"التضخّم" ألوان وأصناف وطبقات

تاريخ النشر: 02.10.2021 | 06:30 دمشق

التضخم من الأضداد المعاصرة، ويعني قلة فعل النقد، وهناك أشكال أخرى للتضخم غير التضخم النقدي وهو معروف، ويتبدى بشيخوخة القوة الشرائية وشبوب الأسعار وعدم تناسب الأجور والأسعار، وصنّفه الاقتصاديون على أنواع وطبقات؛ فمنه الأصلي والزاحف والمكبوت والمفرط. وهو في سوريا مفرط وكان مكبوتا. ونجد أشكالا من التضخم الزاحف في مصر والمفرط في السودان أما التضخم الاقتصادي السوري فهو مفرط ومكبوت وأصلي وزاحف حتى إنّ العملة السورية قد تصير كعملة أهل الكهف.

ولا يخلو مجلس أو نادٍ من الحديث عن أسعار أيام زمان مديحا لها أو ترحما على سالف العهد والزمان مع أنه عهد فقر وحاجة، ونقرنها عادة بغرام الذهب أو سعر كيلو اللحم.

وهناك التضخم الديني وهو أشدُّ من التضخم النقدي ويسبقه غالبا، ويتجلى في التكفير أو التبديع أو التضليل والمبالغة في النوافل والاجتراء على الفُتيا والمباهاة بالطاعات الشكلية مثل طول اللحية وزبيبة الجبين حسب الطلب الحكومي، وهو تضخم لا يسنده إيمان حقيقي في بنك العقل أو مصرف القلب. ويقول الضالعون في شؤون الاقتصاد إنّ التضخم النقدي يسبب فسادا في الأخلاق وتدميرا له.

وهناك التضخم المعرفي ومصادر المعرفة بعد ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وثورة الميديا، ففشا الجهل وعمت الجهالة وكنا أيام زمان نتحسر على استعارة كتاب ونجعل له دورا بسبب ارتفاع أسعار الكتب والحجب الحكومي، فإذا بمكتبات كاملة فيها عشرات آلاف الكتب ومئات الصحف الإلكترونية وكل امرئ صفحته الإلكترونية صحيفة هو رئيس تحريرها، والمتابعون هم العشيرة وأهل البلد والقرية الذين يصفقون لصاحبهم صدقاً أو كذباً.

وصاحب الصحيفة ينافس الصحف في نقل الأخبار وقد يسبق الصحف بأيام وشهور لقربه من الحدث وشهادته عليها، وهو ينقل أقوالا لمفكرين ليست لهم لأنها منقولة من غير تدقيق فتجد قولا لديكارت منسوبا إلى أحمد بن حنبل بل أقوالا منسوبة إلى علماء هم منها أبرياء.

هناك تضخم في المناسبات الوطنية والشخصيّة، ويقابل التضخم الديني والنقدي والثقافي شح في الخبز والماء والهواء وهي توزع في دول عربية عدة بالحصة والرغيف!

أما لغة هذه الأخبار فهي مصابة بالتضخم التعبيري والسردي كقول القائل: "تم إجراء عملية جراحية لي" و"تم تناول الإفطار"، فكلها أمور تامة وكان يمكن القول لهؤلاء التامين الذين خلقوا كما يشاؤون: أجريت عملية جراحية وأفطرنا، ولم أجد في الناس عيبا كإصرار القادرين على التمام.

"واليوم هي الذكرى السنوية الأولى لوفاة جدي"، فهناك تضخم في المناسبات الوطنية والشخصيّة، ويقابل التضخم الديني والنقدي والثقافي شح في الخبز والماء والهواء وهي توزع في دول عربية عدة بالحصة والرغيف!

شاعت التقارير الصحافية باللهجة المحلية وقد تكون بالفصحى لكن الأخطاء فيها أكثر من الصواب.

ومن أنواع التضخم؛ التضخم الدرامي التلفزيوني، فقد تشاهد الممثل في دور سعد بن أبي وقاص ثم تجده في دور عتبة بن ربيعة في مسلسل آخر يبثُّ على قناة أخرى، وصنعت قبل سنوات عملة الفانتازيا التاريخية لضرب عملة التاريخ فليس في الفانتازيا التاريخية سنة وشيعة، تطبع الأنظمة العملة وترفع الرواتب للاحتيال على ارتفاع الأسعار فهي كمن يخفي الأوساخ تحت البساط.

وظهرت عشرات الفصائل الثورية "البيتكوين" المطبوعة في مطابع النظام فتاهت الحقيقة والتضخم هو اسم مجازي للتصغير وتضاؤل العملة، وقد أظهرت وسائل التواصل الاجتماعي تضخما جديدا هو الشهرة الميسورة، فقفز مجهولون مغمورون وغلبوا مشاهير في الفنِّ والشعر والسرد والتاريخ والعلم حتى إنَّ بعض المشاهير لا يكلّون من الظهور حتى لا تذبل شهرتهم فنكلوا بأنفسهم تنكيلا.

وهناك تضخم العلاقات والصداقات البعيدة والوهمية وكان للمرء عدة أصدقاء فإذا به له مئات الأصدقاء بل قد يبلغون الآلاف ومئات الآلاف لا يعرفهم وجها ولم يأكل معهم خبزا ولا ملحا سوى خبز اللايك وملح التعليق وهم أصدقاء عابرون سريعو الغضب ويتدخلون في كل شيء ويعلقون على العلوم والفيزياء والفقه كأن واحدهم ابن الهيثم وابن سينا وابن ماجة.

وكثرت الجوائز التي تمنح للأقربين والمشابهين والموالين في الأيديولوجيا، فكما تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة كذلك يطرد الأدعياء الصادقون.

وقد أكل التضخم إعلاميين كثراً، فخمل ذكر إعلاميين مثل شريف شحادة وخالد العبود وناصر قنديل، وأمس لم يعرض سمير متيني حلقة الاتجاه المعاكس التي شارك فيها على صفحته ودافع عن نكسته بأطول بث مباشر بلغت مدته أربع ساعات ونصف، تعويضا عن خسارته في الاتجاه المعاكس أمام مواطنه مهند القاطع.

وقد افترست عشر سنوات من الحرب السورية والتضخم الإعلامي كثيرا من البارعين في التحليل وكهنة الكلام، وانصرف بعضهم للحديث عن العتابا والميجنا والمكدوس. "جاء في الأثر زر غبا تزدد حبا"، وهي وصية تحذر من أثر الإكثار من الزيارات وتضخمها الذي قد يضعف الشوق، وقال الشاعر: ابتعدي قليلا حتى أراك.

الإفراط في قتل الأبرياء جعلهم بلا قيمة حتى إنَّ الأمم المتحدة كفّت عن عدِّ الشهداء بعد ثلاث سنوات من الثورة السورية

ثم أُصبنا بعد ثورات الربيع العربي بالتضخم الديمقراطي المفاجئ بعد مجاعة في الرأي، ثم ما لبثت أن طاشت خمسة استفتاءات مصرية وأُهدرت وارتكب النظام المصري المجازر، فأصيبت مصر وتونس بتضخم تصويتي وانتخابي، ثم أصبنا بتضخم الشهداء رحمة الله عليهم فهم في مثابة الصديقين وأجرهم عند ربهم، لكن بخست قيمتهم الدنيوية الرسمية أما الأخروية فهي لا تضيع عند الله. ذلك أنَّ الإفراط في قتل الأبرياء جعلهم بلا قيمة حتى إنَّ الأمم المتحدة كفّت عن عدِّ الشهداء بعد ثلاث سنوات من الثورة السورية.

ويمكن أن نشير إلى تضخم سنّ الزواج، وهو ارتفاعه وراء سدِّ الاقتصاد، وإلى تضخم الخوف وهو أولى الغرائز البشرية وسيّدها، وكذلك التضخم في هيبة الراعي مقابل ارتخاص في قدر الرعيّة.

كدنا أن ننسى التضخم الدستوري في مصر وتونس وعدة دول عربية فهو دستور للزينة وليس للعمل به وهي دساتير كثيرة التحول، والتضخم الحراري واسمه الاحتباس الحراري وتضخّم الوقت وتقارب الزمن، وتضخم حقوق الإنسان وسواه كثير.

الصحة العالمية تحذّر: أوميكرون أسرع انتشاراً من جميع سلالات كورونا السابقة
توقعات باجتياح متحور "أوميكرون" العالم خلال 6 أشهر
عبر سيدة قادمة من جنوب أفريقيا.. الإمارات تسجّل أول إصابة بـ "أوميكرون"
"فورين بوليسي": بشار الأسد سمح بعودة عمه رفعت إلى سوريا استرضاء للعلويين
فيصل المقداد: لولا علاقتنا مع إيران لكانت الأوضاع ملتهبة في الوطن العربي
بين عالَمين