الشعب السوري وفرص الحل

تاريخ النشر: 11.02.2021 | 00:08 دمشق

عند كل منعطف أو تطور أو متغير جديد يكون من واجب القوى السياسية والفكرية والثقافية أن تلعب دورها من أجل التأكيد على الهدف الأساسي لثورة الشعب السوري، وأن تعمل هذه القوى بشكل جماعي وفردي من أجل ضبط المسار تجاه هذا الهدف المتمثل في الخلاص من الاستبداد وإقامة دولة مدنية ديمقراطية.

اليوم وأكثر من أي وقت مضى تبدو القوى السياسية للثورة مطالبة بالإمساك بزمام الأمور، وقيادة قاطرة التغيير بشكل مباشر ومواجهة تحديات المرحلة ومتغيراتها. لقد تبلورت خلال السنوات الفائتة رؤية أكثر وضوحاً تجاه طبيعة العمل المؤسسي والسياسي، وباتت فئات واسعة من الشعب، رغم اختلاف توجهاتها ورؤاها وتصوراتها حول وسيلة تحقيق ذلك الهدف، باتت تدرك أهمية القيادة المسؤولة والتي تقود العملية السياسية مستندة إلى قوى شعبية متوحدة.

الخطاب الوطني اليوم هو الخطاب الذي يتمحور حول مصلحة المواطن السوري، داخل الوطن وخارجه، الخطاب الذي يضع كل همه في إنهاء المعاناة والخلاص من الاستبداد وإقامة دولة مدنية ديمقراطية

الخطاب الوطني اليوم هو الخطاب الذي يتمحور حول مصلحة المواطن السوري، داخل الوطن وخارجه، الخطاب الذي يضع كل همه في إنهاء المعاناة والخلاص من الاستبداد وإقامة دولة مدنية ديمقراطية، كل قوى الثورة يمكنها أن تتوحد وراء هذا الهدف الذي يمكنه أن يحول كل الاختلافات الأخرى إلى أمر تفصيلي ما دامت داخل إطار العمل المؤسسي وتحترم مبادئ المؤسسة ومرجعيتها وثوابتها.

اليوم، يكاد لا يوجد أي تيار له وزنه على الأرض إلا وله تمثيل داخل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وداخل مؤسساته، أو أنه قادر على الحصول على هذا التمثيل في حال أراد، وفي هذا الإطار فإن جميع هذه القوى مدعوّة إلى تقديم الأجندة أو الخطة التي تعتقد أنها أفضل، وأن تجمع خلفها ما يكفي من الدعم الشعبي ودعم وقوى الثورة، وفي حال حصلت على الأغلبية فإنها قادرة على تحويل خطتها إلى واقع.

لكن من واجبنا جميعا التمييز ما بين التحدي المتعلق بانتصار الثورة والتحديات اللاحقة المتعلقة ببناء سوريا وخدمة أهلها، وأننا في هذه المرحلة مطالبون بالعمل على الهدف الرئيسي وعدم تشتيت الجهود على تفاصيل أخرى.

انتصار الثورة سيكون انتصاراً لجميع السوريين، ولن يكون لأحد فضل على أحد في النصر الذي نعمل جميعاً على تحقيقه.

العمل على ضبط البوصلة وراء الهدف الأساسي لثورة الشعب السوري، يتطلب قراءة للمتغيرات العميقة والجوهرية في المشهد السياسي المحلي والدولي، وكذلك للمستجدات العارضة أو السطحية. مسؤولية القوى السياسية والفكرية والثقافية والمدنية تفرض عليها تقديم خطط وتصورات لكيفية مواجهة هذه التطورات وتوجيه النقد البناء على المستوى السياسي.

نحن اليوم أمام متغيرات متعددة في المشهد السياسي الإقليمي والدولي، سواء فيما يتعلق بالتطورات الشاملة المتصلة بالربيع العربي في عامه العاشر، أو بالمتغيرات السياسية الأخرى كوصول إدارة أميركية جديدة، أو ما يتعلق بتحسن العلاقات بين الأشقاء في الخليج ورأب الصدع بينهم، الأمر الذي كلفنا كثيراً خلال السنوات الماضية.

متغيرات أخرى مهمة جاءت من أوروبا بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كما أن هناك متغيرات يجب أن نرصدها في روسيا والحراك المعارض فيها وفي إيران.

إننا بحاجة إلى فتح آفاق سياسية جديدة استناداً إلى الواقع الحالي، وعلينا أن نعيد التفكير بوسائلنا وأساليبنا، سواء تلك التي تتطلب التحسين والتطوير أو تلك التي بات من الضروري استبدالها بوسائل أخرى، كل ذلك في إطار مسؤول يدرك المتغيرات لكنه يلتزم المنطلقات والمبادئ ولا يحيد عن الهدف الذي أجمع عليه السوريون.

المواقف الشجاعة التي نحتاجها اليوم ليست تلك التي توزع اتهامات التخوين والمتاجرة على الآخرين، وتطالب الجميع بالاستقالة أو بإسقاط مؤسسات الثورة، دون أن تتخذ خطوة معقولة أخرى، مثل هذه الشجاعة هي واليأس سواء.

الموقف الشجاع اليوم هو الموقف الذي يضع أهداف الثورة فوق كل اعتبار، ويرفض الوقوع في شراك التخوين ويتمثل مبادئ الثورة في سلوكه ويحترم مبادئ العمل المؤسسي بكل تفاصيلها.

النظام يعجز عن مواجهتنا على طاولة المفاوضات، وقد عجز عن مواجهة الشعب السوري على الأرض، إلا بدعم من إيران وروسيا، وهو الآن يريد أن يواجهنا داخل قوى الثورة والمعارضة، وهو أكثر المستفيدين من أي نزاع يخرج ويكسر أطر العمل المؤسسي.

كل السوريين يدركون ضرورة تطوير آليات العمل واعتماد خطاب أكثر فعالية وأكثر التزاماً بأهداف الثورة وإيماناً بقدرات الشعب السوري وشخصياته الوطنية.

نعلم أن أوضاع السوريين في الداخل والخارج، والمعاناة الرهيبة التي باتت حالة سائدة، والسخط على واقع المجتمع الدولي، وكل الملفات التي تراكمت خلال عشر سنوات؛ هي ما يدفع البعض إلى الانفجار والرغبة في تكسير وتقويض كل شيء، لكننا رأينا ما ينتج عن مثل هذه المقاربات.. وأنها لا تأتي بأي حلول، خيارنا اليوم هو التوجه نحو الجميع، والالتقاء بهم والتشاور معهم وتطوير أدواتنا والعمل على تكتيكات ووسائل جديدة لمزيد من الفعالية.

لنتوجه نحو المستقبل بخطوات ثابتة، حرية سورية وانتقالها إلى نظام مدني ديمقراطي تعددي، هو الهدف، وجهة السفينة واضحة لكن لا بد من التجديف بالاتجاه نفسه.