الثورة السورية في ذكراها الثالثة عشرة: مدٌ لنضال طلابي لا نهاية له

2024.03.17 | 05:41 دمشق

الثورة السورية في ذكراها الثالثة عشرة: مدٌ لنضال طلابي لا نهاية له
+A
حجم الخط
-A

انخرطت الجموع الطلابية السورية في الثورة السورية كجزء من صيرورة منطق الانتفاضات فلطالما كان الشباب أحد أهم حوامل التمرد ضد الأنظمة المستبدة، بما أنّه يعتبر محركاً للمجتمع ومصدر ثروته البشرية وطاقته ورغبته الجامحة للأفضل في الدول التي تغيب فيها العدالة والحرية ومنطق الدولة نفسه؛ الحاكم للدوافع والاندفاعات العامة ومظلة تأمين الحقوق والأهم احتكار وإدارة هذا الاندفاع فيما يصب في المصلحة الوطنية.

وعندما يغيب هذا الضابط فنتيجة التمرد حتمية كحتميات التاريخ، أسهل ما يمكن التكهن به هو الثورة لأنها بطبيعة الحال تشكل كينونة الشباب حتى في الحالة الطبيعية ما يسميه العلماء "تمرد المراهقين" كجزء من نموهم ومحاولاتهم تشكيل هويات ذاتية مستقلة عن المنظومة العائلية التي يحكمها أساساً منطق السلطة.  أمّا الهوية السياسية لدى الشباب فتتشكل في ذات الوسط بما أنّ مقومات الاستقطاب موجودة في بيئة سياسية مضطربة كما حال الوضع القائم في سوريا، وقد اعتقد كثر قبيل اندلاع الثورة إمكانية انتفاض الشباب بينهم رياض الترك الذي سمّى الثورة " ثورة الشباب" ووصف حينها أن المعارضة التقليدية في نهاية عمرها بينما ثورة الشباب في عشرينياتها موضحاً حامل تلك الثورة ومقوماتها الموضوعية.

جامعة حلب كان لديها قرار الثورة في ابتداع لديناميات التحرك بما فيها أدوات أكثر ابتكاراً وكانت منطلق حلب للثورة ضد الاستبداد وعلى هذا الأساس أطلق عليها السوريون "جامعة الثورة"

من الطبيعي عندما يكون الشباب هو الحامل فلا بد أن نذكر شريحة الطلاب التي كانت أساس الحراك الثوري في الجامعات السورية ضد نظام الأسد، وفي كثير من الأحيان لم تكن حاملاً فحسب بل كانت ثغرة في حائط جليدي متين يعيق أي تحركات ضد النظام، كما في حال دمشق وحلب؛ الأخيرة التي تأخر فيها "صورة التجمهر" إلا بشكل خجول في بعض الأحياء في البدايات بسبب القبضة الأمنية غير العادية حينها رغم المحاولات الكثيرة لتجاوز هذا الجدار سواء بالدعوة لتظاهرات في مناطق متفرقة أو الإضراب أو ما سمي "تظاهرات طائرة" بجانب الدعوات التضليلية للنظام للتظاهر في سعي لتشتيته لكن معظمها لم يؤد لأي نتيجة.

جامعة حلب كان لديها قرار الثورة في ابتداع لديناميات التحرك بما فيها أدوات أكثر ابتكاراً وكانت منطلق حلب للثورة ضد الاستبداد وعلى هذا الأساس أطلق عليها السوريون "جامعة الثورة" بما أنها فتحت أول ثغرة في المدينة ضد نظام الأسد وعرقلت كل المساعي الأمنية لضبط المدينة. طلبة جامعة حلب قدموا صورة أقل ما يقال عنها نموذجية للثورة وفيها استيعاب غير عادي لتنوع الجامعة المناطقي والديني والعرقي لدرجة أن تصور الدولة نفسه لم يكن حواراً صعباً بين الطلبة وليس على أجندتهم من أساسه لأن ما جمعهم أعمق بكثير مما يمكن أن تؤدي له نتيجة الثورة، الكل كان مدركاَ أن الاستحقاق في الخلاص من الاستبداد قبل أي استنزاف داخلي، ولربما صورة زيارة وفد الجامعة العربية للجامعة لا يمكن أن ينساها أي سوري لأن الثغرة تحولت حينها لطريق نحو أكبر ساحات حلب "سعد الله الجابري" التي استشهد على أبوابها العشرات خلال محاولات كثيرة للوصول في بركان حلب.

بينما لم يكن حراك جامعة دمشق أقل قيمة مما بذل في حلب، لأن حراك جامعة دمشق كان بخطورة حراك حلب وربما أكثر، ما أبدع به طلبة الجامعة أدوات مجابهة النظام في الساحات والفن والموسيقا والروايات؛ حتى في يوم بدر كان لطلبة جامعة دمشق بصمة حاضرة عندما فرض النظام حصاراً خانقاً نقل مجرياته وائل صلاح الدين في "على حافة الضوء" بطريقة مميزة ولافتة بينما كان لرواية "وحدك تعلم" التي نقلت يوميات الحراك الطلابي في دمشق صورة إبداعية عظيمة تجسد أحلام طلاب أحرار ضحوا بكل شيء لأجل وطن كبير ما زال كثر من الطلبة ينتظرون أن يفصح صاحب تلك الرواية عن اسمه ربما عندما تنتصر الثورة أو تستمر.

الثورة السورية قصة عظيمة أهم حواملها الشباب والطلبة لم تصل بنا بعد نحو الحرية لكنها تُذيب كل منخرط بها ومتعاطف ومحب ومناضل عشقاً بها

إن استمرارية الثورة مناط ببقاء أسبابها كما في الحال في استمرار نظام الأسد في السلطة، وربما هذا ما يدركه طلبة سوريا الذين لم يتوقفوا عن المطالبة بذات المطالب بعد مضي أكثر من ١٣ عاماً على الثورة وحالة التغريبة التي فرضها الأسد على الشعب السوري بعد تهجير مئات الآلاف من مناطق سورية مختلفة. ورغم انحسار الجغرافيا على مناطق سورية محدودة إلا أن الشباب وطاقاتهم كانت دافعاً إضافياً للاستمرار وربما كانت لحظة تشكيل "اتحاد طلبة سوريا" من النادرات الطلابية المهمة لطلبة سوريا، الكيان الذي يعدّ حالة التعبير المثلى عن الحراك الطلابي المنظم والذي يقود الآلاف من الطلاب في الشمال السوري والمغترب وأوروبا نحو الدفاع عن القضية والسعي لإبقاء مقومات النضال الطلابي حاضرة، الاتحاد الذي بات يعتبر جسراً بين جيلين ذاك الذي عاصر الثورة والآخر الذي كبر على تضحياتها؛ جيلان شكلوا كياناً فيه تعبير عن تظاهرة وطنية عابرة للجغرافيا وطاقات شبابية تسعى لأن تكون في مقدمات النضال لا على هوامشه.

الثورة السورية قصة عظيمة أهم حواملها الشباب والطلبة لم تصل بنا بعد نحو الحرية لكنها تُذيب كل منخرط بها ومتعاطف ومحب ومناضل عشقاً بها، ليست قصة حب فقط وإنما رحلة بحث عن هوية ضائعة عن بلد مخطوف عن قصص مبعثرة لم يكشف عنها، عن وطن نريد أن نحبه نناضل لأجله عبر ثورة عابرة لمنطق استيعاب المستبد، وعن نصر لا نعلم مداه الزمني، وابتسامة فتى بسيطة وعن ضحكة عريضة لعجوز مضى بعمره مقارعاً الأسد.

إن التعويل على طلبة سوريا كبير بحجم الوطن، لأن القدرة لدى تلك الشريحة والأدوات والمقومات ليست عادية بما أن فلسفة التاريخ لطالما منحت الشباب الأفضلية والطلبة الأحقية رغم أن حق التغيير ليس حكراً على أيّة شريحة لكنه حتماً مسؤولية الطلبة أكثر من أيّة شريحة أخرى. تحويل ذاك التعويل لأمر واقع هو مهمة صعبة وشاقة ولكنها ليست مستحيلة وليست أكثر صعوبة من صرخة التمرد الأولى ضد الأسد وليست أهون من تضحية باسل شحادة عندما كان طالباً.