غزة في رواية لأوسكار وايلد

2023.12.31 | 05:57 دمشق

آخر تحديث: 31.12.2023 | 05:57 دمشق

غزة في رواية لأوسكار وايلد
+A
حجم الخط
-A

اخترع الإنسان جهازًا لكشف الكذب من غير جزم به، فهو جهاز يحتاج إلى محللي مخططات طبية ونفسية، وكتبت عنه مسرحيات كوميدية. أما القيافون وأصحاب الفراسة، فيعرفون الكذب من كلمات العيون وفصاحة حروفها.

وردت فكرة ميزان ريختر للأخلاق -قبل جهاز كشف الكذب- في رواية شهيرة ومركزية في الأدب الغربي للكاتب الإيرلندي أوسكار وايلد، نشرها عام 1890، وعنوانها "صورة دوريان غرَي"، الصورة هي ميزان الخلق والحمد. الصورة في الرواية مرآة تعكس تحولات بطل الرواية خيرًا أو شرًا، حمدًا أو ذمًا، تدور أحداث الرواية في أواخر القرن التاسع عشر، دوريان غرَي شاب قسيم أوتي حظًا من الحسن ونصيبًا وافرًا من الجمال. يتعرف الرسام الشهير«بازل» فيعجب به، ويرسم له لوحة عظيمة، اللوحة في الأدب الغربي تعادل شعر المديح في الأدب العربي، رسمه الرسام في أحسن تقويم فكأنما مدحه بأعظم قصيدة.

قصة أوسكار وايلد مقتبسة من قصة الخلق آدم وحواء وثالثهما إبليس، ثم من أساطير إغريقية نسجت حول قصة الخلق الأصلية قصصًا، وأضافت وحذفت وزخرفت وطرّزت. قصة "فاوست" لغوته، قصة مشابهة، وهي حكاية ازدواجية النفس البشرية التي تحولت في القصة من ازدواجية اختيار النفس للخير والشر إلى ازدواجية كاملة وفصام تام في الشخصية.

كشف النقاد ضعفًا في حبكة الرواية، وشتاتًا في حواراتها الفلسفية، ووَهَنًا في استحسان رموزها، لكنها رائدة ومبكرة في الأدب الإنكليزي ومكتوبة بالرموز وموكلة إلى التأويل

يرسم الرسام بازل للشاب دوريان لوحة خالدة مثل آلة البوصلة الأخلاقية ويهديها له، لكن هنري الذي يعادل الشيطان في الرواية، يوسوس له أنَّ الحياة لا معنى لها من غير خطايا، وأنَّ المتعة تجدّد الشباب، فيتمنى أن يظل شابًا أبدًا على أن تكتمل صورته وتشيخ بدلًا منه إن حاد عن الصواب وضلَّ، فيحصل على مراده، ثم إنه يرتكب جرائم ويقترف شرورًا!، ويتقدم في العمر من غير شيخوخة حسب الاتفاق غير المكتوب، يخطر له أن ينظر إلى صورته التي رسمها له بازل بعد مدة، كي يقيس نضارته وشبابه، فيجد صورته مشوهة، شديدة القبح. فيعلم أنه ارتكب آثامًا كثيرة، رصيد الحسنات والسيئات يظهر على اللوحة والرسم، أما الجسد البشرية وصورته الآدمية، فبقيت خالدة جميلة.

كشف النقاد ضعفًا في حبكة الرواية، وشتاتًا في حواراتها الفلسفية، ووَهَنًا في استحسان رموزها، لكنها رائدة ومبكرة في الأدب الإنكليزي ومكتوبة بالرموز وموكلة إلى التأويل، أخذ عنها نحو 14 فلمًا سينمائيًا، ولها اقتباسات أتم، أو نظائر أكمل في الأدب الغربي، مثل رواية روبرت لويس ستيفنسون "الدكتور جيكل والمستر هايد"، حتى إننا نجد مظاهرها السياسية والنفسية في أشيع تبريرات جرائم الأفراد التي يرتكبونها ضد الوافدين والمهاجرين، بقول الحكومات الغربية عقب كل جريمة يرتكبها أبيض: ارتكبها مختل نفسيًا، أما الجرائم التي يرتكبها الوافدون، فهي جرائم إرهاب أو مشبوهة بشبهة بالإرهاب حتى لو كانت حوادث سير!

يكاد يجمع المراقبون، عربًا وغير عرب أنّ غزة تحولت إلى مرآة أظهرت صورة الغربي القبيح، وفضحت عطلًا في ميزانه الأخلاقي، واختلالًا في مكياله القضائي، تؤكدها مظاهرات أميركية وأوروبية ويابانية مساندة للشعب الفلسطيني، بعد رؤية مئات الصور المسربة عبر وسائل التواصل من غزة، فقد أعيت أعذار الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل العقل الغربي، وهو يرى مذابح الأطفال وهدم المنازل والمشافي والمساجد والكنائس ومنظمات الأمم المتحدة.

جهدت إسرائيل في تلفيق قصص حول إرهاب الفلسطينيين يوم السابع من أكتوبر، فاتهمت المهاجمين باغتصاب النساء وحرق الأطفال، لكنَّ كذبتهم لم تنطلِ وتدم طويلًا، بل إنَّ صحفًا أوروبية مثل ليبراسيون وواشنطن بوست أجرت تحقيقات ودحضت كذبة اتخاذ المقاومة لمشفى الشفاء مركزًا للمقاومة والإرهاب حسب ادّعاء إسرائيل.

كان الغرب قد حرص طويلًا على صورته وصورة مندوبته إسرائيل إلى الشرق الأوسط، لكنه لم يستطع إخفاء جرائمه الفظيعة في غزة

يحاول الغرب جاهدًا الحفاظ على صورته الديمقراطية وصورة وليدته إسرائيل "الضحية المظلومة" والدولة الرائدة والفاضلة في الشرق الأوسط، شعوبه متهمة بالتخلف وزعماؤه موصومون بالدكتاتورية، وكان الغرب قد حرص طويلًا على صورته وصورة مندوبته إسرائيل إلى الشرق الأوسط، لكنه لم يستطع إخفاء جرائمه الفظيعة في غزة، خاصة أنَّ أكثر الضحايا هم من الأطفال، ومعلوم أن صورة الطفل تخاطب كل قلب، وقد عجزت إسرائيل عن تقديم صورة فاضلة، فكل ما تفعله هو القتل الصافي، حتى إنها قتلت نحو 92 صحافيًا، ودمرت مؤسسات الأمم المتحدة وقتلت موظفيها، بل إنّ بايدن نفسه اعترف بعدد الضحايا الكبير بعد محاولات الإقلال من عددهم، لكنه عزا كثرة الضحايا إلى حماس، فهي السبب في قتلهم عنده.

الصور تشوهت وقبحت كثيرًا، فقد رفعت الولايات المتحدة الأميركية حق النقض عدة مرات، حارمةً غزة من الطعام والغذاء والدواء، ولم يقف معها سوى عشرة دول معظمها دول صغيرة ومجهولة غير ذات وزن أو مساحة أو سكان. ورأى الأميركيون تحقيقات مهينة لرئيسات ثلاث جامعات أميركية هي هارفارد وبنسلفانيا وماساشوستس لتسامحهن مع المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين، وقد تأكد كثير من النخبة الأميركية ونصف الشعب الأميركي على الأقل أنّ صورة أميركا وصورة الغرب قد تشوهت، ليس أمام العالم، وإنما أمام شعوبها التي تجد نفسها ممنوعة من الحديث في الشأن الفلسطيني، أما صورة الفلسطيني التي رسمت مشوهة، فتتحسن في عواصم الأرض.

بازل في الرواية هو الإعلام الغربي خلال قرن كامل.