العرب في وضعية السلحفاة المقلوبة!

2023.07.10 | 06:37 دمشق

العرب في وضعية السلحفاة المقلوبة!
+A
حجم الخط
-A

لا ينفصل قرار الامتناع عن التصويت الذي اتخذته معظم الدول العربية في الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرا فيما يتعلق بقرار إنشاء مؤسسة أممية تبحث في مصير المفقودين في سوريا عن السياق المضلل الذي روّجته الحكومات ذاتها عندما اتخذت قرارا بإعادة النظام السوري لحظيرة الجامعة العربية، والذي زعمت فيه أن الهدف الرئيس منه هو البحث عن حل جذري للمسألة السورية ضمن أفق القرار الدولي 2254، وما قيل وجرى ترويجه لحفظ ماء الوجه عن اشتراطات مزعومة وضعت على النظام للانخراط في الحل وتحقيق تقدم ملموس فيه (!).. كل ذلك لا يمكن أن يكون منفصلا عن اتفاق المصالحة السعودية – الإيرانية وما يتعين على هذه الدول العربية أداؤه للإيرانيين لتكون علاقتها معهم على سكتها الصحيحة وفق منظورها واستراتيجياتها للمنطقة.

ليست الجرائم كلها أفعالاً، كثير من الجرائم تكون مجرد امتناع عن القيام بفعل يوجب القانون إتيانه وهي ما يمكن تسميته بالجرائم السلبية، لكنها تبقى في توصيفها وآثارها القانونية جرائم ولا يجوز توصيفها بغير ذلك، كذلك ليست الوضاعة فقط أن تأتي فعلا مستهجنا ووضيعا، إنما قد يكون الامتناع عن القيام بفعل توجبه الأخلاق والمروءة، عملا سافلا يتسم بالخسة والجبن.

امتناع الدول العربية عن التصويت ليس جريمة أخلاقية فقط وإنما هو أيضا شكل من التعبير الصامت عن العجز والفشل العربي على مختلف المستويات، ومنها بطبيعة الحال المستوى القيمي، ونموذج يكشف حجم العري الأخلاقي والفشل والهشاشة السياسية المروعة التي أفقدت المنطقة العربية ومنظوماتها الحاكمة أي قدرة على الفعل والتأثير على الأقل في السياسات المتعلقة بالمنطقة وبالأمن القومي العربي أمام شراهة الفرس على افتراس المنطقة.

من عجائب السياسات العربية أن ملك الأردن هو أول من تحدث في العام 2004 عن خطر "الهلال الشيعي" على المشرق العربي وحذر في حديثه للواشنطن بوست الأميركية من خطر إطباق إيران على العراق وسوريا وصولا إلى لبنان

في خيمة السيرك السياسي العربي ستجد الكثير من الحواة الذين يقدمون عادة عروضا تبدو سحرية لكن جميع المشاهدين يعرفون تماما أن المسألة لا تتجاوز ما يمكن تسميته بألعاب الخفة والخداع البصري.. ومع ذلك فإن ما يحصل في هذه الخيمة ثمة مايثير الدهشة والعجب (!).

فمن عجائب السياسات العربية أن ملك الأردن هو أول من تحدث في العام 2004 عن خطر "الهلال الشيعي" على المشرق العربي وحذر في حديثه للواشنطن بوست الأميركية من خطر إطباق إيران على العراق وسوريا وصولا إلى لبنان، لكنه مع الأسف هو من أكثر الحكومات تواصلا واتصالا بالنظام السوري الذي استقدم الميليشيات الشيعية ووضعها على بوابة الأردن، وهو الأكثر تأثرا بتجارة المخدرات التي تديرها عصابة السلطة الحاكمة بدمشق (!)..

ومن عجائب السياسة العربية أن سمحوا أو غضوا الطرف عن جريمة النظام السوري باغتيال الحريري وهي إحدى أهم الخطوات التي اتخذت لترك الباب اللبناني مشرعا للنفوذ الفارسي، ورضخوا لابتزاز النظام وسياسات الإخضاع التي اتبعها معهم في لبنان سنوات طويلة حتى قيّض لحزب الله أن يمسك بخناق الدولة ويقرر سياساتها التي لا تخدم إلا مصالح إيران الحيوية في المنطقة.

ومن عجيب السياسات العربية أيضا والتي يفترض أنها تقاوم النفوذ الإيراني أنها أول من أسقط المناطق السورية في الجنوب والغوطة وحمص الخاضعة لسلطة الميليشيات المسلحة المعارضة عندما حدّوا من تحركاتها العسكرية ثم أوقفوا الدعم عنها فأسهموا بإرادتهم أو بغبائهم لا فرق في تمكين النظام مجددا وتمكين وتجذير النفوذ الإيراني أكثر (!)..

 ومن عجائب السياسة العربية أيضا وأيضا ذلك الصراع البيني السعودي – الإماراتي على النفوذ في اليمن بعد أن سمحوا بسقوطه وسقوط باب المندب معه في قبضة الحوثيين إحدى أخطر أدوات المشروع الفارسي (!).

الامتناع عن التصويت في الجمعية العامة لصالح قرار أممي يحاول إنصاف المضطهدين والمظلومين ليس مسألة إجرائية يمكن تجاهل مفاعيلها، هو تماما تصويت لصالح المنظومة الحاكمة التي حولت سوريا مرتعا للنفوذ الفارسي

من العجب العجاب أيضا الإصرار على إضعاف مصر وإسقاط شرعيتها وامتهان مكانتها ودورها كإحدى أهم حوامل الأمن القومي العربي.. كل ذلك من الطبيعي أن يفضي إلى هذا العري وذاك الانكشاف المريع والامتثال المزمن في خضوعه لمتطلبات المجال الحيوي الفارسي العابر للحدود.

الامتناع عن التصويت في الجمعية العامة لصالح قرار أممي يحاول إنصاف المضطهدين والمظلومين ليس مسألة إجرائية يمكن تجاهل مفاعيلها، هو تماما تصويت لصالح المنظومة الحاكمة التي حولت سوريا مرتعا للنفوذ الفارسي وأسهمت في إطباق القوس على بقية دول المشرق التي لن تكون بمنأى عن تأثيرات هذا النفوذ والامتثال لمصالحه.

الامتناع عن التصويت في الجمعية العامة لصالح قرار يحاول بيان مصير أكثر من مئة ألف مفقود سوري لا يمكن وصفه إلا بكونه عملية مفضوحة لأداء الجزية السياسية للفرس من خزائن أرواح السوريين.

هذا الحال العربي يشبه كثيرا حال تلك السلحفاة التي تعثرت فانقلبت على قفاها وصارت تحرك أطرافها في الهواء عبثا في محاولاتها اليائسة لاستعادة وضعها الطبيعي الذي يمكنها من إعادة المسير!!!.