العلاقة الغريبة بين الأحزاب الكردية السورية والمراكز البحثية

2023.06.06 | 05:33 دمشق

العلاقة الغريبة بين الأحزاب الكردية السورية والمراكز البحثية
+A
حجم الخط
-A

لا توجهات للعقل السياسي الكردي صوب العمل البحثي في سوريا، أو استعداده للقطيعة مع الماضي من حيث طريقة العمل المعرفي والمضامين والظروف والمشكلات الذاتية والموضوعية التي كانت تعاني منه، وهي واحدة من أبرز المشكلات التي لا تزال تُحيط بالإعلام والأحزاب والحركة البحثية. وصحيح أن بواكير النشاط الإعلامي تعود للأحزاب الكردية، وهذه تُحسب لها، لكن ما يُحسب عليها هو عدم التجديد في الأدوات والوسائل وآليات العمل الصحفي والبحثي، لتجد نفسها خارج إطار الصحافة والإعلام وكلّ حقول النشر والمعرفة البحثية.

باحثون شباب خارج السرب الحزبي

ومع احتضان الجامعات في إقليم كردستان العراق، تركيا، أوروبا، أعداداً جيدة من طلبة العلم والدراسات العليا، شكلت المراكز البحثية السورية التي تأسست بعد عام /2011/ ملاذاً وملجأً لغالبية النُخب الشبابية الكردية، ممن يمتلكون الرغبة والإمكانات للعمل البحثي الجادّ والهادف. والواضح أن جميع الأوراق البحثية بمختلف مسمياتها وأجناسها، إنما نشرت خارج إطار الأحزاب الكردية، بل إنَّ مُعرّفات تلك الأحزاب لم تكن مستعدة لإعادة نشر تلك النتاجات، بحجة نشرها سابقاً، عدا أن آخر تحديث لتلك المعرفات رُبما يكون قبل أشهر. ثم يأتي من يقول لماذا ينشر الباحث الكردي خارج الأمكنة الخاصة بالكرد؟

ولم تتجاسر الحركة الكردية على نفسها لتتناقش مع الباحثين والكتّاب السوريين عامة والكرد خاصة، خارج سوريا وداخلها، ممن أخذوا خيار عدم السكوت عن كلّ الانتهاكات التي تحصل ضدها أو بحق المجتمع الكردي ومن مختلف الأطراف. أو توفير جوّ من التشجيع لمنحهم مجالات بحثية من دون قيود أو تدخلات وحثهم على متابعة المستجدات من الموضوعات والمناهج وطرائق تحليل السياق والبيانات والمقاربات، خاصة أن النُخب السياسية-الحزبية مشغولون بشؤون أحزابهم ومشكلاتها... إلخ. لكن المؤسف أن لا يجد الكتّاب والباحثين الكرد رابطة/مظلة جامعة في المجال البحثي، يستفيد منها الباحثون معرفياً، ومالياً، وأكاديمياً، والأكثر أهمية تشجيعهم على مزيد من العمل والبحث.

مجموعة وازنة من القضايا تحتاج لعمل بحثي

يفتقد الوسط السياسي والمعرفي الكردي جملة ضخمة من المشاريع البحثية ولا تهتم بها الأحزاب الكردية، مثل: -راهن المجتمع الكردي ومعاناته من السياسات المتبعة ضده، وأثر الهجرة عليه، والتحولات التي تعرض له، وتصوراته حول مستقبل الدولة السورية -قضايا العنف والإرهاب والعسكرة -مرحلة ما بعد النزاع، وكيفية إعادة هندسة المجتمع الكردي، والاستفادة من القوانين الدولية في ذلك -دور المرأة الكردية في: الوسط الحزبي، المدني، المجتمعي، إدارة المنطقة الكردية، وسوريا -الهويّة الكردية، والهويّة السورية الجامعة، ما هي أبرز العوامل الجديدة التي أثرت فيها، وكيف تغيرت الظروف والمحددات المؤثرة في تنشئة تلك الهويّة -المواطنة والمواطنية والهويّة السورية، وقضايا اللامركزية بأنواعها والحوكمة... إلخ.

المنصات السورية والعربية ملاذ آمن للباحثين الكرد

هذه المواضيع جزء صغير لعدد ضخم من القضايا التي لم تلتفت لها الحركة السياسية الكردية، وما الأوراق المنشورة على قلّتها سوى نتاجات لاجتهادات شخصية، ما كانت لها أن ترى النور، ويتم البحث والنقاش حولها لولا المنصات السورية البديلة، والتي لا علاقة لكرد سوريا بها تأسيسياً أو دعماً. بل إنه لا أحدَ من الأطراف السياسية اجتهد على نفسه وأمّن تشبيكاً مع الجهات المانحة والممولة للمشاريع البحثية. لنتخيل أن لا "داتا" بيانات للباحثين والصحفيين والكتّاب الكرد السوريين سواء بشكل فوضوي، أو تخصصي: فلسفي، اجتماعي، فكري، سياسي، اقتصادي، آثار وبيئة جغرافية تاريخ أدب وفن وفلكلور وغناء. وغياب التشبيك بينهم يعني غياب تقاطع الشواغل الجمعية بين بعضهم بعضاً، في ظل الانفتاح المعرفي عبر وسائل التواصل الاجتماعي على مختلف أرجاء العالم، والمطلوب اليوم وبشّدة إعادة الروح والشغف للانتماء القومي للكرد السوريين، في ظل مختلف العمليات والأحداث والمشاريع السياسية والخلافات التي تسببت بابتعاد شرائح عديدة، خاصة الشباب، عن مواضيع تخص وتهم القضية الكردية في سوريا، وأسباب عزوفهم عن العمل السياسي ضمن الأحزاب. وبعد بداية التحولات الاجتماعية والسياسية منذ 2011 في سوريا، بات واضحاً تعقّد مهامّ الأحزاب الكردية أكثر، وتداخل وتشبيك مختلف جوانب القضية الكردية ضمن الوسط الكردي، والملف السوري ككل. لذا فإن الدور البحثي يتعاظم أهميته باطّراد، ليس فقط للبحث في أصل وتاريخ الهويّة والقضية الكردية في سوريا، ونبش حقيقة المظلومية التي تعرض لها الكرد. بل أيضاً في مستقبل الكرد في سوريا، سواء ضمن إطار الدولة الواحدة، أو طبيعة علاقة الكرد وباقي شركائه في الأطراف/الأقاليم، وطبيعة ونوعية العلاقة بين الكرد والكرد، والمشاريع المطلوب الاشتغال عليها، وأيُّ دور ينتظر الكرد، وينتظرونه خاصة في ظل موجات الهجرة واللجوء والتغيرات الاجتماعية، وتغيير دور الأسرة، والأخطر غياب وسحق الطبقة الوسطى.

ما تزال الفرصة سانحة

أمام الحركة السياسية الكردية ورجال الأعمال اليوم وعلى اختلاف التوجهات، فرصة لم تتح في تاريخ الدولة السورية منذ استقلالها عن فرنسا. فهامش الحرية البحثية وتزايد أعداد الباحثين الشباب الكرد داخل وخارج البلاد، وانفتاح الباحثين السوريين العرب على القضية الكردية، وتوفر المراجع البحثية عبر مختلف المنصات والمواقع الإلكترونية، واهتمام الجامعات والمراكز البحثية الغربية بالقضية السورية والكردية، خاصة مع كثافة المواد المطروحة لمزيدٍ من التعرّف عإلى ديناميات المجتمع  والسياسات والشخصية الكردية وسوريا كلها، يُحدد الخيارات ما بين الانخراط وهو ما يتطلب دعماً سياسياً ومعنوياً ومادياً، أو أنها ستبقى تتلقى المواد المنشورة وتكتفي بالقراءة.

إن السعي لتأسيس جمعية كردية سورية للعلوم الاجتماعية والسياسية كمثال، وإفساح المجال أمام جميع المهتمين، خاصة من مختلف المناطق السورية، سيكون نموذجاً مثالياً لعمل بحثي كردي سوري مستدام. ويمكن استخدام "واحة الحرية البحثية" في إقليم كردستان مقراً لها، أو التمركز في أيّ مدنية من المنطقة الكردية في سوريا بعد الحصول على ضمانات من التحالف الدولي بعدم المساس بها من قبل أيّ سلطة حاكمة، خاصة أنَّ الضرورة القصوى تتطلب إنجاز الدراسات الميدانية عبر المعايشة والمقابلات مع العينات المستهدفة مباشرة، أو حتّى العمل /on lin/ وإقامة الندوات في إقليم كردستان.

لا فكاك من العمل المشترك بين الكرد والعرب

لقاء الباحثين السورين كرداً وعرباً بعد عقود من التشتت والضياع والصراع والخلافات، يحتوي على جوانب إيجابية كثيرة، بل لحظة تاريخية، خاصة مع تقديم الباحثين لأوراقهم ورؤاهم وتوجهاتهم، ويمكن التأسيس عليها لتكون واحدة من المصادر العديدة لاتخاذ القرار والعمل ضمن سوريا المستقبل. وتشمل أهمية المؤتمرات ما تشهده من نقاشات وحوارات وتبادل المعرفة، ونواتجها إنسانيا وبحثيا وتحفيزيا، وفرصة لبلورة مشاريع معرفية، وحتى على صعيد الموسيقى والتراث وما تعرض له الفن والفلكلور الكردي من تشويه وتحريف، يُمكن أن تقدم للجامعات الدولية والأجنبية ومراكز الأبحاث المتعطشة للمواد البحثية الرصينة من جهات معتمدة. تلك المراكز هي المأمول والأحلام المشتركة بين الشباب الأكاديمي والدوافع البحثية، والمتابعة العالمية، والتنوع وخبرة الجيل السابق.

قُصارى القول: يحتاج الكرد في سوريا إلى إنضاج استراتيجية بحثية واضحة المعالم، ويمكن توفير التمويل عبر مختلف الوسائل والمانحين الدوليين، الرساميل الكردية، إقليم كردستان العراق، خاصة أن الكادر البشري، وعينات الدراسات ومواد البحث كلها موجودة، لا يحتاج الأمر سوى للإرادة السياسية والمعرفية واعتراف الجيل السابق أن الحياة والمعادلات المعرفية تغيرت، والشروع ببناء استراتيجية كردية إقليمية وسورية بحثية، والبحث عن تمويل يأتي في المرحلة اللاحقة.