الإعلام السوري الحكومي في نصف قرن ودور فؤاد بلاط (1)

تاريخ النشر: 22.04.2021 | 06:51 دمشق

آخر تحديث: 22.04.2021 | 07:01 دمشق

يكاد عمرُ "فؤاد بلاط" يقارب عمر إعلام سوريا الرسمي، الذي مرّ منذ نشوئه تلفزيونياً وورقياً في مرحلة الستينيات بمفاصل عدة، أبرزها: توءمة إذاعة دمشق مع إذاعة صوت العرب من القاهرة، و بدء بثّ التلفزيون السوري متزامناً مع تأسيس التلفزيون المصري عام 1960، مستعيناً بأبرز وجوه الإذاعة، وكذلك صدور جريدة الثورة عام 1963،  ولكي يستمر شخص كفؤاد بلاط في معايشة تاريخ الصحافة السورية الحكومية نحو ستين عاماً يعني أنه يمتلك مرونة زائدة، وسمات شخصية أخرى تجعله رقماً صعباً في تاريخ الإعلام السوري.

في إطار محاولة الهولنديّين لتنميط الشخصية السورية القادمة إليهم، عبر بوابة اللجوء في العقد الأخير، تتساءل سوسيولوجية هولندية بصيغة أقرب إلى حكم القيمة السلبي: لماذا يكون السوري بوجوه عدة؟ وليس  بوجه واحد؟ لِمَ  تعبّرون عما تريدونه بشيء من اللفّ أو الدوران؟ لماذا تفتقدون الصراحة؟

لا تأخذ تلك الزميلة الأكاديمية البعد الأنثربولوجي في تفسير الظواهر، أو قراءة الشخصيات، بل تركن إلى القراءة الجاهزة التنميطية، وفي إطار الرد عليها يمكن القول: ذلك تكثيف استشراقيّ وحكم قيمة مسبق،  يتعجل الحكم على الشخصية السورية، دون النظر إلى الظروف المحيطة بها. لو حاولت الباحثة النظر في جوانب أخرى من الموضوع  لوجدت أن أبرز سبب يدفع تلك الشخصية للقيام بهذا الفعل التلوّني، أو التعدّدي أو المطاطي، هو الرغبة بالتكيف مع ظروف عدة تفرضها طبيعة الحياة في سوريا. ليس الموضوع ذا بعد أخلاقي، ولا يصلح البعد المعياري لتقييم تلك الشخصية، وكذلك ليس رغبة بالتلون من أجل التلون، بقدر ما هو حالة دفاعية تقرأ البيئة، وفقاً لمفاهيم علم النفس الاجتماعي، وقد صدر قبل سنوات كتاب لمؤلف إنكليزي عدّ الهولنديين فجّين بصراحتهم ومباشرين!

ولكون إحدى صفات  الشخصية السورية (على صعوبة التعميم) أنها شخصية مطّاطية، يعود في جزء منه إلى محاولة مواءمة نفسها مع ظروف عدة، وقد يعود ربما إلى تعدّد الظروف وتغيرها في سوريا،  وقد يكون كذلك عملها في التجارة أحد الأسباب. وعلى المستوى الشخصي بعد غياب سنوات فقد تأثرتُ بثقافتي الهولندية، ووجدتُ نفسي لا أجيد التعامل مع بائعي منطقة "الفاتح" بإسطنبول في بعض ما يعرضونه، وحين كنتُ أقدم إجابتي لسعر بعض المواد التي يعرضونها، غير راغب في التفاوض،  كنتُ أسمع عبارة واحدة: هل أنت سوري؟ (أخي خودْ واعطِ)، أخي الشراء والبيع "أخذ وعطى”،  تلك خصلة سورية!

 استدعى رحيل الإعلامي السوري فؤاد بلاط قبل أيام مشهداً تفصيلياً من الحياة الإعلامية السورية، ذلك الرجل الذي عُرف كقيادي إعلامي أكثر من كونه كاتباً صحفياً في مجال التحقيق أو الرأي أو المقال،  وقد انطلق من دور تمثيلي قادته إليه الحاجة المادية للدخول إلى عوالمه، لكنه غدا حالة رمزية وأقرب إلى مختار في تاريخ الإعلام يدافع عن مظلوميه، ويتابع تفاصيله، وهو الشغوف بعوالم الحكاية وتقاطع الأخبار، ويمكن تحقيب تاريخه الشخصي إلى خمس حقب، تلقي الضوء على عمر الإعلام السوري، وفقاً للمفاتيح الرئيسية التالية:

 

مرحلة الحبو في تاريخ الإعلام الرسمي السوري

شهدت هذه المرحلة بلورة كثير من مؤسسات الدولة السورية، إنها تحولات الستينيات ومطلع السبعينيات من القرن العشرين، حيث كان فيها فؤاد بلاط أقرب إلى الشاب الباحث عن نفسه ومستقبله، لذلك تنقل عدة تنقلات بين مهن عدة منها: الممثل والصحفي والمراسل الحربي، هي كذلك مرحلة ما قبل توزير أحمد إسكندر أحمد، حيث كان يُنظر آنئذ إلى وزارة الإعلام بصفتها إحدى واجهات الدولة السورية في الخارج والداخل، لذلك تم توزير أسماء ثقافية مهمة من مثل: عبد السلام العجيلي وشاكر مصطفى وسامي الجندي وعبدالله عبد الدايم وسليمان الخش. الأمر نفسه انعكس على تسمية المديرين في الإذاعة والتلفزيون آنئذ لذلك تجد في البدايات اسم يحيى الشهابي و القاص أديب نحوي والروائي شكيب الجابري، يومها كان أحد معايير العمل مفهوم السمعة والأخلاق، بل أحد محدّدات اختيار الأشخاص للمناصب والمواقع الإدارية، لم تكن الدراسة الأكاديمية أو الخبرة أو كون الشخصية سياسية أو مؤدلجة هي الأهم، بل أن يأتي لإدارة مؤسسة ما رجل ذو سمعة حسنة، ولم يولد بعد مفهوم الولاء أو العسكرة أو الأدلجة لشخص الرئيس كما فعل حافظ الأسد أو الانتماء لهويته الفرعية ذاتها، إذ بات هذا أهم معيار لاختيار الأشخاص.

دخل فؤاد بلاط عالم الإعلام من باب التمثيل الإذاعي في برنامج إذاعي شهير كان يُقدَّم باللهجة الفراتية اسمه "مرابع الريف عام 1967 " الذي تمّ الاهتمام به في محاولة من الدولة آنئذ لتمثيل شرائح المجتمع السورية المختلفة، حيث كان يسند بداية لفؤاد بلاط دور المختار في ذلك البرنامج، وخلال فترة قصيرة سيصبح أحد كتاب التمثيليات، ثم فتح له باب الصحافة المكتوبة التي لها علاقة بالمنظمات من خلال جريدة الاشتراكي الصادرة عن اتحاد العمال، ثم عمل مراسلاً حربياً إبان حرب تشرين، ليقضي الخدمة العسكرية في الإدارة السياسية ويكتب في جريدة جيش الشعب الصادرة عن الإدارة السياسية في وزارة الدفاع، ويتابع كتابة التمثيليات والقيام بأدواره التمثيلية مع فريق من الممثلين السوريين مثل ثناء دبسي..كانت تلك المرحلة مرحلة اصطفافات وتقسيم للحزب، اختار فؤاد بلاط، أو وضعته الظروف بعد مروره بتجربة قصيرة في السجن بعد انشقاق 23 شباط 1966 في شريحة المنتصرين، الذين مالوا مع فريق حافظ الأسد، الذي تخلص من رفاقه، وبدأ يقود الدفة لمصلحة ترسيخ ذاته "قائداً للمسيرة” وفقاً للشعار الشهير الذي رسخه أحمد إسكندر أحمد بعد سنوات.

 

مرحلة وزارة أحمد إسكندر أحمد والشعارات الكبيرة

تمتدّ  من منتصف السبعينيات إلى منتصف الثمانينيات، حيث انتبه حافظ الأسد إلى أن القبض على الإعلام وتوجيهه في ظل انتشار التلفزيون يعدّ أحد أدوات التأثير على المجتمع، وقيادته نحو الإيديولوجية التي يريدها الرئيس، خاصة أنه انتهى من توطيد الجانب العسكري، والسيطرة على قيادة الدولة، وقتل شركاء الأمس أو دكّهم في السجون، والبدء في طرح شعارات فضفاضة من نمط "لن تبقى قرية سوريا دون كهرباء" أو "لا حياة في هذا القطر إلا للتقدم والاشتراكية"، والانتباه إلى الخزان الشعبي في الريف السوري كقوة بشرية عجينيّة يمكن توجيه مساراتها بطريقة أسهل من التأثير في جمهور المدن المستقرة، وضرورة تسخير تلك القوة الريفية كقوة معادلة للمدينة في مجال الحسابات المستقبلية، والتركيز على مبدأ الولاء والانتساب إلى حزب البعث بصفته إعلان موافقة على حافظ الأسد بعد إقصاء التيارات الأخرى من هذا الحزب، وإعلان مبدأ تسريع الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء ومدارس شرط الولاء المطلق لـ "قائد المسيرة" الذي سخّر المساعدات الخارجية لتوطيد أركان حكمه، ومحاولة تحويل الإعلام المحلي إلى حالة جماهيرية ومصدر للمعلومة في ضوء منافسة كل من إذاعة "مونت كارلو وبي بي سي".

هذه المرحلة  كان فيها فؤاد بلاط على رأس المؤسسة الإعلامية إذاعياً وتلفزيونياً، حيث تعانقت طموحات الرجل القيادية عبر أحمد إسكندر أحمد، مع التحولات الاجتماعية والفكرية التي طرحها حافظ الأسد، هذا التقاطع الإعلامي الثنائي بين أحمد وبلاط  شكل وجهاً من وجوه تقاطعات الإعلامي والقيادي، هذا يريد أن يكون منفذاً لسياسته، وذاك يريد أن يحميه ويقدم له الدعم والمساهمة في صناعة القرار السياسي.

أجاد فؤاد بلاط استثمار تلك المرحلة وطنياً، كما كان يقول لمحاوريه، مستفيداً من ثقة الوزير به، وطموحات حافظ الأسد وتوقعاته من الإعلام، حيث أسهم في إحداث نقلة تخدم الإعلام السوري والتحول إلى مرحلة البث الطويل تلفزيونياً (نحو 12 ساعة يومياً)، وكذلك الانتقال إلى مرحلة البث الملون، وابتعاث عدد من الفنيين وسواهم ليدرسوا فنّ صناعة التلفزيون في دول لديها صناعة تلفزيونية، ولكي يديروا برامج التلفزيون فنياً لاحقاً، أو يقدموا إسهامات فنية ملفتة مثل تجربة هيثم حقي،  وكذلك وضع أسس إنشاء القناة الثانية في التلفزيون السوري، التي أراد منها أن تكون وجهاً ثقافياً وموسيقياً محلياً، وقد سبق ذلك إنشاء إذاعة صوت الشعب عام 1978 لتكون أقرب إلى المواطن السوري وتدخل في تفاصيل يومياته، والتخطيط لإحداث مراكز إذاعية وتلفزيونية في المحافظات السورية، إضافة إلى البث المباشر لمباريات كرة القدم.

 سميت هذه المرحلة وفقاً للعاملين في الإذاعة والتلفزيون، مرحلة العمل مع الأستاذ، وصار الحديث عن فؤاد بلاط حديثاً عن حالة رمزية في الإعلام السوري حيث تسرد عن تجربته سرديات كثيرة، من مثل حديثه أمام لجنة في مجلس الشعب السوري سأله أحد أعضائها: لم لا يصبح تلفزيوننا مثل ال "بي بي سي"؟، فردّ عليهم: حين تصبحون مثل مجلس اللوردات البريطاني نصبح "بي بي سي"، ظهرت صفات شخصية فؤاد بلاط بكونه ذكياً لماحاً، حكاءً، جامع أخبار، مصغياً، متابعاً، متحمساً للموهوبين ومدافعاً عنهم، وفي الوقت نفسه "محميّ الظهر" من الوزير، الذي بقي  فؤاد بلاط يشاطره الوفاء بعد رحيله بربع قرن، مما دفعه للمطالبة بإلغاء وزارة الإعلام لأنه لم يعد لدينا "أحمد إسكندر أحمد" آخر!

من المؤكد بحسب كثيرين عايشوه آنئذ من مثل هيثم حقي، أن فؤاد بلاط كان عارفاً أين يبدأ تشجيعه للأصوات الإعلامية المعارضة العاملة في التلفزيون،  وكيف كان يستثمر أعلى مساحات التحرك للمبدعين، دون أن يمسّ خطوط السلطة الحمراء، بحيث يبقى أولئك المبدعون في دائرة الأمان الوظيفي والحياتي.

كان فؤاد بلاط قد أدرك أن كثيرا من خريجي الاتحاد السوفييتي كانوا ممتلئين بالإيديولوجيا أكثر من مهاراتهم الفنية، فاحتجّ على أنهم لم ينجزوا فيلماً لمواجهة الظلاميين (الإخوان المسلمين) كما وصفهم، لأن أولئك المخرجين يهابون سلطة النظام، ويخافون المجتمع المتخلف، مع أن من مهامهم تطوير العقل الاجتماعي مما سينعكس على عقل السلطة في مقاربتها للمسألة النهضوية كما قال في حوار صحفي نشر في جريدة القدس العربي بمناسبة مرور نصف قرن على بدء بث التلفزيون السوري.

شكلت علاقة فؤاد بلاط بأحمد إسكندر أحمد مفصلاً لم يستطع أن ينساه على مدار سنوات عمره، وربما هذا الذي جعل صورة كبيرة للوزير تتصدّر غرفة الضيوف في منزل فؤاد بلاط بحيّ البرامكة، وحين تسأله في منتصف التسعينيات، بعد مرور أكثر من عقد على رحيل ذاك الوزير بسبب مرض السرطان: لِمَ لا تضع صورة حافظ الأسد مثلاً؟ ولمَ تضع صورة وزير متوفى في بيتك؟ يجيبك: لا أضع الصورة بصفته وزيراً بل بصفته صديقاً شخصياً، بصفته سورياً أصيلاً، وفقاً لبلاط،  لعلي أعطي بذلك مثلاً عن الوفاء، وقد اجتمعت به صفات الإعلامي والمهني والإداري، يسترسل فؤاد بلاط بالحديث عن ذاك الوزير الثلاثيني بثقة شديدة، ذلك الذي  أطلقت في عهده أبرز صفات التقديس لحافظ الأسد، بحيث عدّته الكاتبة الأميركية "ليزا وادين" في كتابها السيطرة الغامضة أحد أسس ترسيخ حافظ الأسد، ووضعته من حيث الأثر بجانب كل من: رفعت الأسد وحزب البعث..

وما إن أطلّ أحمد إسكندر أحمد  من بوابة الوزارة حتى وجد في فؤاد بلاط وجهاً من الوجوه التي يحتاجها في فترة توزيره، فكان أن رقي فؤاد بلاط دون خلفية أمنية آنئذ، أو برجوازية أو سواها (مستلزمات الوصول آنئذ) إلى منصب يعدّ من مناصب الرئاسة السورية، وهو منصب المدير العام للإذاعة والتلفزيون، وقد عدّ أحمد إسكندر أحمد من جهته فؤاد بلاط رجل ثقة وذكاء وعمق، والأهم أنه مخلص ووفي ومنفذ جيد للسياسات الإعلامية.

ترسخت شهرة أحمد إسكندر أحمد  لكونه أول وزير إعلام فهم نفسية حافظ الأسد وطموحاته بعمق، وأسهم في تحويل المؤسسات الإعلامية السورية إلى جزء مهم في ترسيخ سلطة الفرد وعبادته في سوريا، إضافة إلى كونه قد رافق حافظ الأسد وزيراً للإعلام في أعتى مراحل تحولاته وانتقاله من الحلم برئاسة سوريا  إلى الحلم بأن يكون القائد الأوحد، الذي لا ينتهي حكمه، القائد الأبدي (مرحلة صراعه مع الإخوان ومع رفعت). قرأ الوزيرُ مبكراً أحلام حافظ الأسد، فلبّاها، مدفوعاً بهويته الفرعية وخوفها العميق، وفي الوقت نفسه اقتناعاً منه أن "قائد المسيرة" كما سماه لا يُمكنك من أن تبقى ضمن جنوده المقربين، دون أن تداعب طموحه في اللامحدودية والأبدية!

أحمد إسكندر أحمد، كان يرى أن "الإعلام السوري كلّه مثل فرقة سيمفونية يقودها مايسترو هو وزير الإعلام، وكل عازفيها ينظرون إلى العصا التي يحملها ويعزفون حسب حركتها”. هو في الوقت نفسه والد "لمى إسكندر أحمد" التي تركت العمل مع النظام وفضّلت الانتقال إلى صف المعارضة، في السنوات الأولى لثورة عام 2011، التي قالت ولدتُ وفوق رأسي صورة حافظ الأسد، يا لها من ولادة بائسة!

 ذاك الوزير المتوفى هو ذاته شقيق توفيق إسكندر أحمد، الممثل الهزيل وعضو مجلس الشعب الذي حمل السلاح وقتل سوريين اختلف معهم بالرأي والرؤية، تلك خلطات  سورية خاصة، برزت بعد ثورة عام 2011 بعد أن تم الإيحاء لفترة طويلة بأن السوريين نسيج واحد، لون واحد طعم واحد، نكهة واحدة!