حضور تركي في قرار ترامب بالانسحاب من سوريا

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأربعاء 19 كانون أول وعلى نحو مفاجىء قراره بسحب القوات الأمريكية من منطقة شرق الفرات فى سوريا. القرار الذي بدا جدياً، وتم الشروع فيه على الفور عبر سحب موظفي الخارجية العاملين مع بي كاكا السوري في المنطقة. يفترض أن يجري تنفيذه خلال 60 إلى 100 يوم ليشمل كافة الجنود الأمريكيين البالغ عددهم ألفي جندي.

جاء القرار مفاجئاً وحتى غامضاً ضبابياً غير مفهوم، خاصة أن ترامب نفسه أعلن أكثر من مرة عن نيته الانسحاب قبل أن يتم التراجع تحت ضغط المؤسسة، من أجل إنهاء مهمة هزيمة ودحر داعش نهائياً، ومن ثم ربط الأمر كما أعلن مستشار الأمن القومي جون بولتون بانسحاب إيران وميليشياتها والتوصل إلى تسوية سياسية نهائية كما اعلن المبعوث الأمريكي لسوريا جيمس جيفرى.

بدا لافتاً كذلك ربط القرار الأمريكي مباشرة بتركيا، حيث قال البيت الأبيض إنه تم اتخاذه بعد مكالمة ترامب مع الرئيس أردوغان الجمعة 14 كانون أول، والتي تمحورت حول التطورات في سوريا، وفيها أكد أردوغان عزمه وإصراره على تنفيذ العملية العسكرية شرق الفرات لإبعاد الإرهابيين، وإزالة خطرهم عن الحدود التركية والقضاء نهائياً على فكرة تأسيس جيش حدودي واقامة كيان انفصالي فى المنطقة.

بدا لافتاً جداً الإعلان عن قرار الانسحاب في نفس اليوم الذي تم فيه الكشف عن موافقة وزارة الخارجية الأمريكية على بيع تركيا منظومة باتريوت

في السياق الأمريكي التركي بدا لافتاً جداً الإعلان عن قرار الانسحاب في نفس اليوم الذي تم فيه الكشف عن موافقة وزارة الخارجية الأمريكية على بيع تركيا منظومة باتريوت المضادة للصواريخ بعد تأخير دام لسنوات، ما دعا أنقرة للاتجاه أولاً للصين، قبل أن يجرى الاتفاق النهائي مع روسياعلى شراء منظومتها أس أس 400 المماثلة للباتريوت.

القرار الأمريكي يمكن فهم تحليله عبر وضعه في سياقاته الثلاث التاريخي المتعلق بخلفيات وأهداف التدخل شرق الفرات والسياسي المتمثل بطريقة تعاطي إدارة ترامب مع الأمر وفهمها أو نظرتها للتطورات في سوريا والمنطقة، وأخيراً علاقة التقارب -التباعد والتجاذب التي طبعت العلاقات التركية الأمريكية في السنوات الأخيرة، علماً أن المعطى التركي كان عاملاً أساسياً في قرار الانسحاب الأخير.

في السياق التاريخي تصرفت إدارة أوباما بلا مبالاة وبرود مع الثورة السورية وعندما انخرطت أكثر، فعلت ذلك على قاعدة التفاهم مع إيران وإبقاء رجلهم-بشار- في سوريا، كما قال أوباما شخصياً في سجاله مع وزير دفاعه الغاضب والمستقيل تشاك هاغل-تشرين ثان نوفمبر 2014- حول خلفيات وافاق التقارب مع إيران، وعندما حصل التدخل العسكري الأمريكي بعد تضخيم داعش المتعمد من قبل إيران ورجالها - وأدواتها في العراق والشام، بما في ذلك الأسد نفسه وتسهيل إقامة دولة التنظيم في الموصل بأوامر مباشرة من رئيس حكومة المنطقة الخضراء نوري المالكي لصرف الأنظار عن الثورة السورية - والانتفاضة الشعبية العراقية المشابهة – وإضعافها، وصولاً إلى معادلة الأسد أو داعش، وجرى تأسيس التحالف الدولي ضد داعش في سوريا والعراق، تم الاعتماد على أدوات إيران لمحاربة التنظيم فى العراق ، بينما جرى تضخيم وتسمين بي كاكا السوري - كأداة رخيصة مماثلة -  كونه وافق وحده على قتال داعش دون النظام ودون النقاش حول الأهداف السياسية للتدخل الأمريكي بشكل عام بينما تم الطلب من الجيش الحر توقيع تعهد بعدم قتال الأسد، وإنما داعش فقط من أجل الحصول على السلاح والتدريب والتغطية السياسية اللازمة، المقاربة الأمريكية العمياء عرّاها عضو الكونغرس ليندسي غراهام في نقاش شهير بالكونغرس مع أحد جنرالات أوباما، وصولاً إلى الاستنتاج أن التدخل الأمريكي في سوريا – يقوي عملياً الأسد وإيران وروسيا تحت ستار قتال داعش.

أما ترامب فقد وصل البيت الأبيض بشعار أمريكا أولاً ناقماً ورافضاً لكل إرث أوباما معادياً لإيران، ولكنه متودد لروسيا وغير مبالي بالنظام وبقائه

أما ترامب فقد وصل البيت الأبيض بشعار أمريكا اولاً ناقماً ورافضاً لكل إرث أوباما معادياً لإيران، ولكنه متودد لروسيا وغير مبالٍ بالنظام وبقائه، وكان أول ما فعله وقف دعم الثوار السوريين على محدوديته، ثم دعا مباشرة إلى الانسحاب من سوريا، مدعياً أن مهمة داعش قد أنجزت مع طرد التنظيم من عاصمتيه في الموصل والرقة، إلا أنه اصطدم بالمؤسسة الأمريكية في  وزارتي الدفاع الخارجية ووكالات الاستخبارات - حتى الكونغرس - التي اعتقدت أن المهمة لم تنته، وأن الخروج سيمثل انتصاراً مجانياً للنظام وإيران ورورسيا، ويقلص النفوذ أو القدرة الأمريكية على المساهمة بالحل السياسي، وبعدما بدا أنه اقتنع، عاد لطرح قصة الانسحاب كوسيلة للابتزاز والحصول على مساهمات خليجية لتمويل الجهد العسكري الأمريكي، وأمام رفض الدول الخليجية للانسحاب، دعاهم ترامب مباشرة إلى إرسال مقاتلين أو الدفع، وهو ما حصل فعلاً تحت ستار إعادة إعمار ما دمرته داعش، علماً أن أمريكا لا تحتاج قوات برية كون بي كاكا المستلب للانفصال والكيان الشوفيني والمهووس بالعداء لتركيا، كان مستعداً دائماً لتوفير القوة البشرية اللازمة، وبات الاحتلال الأمريكي رخيصاً غير مكلف لا بشرياً، ولا حتى  مادياً، مع سيطرته على ثروات سوريا الطبيعية في المنطقة الجنوبية من شرق الفرات.

المعطيات السابقة كلها حضرت في سياسة علاقة التقارب- التباعد والتجاذب الأمريكي التركي لأن أنقرة استعدت دوماً لاستخدام جيشها الجرار-حسب تعبير أوباما- فى قتال داعش، لكن وفق أسس وشروط سياسية واضحة أهمها عدم تقوية الأسد، أو غض النظر عن جرائمه، وعدم الاستعانة بالإرهابين فى المعركة ضد تنظيم ارهابي آخر، معركة لا تتضمن تدمير الحواضر والمدن وفرض وقائع جيوسياسية و إحداث تغيير ديموغرافى طائفي أو قومي أو تقديم سوريا التي تملك فيها مصالح حيوية هدية لإيران، أو حتى لروسيا، أي أنها لم تكن مستعدة أبدا للقتال ضمن الاستراتيجية والمصالح الأمريكية كما فعلت طهران وأدواتها، إنما ضمن تصور قائم على المصالح المشتركة، بما في ذلك السعي لتسوية سياسية عادلة في سوريا تضمن وحدة وسلامة أراضيها وفق القرارات الدولية ذات الصلة وتحديداً إعلان جنيف.

دليل آخر على المعطى السابق نجده فى تفاصيل المكالمة الثانية بين ترامب وأردوغان-الأحد 23 كانون أول- والتى سأل ترامب فيها عن استعداد تركيا لقتال داعش وإنجاز المهمة أو ما تبقى منها، فأجابه أردوغان إن تركيا مستعدة وكانت كذلك طوال الوقت، وفق الأسس الراسخة السالفة الذكر، مع عدم تجاهل الثقل السياسي والعسكري لواشنطن فى المنطقة، وطلب دعم لوجستي منها لإنجاح المهمة وضمان عدم عرقلتها أو وضع العصي فى دواليبها.

وربما تنفيذ الانسحاب السريع لتعقيد موقف أنقرة وتحويل العلاقة التفاهمية إلى تصادمية مع موسكو

إذن أمام إصرار أنقرة على تنفيذ عملية عسكرية شرق الفرات، واستعدادها لتولى مهمة قتال تنظيم داعش أوما تبقى منه، وعطفاً على السياقات والمعطيات السابقة اتخذ ترامب قرار الانسحاب المفاجىء وفقاً لقناعاته أو لحفظ ماء الوجه، أو حتى لتسهيل العملية، من أجل استمالة تركيا وإبعادها عن روسيا – وإيران –وربما تنفيذ الانسحاب السريع لتعقيد موقف أنقرة وتحويل العلاقة التفاهمية إلى تصادمية مع موسكو – طهران – أو السعى لتسهيل العملية التركية على الحدود فقط وبعمق معقول ومفهوم ضمنياً، والعودة جزئياً عن الانسحاب بعد ذلك، والاكتفاء بوجود ما في المناطق الجنوبية من منطقة شرق الفرات الأغنى والأكثر أهمية اقتصادياً واستراتيجياً لواشنطن.

عموماً وفى كل الاحوال، فإن قرار الانسحاب يطرح أسئلة أكثر مما يقدم إجابات، ولكن بالإمكان التأكيد على أن العملية العسكرية التركية باتت حتمية ومسألة وقت فقط، وسيتم تحرير المنطقة الحدودية الممتدة من نهر الفرات غرباً حتى حدود العراق شرقاً، بعمق يمتد حتى 40 أو 50 كم على الأقل، ما يجعل تنظيم بى كا كا بالتأكيد الخاسر الأكبر من القرار الأمريكي، مع احتمال معقول بعودة ما لتنظيم داعش فى المناطق الحدودية بين سوريا والعراق-ليس تركيا-، ودخول روسيا وإيران فى معركة استنزاف طويلة ومرهقة معه، وبدء مرحلة من عدم اليقين، قد تمتد لشهور إلى حين اتضاح معالم المشهد الجديد، كما حسم واشنطن لخياراتها السياسية، تجاه ذلك المشهد والقضية السورية بشكل عام .

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم