الصراع حول "المنطقة الآمنة" في سوريا

دورية عسكرية تركية قرب مدينة منبج (رويترز)

أعلنت تركيا والولايات المتحدة الأسبوع الماضي توصلهما إلى اتفاق حول "المنطقة الآمنة" في سوريا، في الحقيقة لا بيان الخارجية التركية ولا الأميركية يحدد ما هو المقصود بالمنطقة الآمنة هذه، ليست المسألة فقط حدود أو عمق هذه المنطقة داخل الأراضي السورية إنما وضعها القاوني هل ستسمح الولايات المتحدة وروسيا بإقرار قرار من مجلس الأمن يشرعن هذه المنطقة؟

والأهم من ذلك هل ستكون هذه المنطقة الآمنة خالية من قصف الأسد مما يشجع اللاجئين السوريين بالذهاب إليها، أم أن الأسد مع روسيا سيستمران في قصف هذه المناطق جواً وبراً، كل هذه الأسئلة لا تجد لها إجابة مما يجعل القبول بأن المنطقة الآمنة ستجد طريقها إلى التنفيذ مسألة بعيدة للغاية.

بنفس الوقت، لا أتوقع أن تقوم تركيا بأي عملية عسكرية في الشمال السوري بشكل منفرد، أما تصريحات الرئيس أردوغان حول عملية عسكرية شرق الفرات فيجب حملها على أنها تكتيك تفاوضي من أجل رفع سقف المطالب التركية خلال المفاوضات العسكرية الأمريكية – التركية في أنقرة التي أفلحت في حدها الأدنى في الإعلان عن الاتفاق الشكلي حول مبدأ المنطقة الآمنة لكن الطريق ما زال بعيداً للاتفاق حول التفاصيل.

تركيا تدرك أهمية العلاقات مع الولايات المتحدة ولا تريد تصعيد التوتر بعد التهديد بفرض عقوبات اقتصادية نتيجة شراء تركيا لصفقة منظومة الصواريخ S400  الروسية، ولذلك فتريد تركيا من هذه المفاوضات تخفيف حدة التوتر في العلاقات الثنائية.

والأهم من ذلك هل ستكون هذه المنطقة الآمنة خالية من قصف الأسد مما يشجع اللاجئين السوريين بالذهاب إليها، أم أن الأسد مع روسيا سيستمران في قصف هذه المناطق جواً وبراً

من جهة أخرى لن تقبل تركيا بأقل من إنهاء وجود النسخة السورية من حزب العمال الكردستاني أو ما يطلق عليها قوات الحماية الكردية PYD التي لا تحتفظ بأية علاقات جيدة مع المعارضة السورية السياسية منها والمسلحة واعتمدت تكتيكاً يقوم على اللعب على كل الحبال بهدف تثبيت وجودها في منطقة الشرق السوري، فهي تقوم على تحالفات مع نظام الأسد عندما تكون بحاجة إلى تخويف تركيا، وتربطها علاقة جيدة مع روسيا لأنها تعرف أن روسيا هي اللاعب العسكري الأكبر في سوريا، والأهم تحتفظ بعلاقتها الاستراتيجية مع أمريكا وخاضت حربا لأجلها في القتال ضد داعش بهدف إقامة كيان لها في الشمال السوري بالرغم من معرفتها أن التركيبة الديمغرافية في تلك المنطقة لا تساعدها، إذ لا وجود كردي أكثري في تلك المناطق فضلا عن الخلاف الكردي – الكردي حول مستقبل الكرد داخل الكيان السوري خاصة مع المجلس الوطني الكردي.

وعليه تجد تركيا دعماً سورياً كبيراً من المعارضة السورية في معركتها ضد قوات الحماية الكردية على أمل أن يكون لها دور في إدارة هذه المناطق كما جرى في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون وغيرها من المناطق التي توجد فيها القوات العسكرية التركية بوفرة.

لكن بنفس الوقت كل عملية عسكرية تركية يرافقها تصاعد الاتهامات الكردية بأنها تستهدفها بشكل خاص وتعمل على محو الوجود الكردي من الشمال السوري، كما أن أطرافاً في المعارضة السورية تعتبر أن الوجود العسكري التركي يشكل تهديداً لوحدة الأراضي السورية بغض النظر عن طريقة الحكم، ولذلك يمكن القول إن التداعيات السياسية والعسكرية على أية عملية عسكرية تركية في الشمال السوري ستكون باهظة الثمن على المستويين العسكري والسياسي بالنسبة لتركيا والمعارضة السورية، ولذلك من المهم إبقاء المفاوضات مع الطرف الأمريكي بهدف الضغط على قوات الحماية الكردية للانسحاب أو التخلي عن المشاريع السياسية التي طرحتها في ما يتعلق بالكيان الذاتي أو اللامركزية الإدارية والسياسية وكلها مشاريع تهدد وحدة سورية على المستوى البعيد، والأهم تخفف الضغط على النظام السوري الذي يطمح إلى استغلال الفرصة من أجل شن عملية عسكرية على إدلب يضمن فيها إعادة السيطرة الكاملة على المدينة مستغلاً انشغال الجانب التركي بالعملية العسكرية في منطقة شرق الفرات.

شارك برأيك

أشهر الوسوم