أين سترسو سفينة المجانين؟

2022.07.06 | 13:09 دمشق

لاجئون
+A
حجم الخط
-A

السوريون مجانين، ليست مداعبة لفظية بل هم مجانين حقا، ليس لأنهم ثاروا على نظام الأسد فقط بل لأنهم وثقوا بـ"المجتمع الدولي" الذي رأى الثورة السورية خروجا على"التراث العالمي"، فالرأسمالية والنيوليبرالية لا تعترفان بالثورات التي "كانت" من اختصاص اليسار وضمن مصطلحاته وأدبياته الفكرية، وهاهم السوريون اليوم مرعوبون ومطاردون وهاربون من مؤسسات الحجز في عدد من دول العالم.

في العصور الوسطى تعاملت السلطات مع الخارجين عن قيم المجتمع والمعارف السائدة باعتبارهم مجانين، وأرسلتهم بعيدا عن المجتمع إلى مؤسسة الحجز. ومؤسسة الحجز أو المستشفى العام هي مؤسسة ظهرت عام 1661 في فرنسا لعزل المرضى بالجذام وغيرها من الأمراض المعدية، ثم تحولت إلى سجن و إصلاحية ومارستانا لتصبح لاحقا "أداة قمع" تقوم بكل شيء عدا العلاج، واستخدمها النظام لمحاربة العطالة والتسكع والتشرد، لكنها ما لبثت أن ابتلعت من يعيشون على هامش الحياة وهامش مصلحة الدولة والمجتمع كما تراها السلطة، أيضا ابتعلت مؤسسة الحجز من حطم أوثان النظام السياسي والعائلي، وكان للفنانين والأدباء والفلاسفة والمجرمين وكل من يخرج عن طاعة النموذج الذي صاغته قوى اجتماعية وفرضته سلوكا كونيا "لا يأتيه الباطل" سريرا للنوم.

يقول ميشيل فوكو في كتابه (تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي): "لقد سلم المجنون المحتجز داخل مركب لا يستطيع فكاكا منه أمره للنهر ذي الأذرع الكثيرة وإلى الماء ذي السبل المتعددة، إنه يسلم نفسه إلى عالم اللايقين الرهيب الموجود خارج كل شيء إنه مسجون ضمن السبل الأكثر حرية والأكثر انفتاحا: إنه موثق بشدة إلى الملتقيات اللانهائية إنه بؤرة المرور بامتياز، أي أسير العبور، والأرض التي سيحط فيها تجهل عنه كل شيء تماما كما لا تعرف اليابسة التي تطؤها أرجله من أي أرض هو آت فلا حقيقة له ولا وطن إلا في ذلك الامتداد الخصيب بين البراري التي لا يمكنه الانتماء إليها.. ها هم المجانين وقد تحولوا إلى كائنات تطاردهم لعنة اللاعقل يرحلون إلى اللاشيء على ظهر سفينة أصبحت غريبة عن الأرض التي جاءت منها ولا تعرف أي شيء عن المرافئ التي تسير نحوها"، وهكذا فعل السوريون وركبوا سفينتهم، ليبدأ النظام العالمي أخيرا ترحيلهم وطردهم خارج أطره الحضارية وكأنهم زائدون عليه.

هذه الأيام تسقط مقولة "الغرب الحضاري" ومقولات أبناء الدين الواحد والأمة الواحدة بسبب التمترس وراء "الحمائية الوطنية" التي لم تكن متخلية

هذه الأيام تسقط مقولة "الغرب الحضاري" ومقولات أبناء الدين الواحد والأمة الواحدة بسبب التمترس وراء "الحمائية الوطنية" التي لم تكن متخلية على غرار  تلك المقولات، يقول البنك الدولي إن وقف الدول تصدير بعض السلع الغذائية وعلى رأسها القمح يدل على سقوط فكرة القرية الكونية التي قامت على أساسها العولمة، لكنه يغفل أن العنصرية ضد اللاجئين عموما والسوريين خصوصا وأصحاب البشرة الملونة وسياسات الهوية دليل على سقوط عولمي وإنساني أيضا.

بريطانيا التي تعود رويدا إلى "التاتشرية" تحاول جاهدة ترحيل اللاجئين من أراضيها إلى رواندا، الدولة التي شهدت في تموز 1994 واحدة من أكبر مجازر الإبادة الجماعية في التاريخ، قتل فيها قرابة مليون شخص، ورغم التحذيرات الأممية تصف بعض وسائل الإعلام البريطانية رواندا بأنه بلد أنيق ومرتب.  

يعامل رواد النكوصية في التاريخ ومنهم اليمين المتطرف والحمائيون، السوريين كمجانين ومرضى وتحاكمهم العنصرية أخلاقيا، دون أن يدركوا وربما عن قصد أن الجنون "كان مرتبطا بكل التجارب الكبرى التي عرفها عصر النهضة".

العزل والإقصاء الذي يتعرض له السوريون، يشبه الإقصاء الذي تجلى في أدبيات غربية تحدثت عن مجانين عصر النهضة مثل "سفن الحمقى"، وهي سفن جانحة تنساب في البحار والأنهر وتحمل على سطحها أناسا عاقلين، لكنهم يعيشون حياة التيه بعد أن طردتهم المدن من شوارعها وبيوتها. ما يزال السوريون في السفينة وما تزال السفينة جانحة في عرض البحر، أما العالم فهو أمام مجاعة.