قراءة هادئة في نتائج الانتخابات البلدية في تركيا ومآلاتها

على الرغم من الأوصاف الكثيرة التي وُسمت بها الانتخابات البلدية التركية نهاية الشهر الماضي، وتباين التحليلات حول نسب النجاح ودلالاتها السياسية، إلا أن المشترك الوحيد بينها، ربما يكمن في اعتراف كل الأطراف السياسية في تركيا، وربما إجماعها على مرورها بشكل سلس وديمقراطي شهدت عليه نسبة الإقبال المرتفعة بالمقارنة مع عدد من الديمقراطيات المجاورة أو حتى الغربية، إن جاز لنا القول.

فوز "باهت" أو "صعب" أو حتى "غير مرض" ربما تكون الأوصاف الأكثر دقّة فيما يتعلق بهيمنة حزب العدالة والتنمية الحاكم والمهيمن منذ 17 عاماً على كل الانتخابات التركية، دفعت كثيراً من المحللين السياسيين والمقربين من الحزب الحاكم إلى قرع ناقوس الخطر تجاه شعبية الحزب في ظل ما سموه حالة "التراخي" الناجم عن الهيمنة الطويلة على مفاصل المؤسسات التركية في أي انتخابات جارية، سواء كانت على مستوى البلديات أو البرلمان أو الانتخابات الرئاسية.

واقع الحال لا يمكن حجبه من خلال هيمنة حزب العدالة والتنمية على نسبة تقارب النصف من مجالس البلديات الكبرى والمدن يضاف إليها حصة حليفه في "تحالف الجمهور" الحركة القومية بما يؤمن له استمرار السيطرة على المشهد السياسي وحتى الخدمي في تركيا، لكن خسارة العاصمة أنقرة وإزمير وبورصة وحتى إسطنبول (هناك طعون انتخابية لم يبت فيها حتى الآن فيما يخص إسطنبول لحظة كتابة هذه الأسطر) شكلت "ضربة" رمزية لشعبية حزب العدالة رغم استشعار قياداته السياسية هذا الأمر حتى ما قبل الانتخابات.

كل ما تقدم يدفعنا للبحث في الأسباب التي أدت لذلك، رغم الجهود الكبيرة التي بذلها حزب العدالة والتنمية في التحضير للانتخابات، والإنجازات التي حققها خلال 17 عاماً

كل ما تقدم يدفعنا للبحث في الأسباب التي أدت لذلك، رغم الجهود الكبيرة التي بذلها حزب العدالة والتنمية في التحضير للانتخابات، والإنجازات التي حققها خلال 17 عاماً. يبدو الوضع الاقتصادي مهيمناً على تلك الأسباب وأن صناديق الاقتراع أفرزت استياء كثيرا من الناخبين من تراجع التقدم الاقتصادي الذي عايشوه مع انطلاق الحزب الحاكم ووصوله إلى سدته، فحزب العدالة عجز عن تجاوز تأثيرات انخفاض العملة، والتضخم، وارتفاع الأسعار، رغم الحلول الإسعافية التي قدمت لارتفاع الأسعار إذ لم يساهم ذلك سوى بتذكير المواطنين بالفترات التي سبقت "العدالة والتنمية"؛ والتي شبّه البعض حال تركيا بالعودة إلى سنوات الشدة بعد سنوات الرفاه، لا سيما أن الانتخابات البلدية بالأساس هي انتخابات خدمية وليست سياسية بالدرجة الأولى.

العامل الاقتصادي في تفسير نتائج الانتخابات لاحظ أن أصحاب رؤوس الأموال، والشركات السياحية، تقع غرب البلاد، حيث تركّز نزيف الأصوات بالنسبة لـ "العدالة والتنمية"، وأدى التضخم وانخفاض العملة أمام الدولار لخسارة كبيرة لهذه الشريحة.

لا يمكن في هذا السياق استبعاد العامل السياسي في تفسير هذا التراجع أو النزيف في الأصوات، فتركيز خطاب رموز الحزب إبان حملاتهم الانتخابية على مسألة ارتباط وجود "العدالة والتنمية" بمسألة بقاء الدولة واستمرارها، أثار حفيظة بعض الناخبين الذين رأوا فيه تسييساً لانتخابات خدمية ليس هذا مجاله، لا سيما مع تركيز مرشحي الحركة القومية "حلفاء العدالة والتنمية" على ذلك. يضاف إلى اضطرار حزب العدالة والتنمية إلى مجاراة خطاب حليفه "القومي" إزاء خصومهم السياسيين من الأكراد ووصفهم بـ "الإرهابيين"، والتهديد بالوصاية على البلديات التي يمكن للحزب ذي الميول الكردية السيطرة عليه، كما حصل في السنوات السابقة، وهو ما أبعد الناخب الكردي عن "العدالة والتنمية" في بعض المناطق، ودفعه إلى التصويت في ولايات الغرب التركية لصالح أحزاب المعارضة لا سيما في إسطنبول وأنقرة.

بطبيعة الحال، سوف تلتقط تركيا منذ الآن أنفاسها بعد أن أرهقتها حدة التنافس والاستقطاب السياسي في انتخابات متتالية على جميع الصعد، ولن تكون في حاجة إلى عيش هذه الأجواء الاستقطابية قبيل عام 2023، وهو العام الذي يشهد الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية، وهي ذكرى لها دلالاتها بالنسبة للشارع التركي ونخبه السياسية، على حد سواء.

من الآن فصاعداً سوف تتفرغ الحكومة التركية لملفات أكثر إلحاحاً من اختبارات الشعبية المتوالية، ويبدو أن ملف اللاجئين السوريين على أراضيها سوف يتم إيلاؤه مساحة أكبر ضمن السياسات التركية الرسمية

من الآن فصاعداً سوف تتفرغ الحكومة التركية لملفات أكثر إلحاحاً من اختبارات الشعبية المتوالية، ويبدو أن ملف اللاجئين السوريين على أراضيها سوف يتم إيلاؤه مساحة أكبر ضمن السياسات التركية الرسمية، إن على صعيد تجنيس من يريد البقاء والإقامة في تركيا، وتحريك هذا الملف ضمن دوائر الدولة، لانتزاع هذه الورقة المقضّة لأجناب الحكومة التركية في كل انتخابات مهما كان مستواها، أو على صعيد محاولة إعادتهم إلى المناطق التي انتزعوا منها "أي اللاجئين السوريين" من خلال الشروع في عملية عسكرية واسعة شرق نهر الفرات وعلى مدينة منبج، لإبعاد شبح المنظمات الانفصالية الكردية في سوريا عن حدود تركيا الجنوبية، وتأمين عودة من يشاء من اللاجئين السوريين إلى بلداتهم ومدنهم، وهو ما يفسر تشكيل قيادات الأركان التركية غرفة عمليات عسكرية متقدمة على الحدود السورية التركية، تمهيداً لذلك، في ظل فشل المفاوضات السياسية مع الجانب الأمريكي حول حدود المنطقة الآمنة وإخلاف الأخيرة وعودها تجاه أنقرة. وربما تكون لزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى موسكو قريباً كلمة الفصل في تدشين هذه العملية التي لا يبدو حتى الآن أن موسكو تعارضها، والاتفاق على طبيعة العملية وحدودها الجغرافية، وطبيعة التعاون الروسي التركي فيما يتعلق بها لمواجهة قرار اعتراف إدارة ترامب بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل والموقف الأمريكي برمته من الملف السوري.

شارك برأيك

أشهر الوسوم