لتشكيل الحكومة المقبلة بعيداً عن الصدر، في حين يُعارض العامري هذا التوجه ويرى خطورة تشكيل أي حكومة دون الصدر، وأن هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام تمزق البيت (الشيعي)، وتُنعش آمال الحالمين بالقتال (الشيعي – الشيعي) بحسب قول العامري يوم الجمعة الفائت، 17 حزيران 2022.

وأكدت بعض الصالونات السياسية أن المالكي هو مرشح الإطار التنسيقي لرئاسة الحكومة المقبلة، وهذا الاحتمال أكده عضو ائتلاف المالكي فاضل موات، السبت 18 حزيران، وكاشفاً أن" خيار إعادة تولي المالكي لرئاسة الوزراء مطروح وبقوة، والمالكي الشخصية الأنسب للمرحلة الصعبة التي يمر بها البلد"، وحتى الساعة لم يُحسم هذا الأمر بين الإطار وبقية الكيانات السياسية.

وقد ذكر الإطار لاحقاً بأنهم" أولياء البيت الشيعي واختيار الحكومة يقع على عاتقنا"!

وهذه (ولاية عامة على شيعة العراق) لا يوجد ما يدعمها على أرض الواقع!

ورغم أسف الإطار لقرار الصدر فإنهم ماضون وبقوة لاستغلال هذه الفرصة التاريخية لتشكيل الحكومة.

  • الحزب الديمقراطي الكردستاني: يُعد من الأحزاب الفاعلة سياسياً، ويطمح للحصول على مقعد رئاسة الجمهورية المخصص للكرد، والذي كان منذ العام 2005 وحتى الآن ضمن حصة الاتحاد الديمقراطي الكردستاني، في حين ضمن الحزب الكردستاني بالمقابل السيطرةَ على حكومة الإقليم.

والحزب الكردستاني جزء من تحالف (إنقاذ وطن) الذي يضم الصدر وتحالف سيادة بزعامة خميس الخنجر، وقد أكد الصدر نهاية التحالف، خلال بيان استقالة نوابه!

وأوضح زعيم الحزب مسعود برزاني في تغريدة له، بعد 48 ساعة من الاستقالات الصدرية، بأنهم يحترمون الخيار الذي ذهب إليه الصدر.

وأتصور أن الساسة الكرد ربما لديهم (اتفاق ما) مع الصدر، أو يترقبون المبادرة الإطارية التي قد تُعرض عليهم، حيث أكد القيادي في الاتحاد الوطني غياث السورجي، السبت 18 حزيران، أن انسحاب الصدر من مجلس النواب لن يؤثر على العملية السياسية، وهنالك انفراجة قريبة بين الحزبيين الكرديين للمضي مع الإطار التنسيقي بتشكيل الحكومة، وأن تشكيل الحكومة سيستغرق أياما فقط!

وقد تكون كلمة الرئيس برزاني النارية، الأحد 19 حزيران، والتي هدّد فيها بصورة غير مباشرة بعض قوى الإطار التي تستهدف الإقليم أمنياً وسياسياً هي الفيصل في عدم التلاحم السياسي معهم.

وهدد البرزاني المعنيين بقوله: "الحرب أسوأ شيء، ولا يمكن التفكير فيها، لكن الأسوأ من الحرب هو الاستسلام، نحن لن نستسلم"! وهذا أقوى تحذير كردي لشركائهم في العملية السياسية، منذ العام 2003.

ومع ذلك يبقى الحزب الديمقراطي يترقب ويتشاور، وبحذر شديد، قبل البتّ بموقفه النهائي من العملية السياسية المقبلة.

  • تحالف سيادة: هذا التحالف بزعامة خميس الخنجر وبمعية رئيس البرلمان محمد الحلبوسي جزء من تحالف (إنقاذ وطن)، وللآن لم تظهر أي مواقف صريحة من التحالف بخصوص الاستقالات الصدرية سوى ما صرح به الحلبوسي في الأردن بأنهم حاولوا ثني التيار عن الاستقالة لكنه أصرّ عليها، وأيضاً استمرار التفاهمات بين الصدر والخنجر حتى الآن!

وقد أعقب الاستقالة زيارة سريعة من الخنجر والحلبوسي للطرف الثاني في التحالف، الزعيم البرزاني، ولم يكشف عن فحوى اللقاء، وأتصور أن مواقف الديمقراطي الكردستاني والسيادة ستكون متطابقة، وقد تكون لديهما تفاهمات مسبقة مع التيار أو الذهاب معا إلى الإطار أو المعارضة!

ورغم بعض التسريبات التي تشير إلى ذهاب (الديمقراطي الكردستاني والسيادة) للتقارب مع الإطار فإن علاقاتهم غير الصحية مع غالبية قوى الإطار تؤكد أن تقاربهم ليس هينا، وبالتالي عرقلة الطريق أمام الإطار!

  • النواب المستقلون: رغم أنني أميل للفرضية التي تقول بأن غالبية النواب المستقلين في العراق هم ليسوا مستقلين أصلا، إلا أن دور هؤلاء النواب قد تراجع كثيراً، وبالذات بعد التناحر الواضح بين الكبار (التيار والإطار) ولهذا أرى أن حالة (الاستقلال المُزيف) ظهرت على حقيقتها، وسيعود النواب المستقلون إلى قوائمهم الأصلية، المُمولة لهم، وبهذا أتوقع نهاية (حكاية الاستقلال النيابي) عدا بعض النواب المستقلين حقيقة!

والملاحظ أن النواب المستقلين الوهميين قد ذابت أصواتهم بين أمواج أصوات القوى الكبرى وبالتالي ذابت مواقفهم!

"المعضلة الأكبر حالياً تتمثل باختيار رئيس جمهورية، وستمنح الكتل مهلة أسبوعين للديمقراطي الكردستاني والاتحاد للاتفاق على اسم معين، أو عقد جلسة ويطرح كل حزب الاسم الذي يريده، ويتم انتخاب من يحصل على الأغلبية"

ومع هذه المواقف المتنوعة نلمس أن غالبية القوى السياسية (الشيعية) تسعى لتشكيل الحكومة المقبلة بعيداً عن التيار، وهنالك تسريبات من بعض الصالونات السياسية تتحدث عن أن تشكيل الحكومة سيمضي سريعاً، وتمّ الاتفاق على تقديمها بعد عطلة عيد الأضحى مباشرة.

وقد كشفت تلك الأنباء غير الرسمية أن "المعضلة الأكبر حالياً تتمثل باختيار رئيس جمهورية، وستمنح الكتل مهلة أسبوعين للديمقراطي الكردستاني والاتحاد للاتفاق على اسم معين، أو عقد جلسة ويطرح كل حزب الاسم الذي يريده، ويتم انتخاب من يحصل على الأغلبية".

والحقيقة لا يمكن تصور تشكيل حكومة من قبل الإطار التنسيقي بعيداً عن ترتيبه لتحالفات جديدة، وهذا ما أشار إليه معهد الشرق الأوسط للدراسات في واشنطن منتصف حزيران الحالي، والذي أكد أن "الإطار التنسيقي لن يتمكن من تشكيل حكومة ما لم يتحالف مع ما تبقى من تحالف إنقاذ وطن من سنة وأكراد".

وهكذا تستمر حالة التناحر السياسي والتي لا يمكن الجزم ببيان وجهتها المقبلة، لكن تبقى كل التوقعات قائمة، من حيث إمكانية تشكيل الحكومة من عدمها، وتداعيات فشل التفاهمات.

بناءً على ما تقدم من مواقف غير ناضجة يبقى مصير العملية السياسية العراقية مجهولا، ولا يمكن القول إن المركب السياسي سيمضي من دون أي معوقات، أو أمواج مدمرة، وقد تكون مرحلة الأسابيع القليلة المقبلة واحدة من أكثر المراحل الحرجة على المشاركين في العملية السياسية، وبالتالي على العراق والعراقيين!

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار