"الإنسان غاية الحياة ومنطلقها"

تاريخ النشر: 11.10.2021 | 06:55 دمشق

في تشارين، يتذكّر السوريون "٦ تشرين الأول- حرب أكتوبر"، ويتذكرون ١٦ تشرين الثاني- التصحيح"؛ حيث جعل "نظام الأسد" هذين التاريخين قوتاً يومياً للبرمجة الدماغية السورية. في الأول سعى لإقناع السوريين أنه "تحرير"، واتهم مصر بأنها أرادته "تحريكا"؛ وحقيقة الأمر، كان بالنسبة لسوريا "حرب تعميد" أبدي لحافظ الأسد، فسوريا خسرت أكثر من عشرين قرية جديدة في الجولان السوري المحتل. وفي الثانية "التصحيح"، كان التخريب وخنق الحياة السورية على كل المستويات. ولم يكن التناقض والانفصام بالتعابير والشعارات، بل كان في الواقع والحقيقة، وهذا ما أسّس وأوصل سوريا إلى دولة فاشلة بامتياز خلال العشر العجاف الماضية.

إن مجرد تكريس أبدية الأسد كحاكم فرد تلغي أية إمكانية ليخرج الإنسان السوري عن السقف الذي حدده الحاكم الطاغية

شعارات وعبارات "التصحيح كثيرة"، ولكن ما كان لافتاً هو عبارة أطلقها الأسد الأب في أحد خطاباته، وتقول: "الإنسان غاية الحياة ومنطلقها". يحار المرء بإيجاد أي انسجام أو تطابق بين ذاك الشعار والواقع السوري. عندما يكون "الإنسان" منطلق الحياة وغايتها، لا بد من وجود معايير ونواظم يتم الالتزام بها كي يحقق الإنسان ما يُراد له أن يكون؛ فهل تحقق للسوري أيٌ من ميزات الإنسان الحقيقي التي أطلقها حافظ الأسد بشعاره هذا؟

إن مجرد تكريس أبدية الأسد كحاكم فرد تلغي أية إمكانية ليخرج الإنسان السوري عن السقف الذي حدده الحاكم الطاغية. وكي تمعن في تكريس هذا السقف المُذل، قتلت الأسدية الحياة السياسية في سوريا لعقود من الزمن؛ فمسموح لهذا الكائن السوري أن يفكر بالطعام والنوم والتكاثر وتمجيد "الحاكم بأمره"؛ ولكن أن يفكر بالسياسة، أو ينتقد أو يقترح "تصحيحاً" لفكرة أو خطة أو نهج، فهذا من المحرمات التي قد تودي بصاحبها إلى غياهب "مقابر الأحياء" /معتقلات الحاكم/.

عندما يكون الإنسان "غاية الحياة ومنطلقها"، لا بد أن يكون على الأقل حراً. وفي أدبيات "البعث"، الذي امتطته وحكمت باسمه الأسدية، تُمَثِّلُ "الحرية" أحد الأركان. والسوريون يعرفون تراثهم ويذكرون ويتذكرون المقولة الأشهر للخليفة عمر بن الخطاب- والتي تناقلها التراث العالمي- "لقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً". ولكن تلك العبارة بالذات كلفت السوريين خلال السنوات العشر الماضية دمار بلدهم، وتشرد أكثر من نصف سكانه، وأكثر من مليون ضحية، ونصف مليون في "مقابر أحياء" النظام، وقتل نصف هؤلاء تحت التعذيب. تلك العبارة اللازمة لشعار "الإنسان غاية الحياة ومنطلقها" جعلت ابن مُطْلِقها يستخدم حتى السلاح الكيماوي لتحقيق "غاية حياة" منظومته الاستبدادية فقط.

لا تغيب عن أذهان السوريين عبارة ذلك الشاب السوري الذي صرخ: "أنا إنسان". ربما اكتفى ذلك الشاب بأن يكون "إنساناً" فقط؛ فلا يريد أن يكون "غاية الحياة ولا منطلقها". كان يريد أن يعيش فقط؛ وبشيء من الأمان والكرامة. وحتى ذلك المطلب لم يكن محققاً له. الأسدية التي أطلقت ذلك الشعار استقدمت ميليشيات لإلغاء حياته وليس فقط إنسانيته؛ بل استقدمت دولة عظمى اشتهرت بحرق الأرض ومَن عليها في حروبها. وكل ذلك لسحق "غاية الحياة ومنطلقها" هذا.

في العهد الأسدي الجديد جرى تطوير وتمديد طيف ذلك الشعار إلى الخلية الأوسع "الأُسرة"، و"المجتمع"؛ وهنا يقول بشار الأسد: "من أهم الخطوات لضرب البنية الاجتماعية، هي ضرب الأسرة؛ فعلينا أن نركز على موضوع الأسرة في عملنا الديني والاجتماعي". وها هم السوريون يشهدون هذا التركيز على الأسرة السورية بإفقارها، بنشر المخدرات بين أبنائها، بابتزازها -خاصة إذا كان أحد أعضائها معتقلا- بتسهيل بعثرتها ونزوحها. وكل ذلك من أجل خلق "المجتمع المنسجم المتجانس" الذي تحدث به الأسد يوماً.

أليس رهن سوريا للمحتل مساومة وتفريطاً بالحقوق والسيادة وبإنسانية الإنسان؟!

لم يقف التناقض والانفصام في خطاب وشعارات منظومة الاستبداد، سابقها وحاضرها، عند قضايا الإنسان والأسرة والمجتمع بل تعداها إلى الأمور المصيرية لسوريا ككيان. فعندما يقول بشار الأسد" لأننا في سوريا نرفض المساومة على قضايانا أو التفريط بحقوقنا، آلينا على أنفسنا ألا نحيد عن مبادئنا، وأن نتمسك بنهجنا…". ويقول في سياق آخر: "نحن ننتصر مع بعضنا، لا ننتصر على بعضنا". بات معروفاً أن "قضايا النظام وحقوقه" تتمثل حصراً بالبقاء، حتى ولو تدمرت سوريا وسُحق شعبها؛ وهذا أمر فعلياً لا يساوم عليه النظام. فليس هناك أكثر مبدأية لديه من القول "الأسد أو نحرق البلد". أليس رهن سوريا للمحتل مساومة وتفريطاً بالحقوق والسيادة وبإنسانية الإنسان؟! وعندما يتغنى "النظام" بانتصاره، فهل كان "الانتصار" على تركيا أو أميركا أو إسرائيل أو العرب؟!

أخيراً، حتى يكون "الإنسان غاية الحياة ومنطلقها"، وحتى نستطيع الحديث عن "تشرين التصحيح" و"تشرين التحرير"، لا بد من وجود سلطة رشيدة حكيمة وطنية مسؤولة تحترم الإنسان وحقوقه بعيدة عن الرخص والأنانية والبطش والتعفيش والخيانة ورهن الأوطان واستباحتها. على الأقل أن تتحلى بأي صفة إنسانية أو آدمية. وفي الختام يقول بشار الأسد: "إذا أردنا أن نعرف ما يجري في سوريا، علينا أولا أن نعرّف ما هو الحيوان..". الحيوان…