"السَّباحتان"..  فيلم غرق في قصة نجاح

"السَّباحتان"..  فيلم غرق في قصة نجاح

فيلم السباحتان
ينتمي الفيلم إلى موجة من الأفلام الوثائقية والروائية التي أُنتِجت وانتشرت في العالم تحت يافطة "الموضوعية" و"الحيادية"

تاريخ النشر: 02.12.2022 | 09:31 دمشق

آخر تحديث: 02.12.2022 | 10:40 دمشق

تلفزيون سوريا ـ هشام الزعوقي

ينتمي هذا الفيلم إلى موجة من الأفلام الوثائقية والروائية التي أُنتِجت وانتشرت في العالم تحت يافطة "الموضوعية" و"الحيادية" في تناولها للقضية السورية والتركيز أكثر على "الإنسان" مع الابتعاد عن السياسة. لقد انتمى إلى هذه الموجة مجموعة غير قليلة من صانعي/ات الأفلام السوريين والأجانب، بحيث عند معظمهم يكون الحدث السوري أو "المأساة" السورية بعيدة عن حقيقة ما يحدث ويكون وسيلة لاستدرار العطف وإثارة الشفقة لدى المشاهدين ولدى معظم الجهات الممولة.

باختصار يتناول فيلم  "السباحتان"  قصة رحلة فتاة سورية وأختها من سوريا إلى أوروبا عبر "البحر". رحلة قطعها مئات الألوف من السوريين في عام 2015 من تركيا إلى اليونان. الشيء الخاص في هذه الرحلة أن الأختين محترفات ماهرات بل وبطلات سباحة في سوريا وذلك لحسن الحظ ساعدهم في رحلتهم القاسية. ففي موقف رهيب وسط  ظلام البحر عندما توقف القارب حيث كادوا أن يغرقوا رموا  بجرأة بأنفسهم في البحر وبدؤوا السباحة لتخفيف الحمل ولإنقاذ القارب (وفي هذه المشاهد تكون ذروة الفيلم الأساسية) بعدها وصلوا سالمين إلى اليونان ولتبدأ رحلة جديدة من المصاعب لعبور الكثير من الحدود عبر البر باتجاه ألمانيا بلد "الأحلام".

لا يمكن إغفال أن الفيلم مسلٍ ويعطي شعورا جيدا في أثناء المشاهدة، مشروع متمكن وراؤه كادر إنتاج احترافي بريطاني من تصوير متقن وأماكن جميلة متعددة مع حركة سلسلة للكاميرا واختيار موفق لكادر الممثلين مع أداء معقول لمعظمهم. أما السيناريو فنجد أنه متماسك مشغول بطريقة كلاسيكية من كاتب سيناريو بريطاني متمرّس في أعمال الترفيه، ويعرف جيداً حيل ومفاتيح السيناريو التشويقي لفيلم يعتبر من حيث الشكل  نمط من أفلام "سينما الطريق" حيث يبدأ الفيلم من نقطة محددة بغية الوصول إلى المكان الهدف بعد اجتياز الشخصيات عدة عوائق. والسرد فيه يعتمد على كثرة الأحداث والعقبات ومن ثم تجاوزها إلى غيرها، خلال ذلك نرصد تفاعل  وتغير الشخصيات عبر هذه الرحلة.

الحبكة بسيطة  في هذا الفيلم، أولاً الوصول إلى ألمانيا ومن ثم ثانياً تتمة المتابعة بالنسبة للسبّاحة يسرا (شخصية الفيلم الرئيسية) وهو في المشاركة باسم سوريا في الأولمبياد المقام  في ريو  بالبرازيل. بهذه الطريقة يبدو هذا الفيلم أقرب إلى تصنيفه في  قصة "نجاح لاجئ" وغرق الفيلم في  هذه القصة.

الفيلم كثير البعد عن موضوع  قصة تراجيديا اللجوء السوري رغم أن شخصيات الفيلم وموضوع الفيلم ومناخ الفيلم كلهم سوريون إلاّ أن هذا الفيلم لا علاقة له حقيقة ًبالقضية السورية. ويبدو أن صنّاع الفيلم يعرفون ذلك جيداً. وما تقديمهم لما يجري في سوريا على لسان يسرا عندما تقول في أحد الحوارات "إن سوريا تحت القصف" التي هي نفس دعاية النظام المجرم: أن سوريا تتعرض لمؤامرة.

نفاق..

لا يوجد فن بريء، إن ارتباط الفن مع حياة الإنسان وتفاعلاته مع الأحداث الكثيرة يؤدي إلى ظهور موقف ما اتجاه محيطه. وفي الأزمنة الحديثة أصبحت مأساة الإنسان الحالي يعبّر عنها من خلال  مدى درجة وعيه وطريقة استجابته لصراعاته اليومية.

فتصبح مأساة يسرا والكثير من أمثالها  السوريين  الذين عاشوا حياتهم الاعتيادية والاحتفالية محصورة بما يقع تحت أنظارهم ليلاً من مشاهد الصواريخ ونيران الراجمات التي كانت تقصف المحيط الدمشقي المنتفض على الأسد. وفي سماع أصوات هدير الحوامات والقنابل والبراميل. هذه ليست سوريا تحت القصف وإنما هذا ببساطة اسمه "قصف النظام لشعبه" ووراء ذلك شخص مسؤول اسمه الأسد وفريقه. وإذا كانت مخرجة الفيلم وكاتب السيناريو قد نسوا أو لم يعرفوا ذلك، وأنا أشك في ذلك. فعلى الأقل يسرا وأمثالها يعرفون الفاعل جيداً. 

اليوم أصبح تقريباً لكل سوري مأساة وحكاية تصلح لـأن تكون فيلماً، وليس العيب أن تصنع فيلماً عن الفرد و تسرد حكايته كجزء من مجموعة وما يمثلها، ولكن على الأقل من العار أن تُمرّر بعض الرسائل "المنافقة" عن واقع صراع تدّعي أنك بعيد سياسياً عنه. فالمخرجة تنافق، وكاتب السيناريو ينافق ويسرا أيضا تنافق مع الأسف.

كثيرون ركبوا موجة الثورة في سعي للهجرة إلى أوروبا لحياة أفضل

لكل إنسان الحق في الحصول علي حياة أفضل وإذا كانت يسرا وأختها تمثل شريحة واسعة جداً من السوريين  ربما مئات الآلاف الذين لم تتضرر حياتهم  كثيراً في سوريا وكانوا غير مكترثين بإجرام النظام وثم استفادوا من واقع الانتفاضة السورية وهاجروا إلى كل بلدان العالم بغرض تحسين ظروف حياتهم المادية والشخصية، فإن هناك مئات الآلاف من السوريين الذين قدموا وضحّوا بكل شيء ولا نسمع عنهم شيئا في الأفلام.

اليوم وبعد 12 عاما لا يمكن لنا الابتعاد عن السياسة خاصةً عند تناول الفن للموضوع السوري. كذلك لا يمكن لنا تجاهل محاولات الاستخفاف والتهميش لآلام السوريين وخساراتهم الفادحة ولا كذلك التقليل من شأن تضحياتهم ونضالاتهم بعد انتفاضتهم الشعبية العامة ولعدة سنوات على واحد من أعتى أنظمة القتل والتهجير والكاتم لأصوات الناس وحرياتهم والهادر لكرامتهم والسارق لقوت يومهم.

"السَّبَّاحَات"

فيلم بسيط واضح مسلٍّ وخاصة في  أيام العطل وأيام الأحد. يشبه كثيراً روايات الأكشاك التي تباع في محطات الباصات، تبدأ في قراءة الكتاب مع بداية الرحلة ثم تتركه مرمياً على المقعد وتغادر الباص من دون أن تتذكر منه الشيء الكثير. بالرغم من أن هذا الفيلم قد شارك في عدة مهرجانات دولية مهمة ومنذ أيام قليلة بدأت عروضه على منصة نتفليكس الشهيرة وقد يكون ناجحا بمعايير "السوق" حيث الأحداث مشوّقة والشخصيات حلوة، والموضوع عصري، ولو أراد صانعوه تقديم فيلم أكثر قيمة وجدية لكانوا ربما سلكوا طريقا آخر وهذا بالضبط ما حاول كاتب السيناريو المتمرس إيهامنا به منذ اللحظات الأولى للفيلم وحاول أن يمازحنا بلؤم في مشهد القنبلة التي سقطت في حوض السباحة مع التصوير البطيء المؤثر لأجساد الأطفال والشابات الطافية في المسبح ولثوان حسبنا كل شيء يوحي بأن الانفجار سيقع وتلطخ الدماء عدسة الكاميرا وتتطاير أشلاء البشر ليسود السواد. عندها بالتأكيد سيسلك تطور الفيلم طريقا آخر وهو ما لا يريده الفيلم. لقد اكتشفنا أن القنبلة بلاستيكية للعب في الماء. من الواضح أن المخرجة في هذا الفيلم تلتزم حرفيا بالسيناريو وتقوم بتنفيذ الصفحات المكتوبة بإتقان لكن دون أي موهبة أو رؤية فنية أو أخلاقية.

 

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار