أخلاق "الممانعة" والتدخل الخارجي

تاريخ النشر: 15.04.2018 | 10:04 دمشق

آخر تحديث: 28.01.2020 | 18:10 دمشق

في ربيع العام 2005، وإبان القرار الأممي 1559 الذي يدعو الجيش السوري للانسحاب الفوري من لبنان، أعلن سجين سياسي في معتقلات النظام السوري إضراباً عن الطعام، احتجاجاً على التهديدات الأميركية لنظام بشار الأسد. فهذا السجين السياسي، اليساري والعروبي، الموسوم بالتعذيب والاضطهاد والإذلال، هو أيضاً مسكون بالعداء لـ"الإمبريالية والصهيونية والغرب الاستعماري"، وفق الرطانة السائدة. هوسه المبدئي بالعداء لأميركا جعله هكذا متضامناً مع جلاده. 

تكشف هذه الواقعة عن عقلية سياسية يسارية وعروبية "ممانعة"، تشتغل وفق عقيدة تقول إن مقارعة الغرب الرأسمالي وإسرائيل أولوية مطلقة. وفي سبيل تلك العقيدة، ليس على الشعب اللبناني أن يخرج منتفضاً ضد الاغتيالات السياسية والاحتلال المخابراتي السوري، مطالباً بحريته وسيادته على نفسه. وشعب يصرخ رافضاً تقويض سلمه الأهلي وما تبقى له من حريات سياسية وحقوق دستورية، لهو شعب ضال ومنساق للدعاية الصهيو- أميركية التي تستهدف سوريا الأسد "قلب العروبة النابض".

العقيدة ذاتها تقول إن بوسع صدام حسين أن ينكّل بملايين العراقيين وأن يغزو الكويت غدراً ويحرق آبار النفط ويسحق الانتفاضات الشعبية ويحول الصحراء إلى مقابر جماعية.. طالما أنه "ممانع" ومعاد لأميركا وإسرائيل، ولا يجوز للكويتيين ولا العراقيين الاستنجاد بالتدخل الخارجي لإنقاذهم، فالخارج دوماً وأبداً متآمر وعدو. في هذه الحال، طلب النجدة والاستغاثة "خيانة قومية".

وعلى هذا المبدأ، يكون لمعمر القذافي الحق بقتل الليبيين ومعسهم بالدبابات وقصفهم بالطائرات، وإغراق ليبيا بحمام دم. وفي المقابل، واجب الليبيين الرضوخ للموت ولا "مذلة" طلب التدخل الخارجي. ففي نهاية المطاف، يبقى معمر القذافي "أيقونة" النضال الثوري الأممي ضد الإمبريالية، و"المجاهد" العنيد ضد إسرائيل. أن تكون ليبيا بلداً لا يُطاق العيش فيه، أن يحكمه الرعب والخواء فهذا "تفصيل" لا قيمة له أمام المهام القومية العظيمة بوجه الاستعمار ومؤامراته. 

تقول "الممانعة" اليوم إن نظام بشار الأسد هو ضرورة استراتيجية لـ"محور المقاومة". وبالتالي، أن يرتكب الإبادة ويحرق سوريا كلها ويقوض عمرانها، فهذا ما

"يطلب "الممانعون" من السوريين الاقتناع أن العيش في الخوف والصمت والمذلة، والسكوت على الظلم والبطش والنهب، والخضوع للقهر والاستبداد، هو كله ثمن زهيد من أجل الصمود والتصدي للمؤامرات الصهيونية والرأسمالية"

لا يُحسب ولا يوزن في ميزان الأهداف الكبرى والسامية المتمثلة بشق الطريق نحو القدس. وعلى الشعب السوري أن يقنع نفسه بأن الموت بالبراميل المتفجرة وبالغازات السامة لهو مصير أسمى من طلب العون الخارجي. فكل تدخل لوقف المجزرة "جريمة"، وكل محاولة للنجاة من الأهوال والفظائع "خيانة".

عروبيو "الممانعة" ويساريوها، على شاكلة ذاك السجين السياسي، لا يرون أي فارق بين النظام والدولة، أو بين الوطن والحاكم. يؤمنون أن سوريا هي الأسد، والأسد هو سوريا. صدام حسين هو العراق، ولا عراق من دونه. الأمر ذاته في ليبيا القذافي. أي مهانة يتعرض لها "الرئيس" هي مهانة للأمة كلها، حتى ولو كان الرئيس لا فعل له سوى إذلال شعبه. أي صفعة يتلقاها جيشه هي صفعة للأمة كلها، حتى ولو كان الجيش لا عمل له سوى قتل مواطنيه بالذات.

هي فكرة "الوطن – الشخص". الديكتاتور أو الطاغية هو تجسيد للأمة وروحها، هو إرادتها ماضياً ومستقبلاً. المواطنون ليسوا سوى رعايا لا أفق لهم إلا أن يكونوا أضاحي على مذبح "الضرورة الاستراتيجية لمحور المقاومة".

في نظر "الممانعة"، اقترف السوريون خطيئة كبرى حين فصلوا بين مصيرهم ومصير النظام. حين رأوا سوريا وتخيلوها وطناً لهم وليست للأسد. وهم اليوم يرتكبون خطيئة أفدح حين يطلبون أي عون خارجي كي يحصلوا على هواء بلا سارين وكلور.

يطلب "الممانعون" من السوريين الاقتناع أن العيش في الخوف والصمت والمذلة، والسكوت على الظلم والبطش والنهب، والخضوع للقهر والاستبداد، هو كله ثمن زهيد من أجل الصمود والتصدي للمؤامرات الصهيونية والرأسمالية المتوحشة والاستعمار الغربي. أن يعتقلك تعسفاً ويدمر حياتك ويقتل عائلتك ويشرد ملايين مواطنيك نظام يرفع شعار تحرير فلسطين لهو نظام يستحق الولاء والإخلاص. وفي سبيل ذلك، لا غضاضة أن يختنق أطفالك بالغاز السام. ففي نهاية المطاف، هذه تضحية زهيدة لتحقيق وعد بشار الجعفري أن ما بعد تدمير الغوطة على رؤوس ساكنيها هو تحرير الجولان. أما أن يصرخ الضحايا على نحو يائس لأي تدخل خارجي ينقذهم من الجحيم، فهذا "تمثيل" و"مسرحية مكشوفة" من صنع العملاء والخونة والإرهابيين.

أن يطلب بشار الأسد من الميليشيات الإيرانية والعراقية واللبنانية بل وحتى الأفغانية، أن تأتي لنجدته لا لصد عدوان إسرائيلي ولا لغزو أميركي بل لمحاربة الشعب السوري نفسه، فهذا بعين "الممانعة" ليس تدخلاً خارجياً. وأن تأتي الأساطيل الروسية وجيوشها وطائراتها لمنع سقوط النظام فهذا بعين اليسار والعروبة ليس احتلالاً.

يستأنس خطاب الممانعة إلى تلك الحجة التي تقول ساخرة إن "التدخل الخارجي (الغربي) ليس من أجل إنقاذ السوريين"، وأن الغرب بهذا المعنى "يحمل نوايا خبيثة، ويحاول استغلال مآسي الشعوب". وعلى الرغم من وجاهة الظن السيئ بالغرب واستنسابيته في الدفاع عن القيم الإنسانية، فإن الحقارة الأخلاقية في هذه الحجة أن أصحابها يرون النوايا الخبيثة أو الاستغلال أو المصالح الضيقة أو الاستنسابية.. ويتعامون تماماً عن الجرائم والمآسي والقيم الإنسانية. بهذا المعنى تتأفف "الممانعة" مثلاً من نشر صور المجزرة وتصمت تماماً عن واقعة المجزرة.

منذ العام 2012، وبعدما قرر النظام نهائياً "الأسد أو نحرق البلد"، تخطى السوريون سجال "التدخل الخارجي"، وانحازوا إلى فكرة أصيلة واحدة: النظام السوري وحده هو الاحتلال البغيض.