icon
التغطية الحية

"سوتشي".. قمة إستراتيجية لإعادة ضبط مسار التعاون بين تركيا وروسيا

2021.09.30 | 11:20 دمشق

0dc66d9a-244f-41d5-b358-2dd533f0aba4.jpg
أنطاكيا - فراس فحام
+A
حجم الخط
-A

انتهت القمة التي جمعت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في مدينة "سوتشي"، وقد استغرق اللقاء ثلاث ساعات إلا ربعاً، بعيداً عن وسائل الإعلام، وبحضور فريق الترجمة فقط.

لم يعقد الجانبان مؤتمراً صحفياً في ختام اللقاء، لكن تصريحاً واحداً لبوتين برز إلى وسائل الإعلام ليوضح الكثير مما جرى خلف الأبواب المغلقة، حيث قال الرئيس الروسي: "المحادثات بيننا تواجه صعوبات أحياناً، لكنها تفضي إلى نتائج نهائية وإيجابية، وتعلمت مؤسساتنا المختصة إيجاد حلول وسط تصب في مصلحة كلا الجانبين".

تصريحات بوتين تشير إلى أن القمة مهدت الطريق أمام الوفود التقنية من الجانبين لبحث التفاصيل التنفيذية، خاصة في سوريا، وهذا يعني أن اللقاء الرئاسي كان بمثابة "حوار إستراتيجي" على مستوى رفيع، لمناقشة مستقبل العلاقة بين البلدين.

وسبق انعقاد القمة أجواء من تراجع الثقة بشكل حاد بين أنقرة وموسكو، وليس من المبالغة القول إن الثقة انخفضت لأدنى مستوى لها منذ انطلاق مسار التعاون الثنائي بينهما في نهايات 2016، عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا، وانطلاق مسار "أستانا" في سوريا.

جسد التصعيد الروسي في إدلب غضب موسكو من سياسات أنقرة في ملفات مؤثرة بالنسبة لروسيا، وهو مرتبط بتطورات تتعلق بالملف السوري وملفات أخرى، حيث أرادت روسيا أن تلوح برغبتها بتجاوز مصالح أنقرة في الملف السوري الحساس بالنسبة للأتراك، تعبيراً عن القلق الروسي من تغيرات ترصدها في السياسة التركية.

هذه التغيرات والمخاوف المتبادلة بين تركيا وروسيا على الأرجح، هي التي كانت محور البحث في قمة "سوتشي"، والتي يمكن وصفها بأنها محاولة لإعادة ضبط مسار التعاون بين الجانبين.

تنامي النفوذ التركي في آسيا الوسطى

ازداد النفوذ التركي في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز، منذ أن وقفت أنقرة بشكل صريح إلى جانب أذربيجان في عملياتها العسكرية ضد أرمينيا في إقليم "قره باغ"، في ظل نشاط اقتصادي وثقافي وديني مكثف من "المجلس التركي" الذي يضم الدول الناطقة باللغة التركية في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز.

هذه التطورات أثارت مخاوف موسكو، إذ إن تعاظم النفوذ التركي في المنطقة يهدد ببسط الهيمنة على خطوط الغاز والطاقة، وبالتالي تحول أنقرة تدريجياً إلى منافس حقيقي بالنسبة لموسكو على توريد الغاز إلى دول الاتحاد الأوروبي، حيث إن تركيا لا تخفي نيتها بالتحول إلى منصة لتسييل الغاز وتوريده إلى مختلف الدول.

كذلك التنقيب الذي تقوم به تركيا في منطقتي حوض البحر المتوسط والبحر الأسود على الطاقة، يزيد من المخاوف الروسية، ويؤكد باستمرار أن تركيا قد تتحول مع الزمن إلى منافس شرس لروسيا على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

وتطمح تركيا إلى ضم تركمانستان إلى "المجلس التركي"، ليرتفع بذلك عدد دول المنظمة إلى ستة، وهم: تركيا – قرغيزيا – أوزبكستان – أذربيجان – كازاخستان - تركمانستان، وهي دول كلها تقع فيما يسمى "دول الطوق" المحيطة بروسيا، وتتقاطع مع تركيا بالقومية والدين.

وتسعى تركيا في الآونة الأخيرة لتعزيز علاقتها بحركة "طالبان"، وتوسيع دورها في أفغانستان بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة لروسيا.

الملف الليبي

خلال الأشهر الماضية باتت تركيا تركز بشكل أكبر على التنسيق مع الجانب المصري في الملف الليبي، إذ يتقاطع الطرفان في الخوف من تنامي النفوذ الروسي في ليبيا ومنطقة حوض البحر المتوسط، على اعتبار أن الدول الثلاثة تتنافس على سوق الطاقة الأوروبية.

ومنذ أن انخرطت تركيا في مسار تطبيع العلاقات مع مصر في حزيران/ يونيو من عام 2021، ركزت أنقرة والقاهرة على مسألة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية في ليبيا وفق رؤيتهما، وعن طريق التقارب بين غرب وشرق ليبيا، وهذا ما يشكل ازعاجاً بالنسبة لموسكو التي تنظر إلى المؤسسة العسكرية الليبية على أنها شريك إستراتيجي منذ حقبة "معمر القذافي"، وتعتبرها أداة مهمة لترسيخ نفوذها في منطقة البحر المتوسط على غرار ما فعلته في سوريا.

العلاقة مع حلف شمال الأطلسي

حاولت روسيا من خلال مسار التعاون المشترك مع تركيا خاصة في الملف السوري أن تجذب أنقرة بعيداً عن حلف شمال الأطلسي، مستغلة حالة التوتر التي سادت العلاقات التركية – الأميركية في حقبة "أوباما"، والتي لا تزال حتى اليوم تعاني من صعوبات واضحة، بالإضافة إلى الخلافات المستمرة مع دول بارزة في الحلف مثل فرنسا واليونان.

لكن تركيا وبحثاً عن تعزيز مواقعها في البحر المتوسط، وتدعيم أوراقها بمواجهة روسيا في ملفات مختلفة مثل سوريا وليبيا، عمدت في الآونة الأخيرة إلى تعزيز دورها في حلف شمال الأطلسي وليس العكس، وبرز هذا التوجه في تطورات عديدة، أهمها توقيع صفقة طائرات مسيرة مع بولندا، والمشاركة في دوريات الحلف الجوية على الحدود البولندية - الروسية، بالإضافة إلى تهدئة التوتر مع اليونان، الناجم عن الخلافات حول ترسيم الحدود البحرية، مع خفض التصعيد السائد في العلاقات التركية – الفرنسية.

كل هذا أعطى مؤشرات لروسيا أن تركيا ترغب بالاستفادة من علاقاتها مع موسكو بالمناورة لتعزيز موقعها في حلف شمال الأطلسي وليس الخروج التدريجي منه، كما يطمح الروس.

التنافس على التركة الأميركية في المنطقة

مع الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وإبداء تركيا استعدادها لتشغيل مطار "كابول" بالتنسيق مع واشنطن، برزت إلى الواجهة مجدداً نوايا تركيا المتعلقة بوراثة التركة الأميركية بالمنطقة، مع إعطاء تطمينات للأخيرة حول ضمان مصالحها المتمثلة بمجابهة النفوذ الروسي، وعدم القبول بالمزيد من التمدد الإيراني.

هذا التنافس بين تركيا وروسيا على التركة الأميركية في المنطقة، سبق أن ظهر في نهاية 2019، في أعقاب الانسحاب الأميركي من بعض المواقع شمال شرقي سوريا، وإطلاق أنقرة عملية "نبع السلام" بشكل منسق مع واشنطن، وتعزيز نفوذها في بقعة جغرافية مؤثرة جداً في المشهد السوري، حيث ردت روسيا على تركيا بتفاهمات مع "قسد" أتاحت لموسكو إنشاء قواعد عسكرية، ما استدعى عقد جولة جديدة من  قمم "سوتشي" الرئاسية، في تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

واليوم أعطت واشنطن عبر انسحابها من أفغانستان مؤشرات على إمكانية تكرار السيناريو في سوريا، وقد دخلت أنقرة في حوار معها على منطقة شمال شرقي سوريا، بل أكثر من ذلك، فيبدو أن الجانب التركي قد يرعى مع الجانب الأميركي خطة لإعادة تشكيل المشهد في شمال شرقي سوريا وشمال غربها، يتزامن ذلك مع تصريحات متكررة من "قسد" تبدي فيها استعدادها للحوار مع أنقرة.

بالمقابل فتحت روسيا خلال الأسابيع الماضية حواراً إستراتيجياً مع الولايات المتحدة، تركزت على كل من ليبيا وسوريا، وقد اتخذت موسكو منذ الـ 28 من أيلول /سبتمبر الجاري، بعض خطوات بناء الثقة في ليبيا عن طريق إعادة نشر مرتزقة "فاغنر" على الأراضي الليبية، وهذا يبدو أنه أثار مخاوف بالغة لدى أنقرة من احتمالية عقد تفاهمات أميركية – روسية في ليبيا وسوريا، دون الأخذ بعين الاعتبار المصالح التركية.

العلاقة الروسية مع قسد

قامت روسيا في شهر أيلول/ سبتمبر بالمزيد من الانفتاح على "قسد"، حيث استقبلت في منتصف هذا الشهر وفداً من مجلس سوريا الديمقراطية "مسد"، الذي يعتبر واجهة سياسية لـ "قسد"، وأبدت استعدادها لمناقشة شكل الحكم في سوريا، والموافقة على نوع من اللامركزية الإدارية وتخفيف صلاحيات الرئاسة بهدف مراعاة وضع "الإدارة الذاتية"، وتزامن هذا التطور السياسي مع إنشاء روسيا لقواعد عسكرية جديدة بريف الحسكة، وتعزيزات من القوات الروسية دخلت إلى منطقة "عين عيسى"، وتمركزت باللواء 93.

ترغب روسيا بإقناع "قسد" أنها قادرة على استيعاب مطالبها، وتقديم الحماية لها وعدم تركها لقمة سائغة أمام أنقرة، رغبة من موسكو بالتغلغل أكثر في شمال شرقي سوريا، وإقناع أميركا بالانسحاب من الأراضي السورية عن طريق تقديم ضمانات بحماية حلفائها من الأكراد، وأيضاً بهدف إمساك روسيا بزمام مختلف الملفات التي تتيح لها تشكيل الحل النهائي السوري وفق رؤيتها ومصالحها، لكن هذا التقارب بلا شك أثار حفيظة أنقرة، التي تنظر له على أنه محاولة روسيا لامتلاك ورقة تهديد ضد تركيا.

الموقف التركي من النظام السوري

واضح أن تركيا ترفض إعادة تعويم النظام السوري، وحتى هذه اللحظة لا تستجيب أنقرة للرغبة الروسية المتمثلة بتخفيف القيود الاقتصادية عن دمشق، من خلال تسهيل الحركة التجارية على الطريق الدولي حلب -اللاذقية M4، وفتح المعابر بين مناطق المعارضة السورية ومناطق النظام.

بل استبق أردوغان قمة "سوتشي" بالتأكيد في الـ 24 من أيلول/ سبتمبر الجاري على أن النظام السوري يشكل تهديداً لتركيا على حدودها الجنوبية.

تدرك أنقرة أن التماهي مع المطالب الروسية بما يتعلق ببث الروح مجدداً بالنظام السوري، يعني تقويض الدور التركي لاحقاً في شمال غربي سوريا، والتأكيد على عدم شرعيته كون النظام السوري سيتحول إلى "سلطة معترف بها دولياً"، وهو يرفض الوجود والدور التركي.

تاريخ التعاون الوثيق بين دمشق وحزب العمال الكردستاني الممتد منذ عام 1988، ومحاولات النظام المستمرة إثارة القلاقل الطائفية جنوبي تركيا، عن طريق احتضان ما يسمى "المقاومة السورية لتحرير لواء اسكندرون" بقيادة "معراج أورال" ، والعمل المستمر على تهييج الطائفة العلوية ضد الحكومة التركية ،كما حصل في استضافة بلدية "سامانداغ" في هاتاي لمطرب طائفي موالٍ للنظام السوري يدعى "علي الديك"، وتحريضه السياسي ضد حكومة العدالة والتنمية، كلها عوامل خطورة تمنع أنقرة من المشاركة في تعويم النظام السوري، بل تدفعها للإصرار على إحداث تغييرات في بينته، والعمل على صياغة مؤسسة عسكرية وأمنية جديدة، وإصرار تركيا على موقفها يعتبر عرقلة واضحة للمصالح الروسية، وينعكس سلباً على مسار العلاقة بين الجانبين.

لا تغيرات جذرية في مسار العلاقات التركية – الروسية

من غير المتوقع أن يكون هناك تغيرات جذرية في مسار العلاقات التركية – الروسية بعد قمة "سوتشي"، والتي كانت بمثابة تعبير عن رغبة الطرفين باستمرار التنسيق بحكم الضرورة، وعدم ترك هامش الخلافات يتسع كثيراً، لكن الواضح أيضاً أن الأطراف تبحث بشكل مستمر عن امتلاك أوراق ضغط على بعضها البعض لتحصيل أكبر قدر ممكن من المكاسب، وفي هذا السياق يأتي العقد الذي وقعته شركة "بيكار" التركية للصناعات الدفاعية مع وزارة الدفاع الأكرانية في التاسع والعشرين من الشهر الجاري، من أجل إنشاء مركز صيانة للطائرات المسيرة على الأراضي الأكرانية، في تدعيم واضح لموقف كييف في مواجهة موسكو، كرد على تطور العلاقات بين روسيا وقسد، والضغط الروسي المستمر على تركيا في إدلب.

من الواضح وجود رغبة للعمل المشترك بين روسيا وتركيا مستمرة بهدف الاحتواء وإدارة الخلافات، لكن يبدو أن محددات التعاون قد تغيرت كثيراً منذ نهاية 2016 حتى يومنا هذا، حيث يتحدث اليوم بوتين عن تفاهمات "حلول وسط"، بما يوحي بالاعتراف بضرورة التنازل لصالح الأتراك، على عكس الجنوح الروسي السابق إلى فرض الأمر الواقع، وهذا ناتج عن التقدم الذي أحرزته تركيا منذ عام 2019 في ملفات متعددة مثل ليبيا وأذربيجان، وتعاظم النفوذ في آسيا الوسطى، والواقع الميداني الذي تم فرضه من خلال الزج بقوة عسكرية كبيرة شمال غربي سوريا.