icon
التغطية الحية

هل يتعرّض ضحايا الزلزال من السوريين للتجاهل؟

2023.02.08 | 17:57 دمشق

ئءؤر
جهود حثيثة من الدفاع المدني لانتشال الضحايا من تحت الأنقاض
Middle East Eye - ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A

في هذه المقالة يحدثنا الطبيب السوري عبد الكريم اقزيز عما جرى عند وقوع الزلزال المدمر في سوريا وتركيا، فيقول:

عند الساعة الواحدة وخمس وعشرين دقيقة بتوقيت المملكة المتحدة، وصلتني رسالة عبر تطبيق واتساب من أخي المقيم في أنطاكيا بتركيا، عبر المجموعة المخصصة لعائلتنا، كتب فيها: "تدمر بيتي"، أعقبتها رسالة أتت سريعاً من أمي المقيمة في المدينة ذاتها، جاء فيها: "تهدمت كل الجدران في شقتنا".

سرعان ما انشغلت بالتواصل مع من أعرفهم في تركيا وشمال غربي سوريا حول الزلزال الذي قضى على الآلاف من الناس ودمر بيوتهم، فكانت نجاة والدي وشقيقي أعجوبة حقيقية بعدما حل الدمار بمدينة أنطاكيا، وجعل أبنيتها تنهار مثل صناديق الكرتون.

في البداية، خلت كل ما يجري حلماً، إذ احتجت لساعات حتى أستوعب حجم الكارثة، وعانيت كثيراً قبل أن أهضم الحقيقة والواقع الذي يقول إنّ هؤلاء الأشخاص الضعفاء أنفسهم الذين قاسوا بالأصل بسبب نزاع امتد لاثني عشر عاماً، قد تضرروا اليوم بفعل كارثة طبيعية لم تشهدها المنطقة منذ عقود خلت.

وقع زلزال شدته 7.8 درجات على مقياس ريختر عند الساعة الرابعة وسبع عشرة دقيقة بتوقيت تركيا، أعقبته مئات الهزات الارتدادية، وأتى مركز الزلزال بعمق 20 كلم، حيث أضر بمساحة شاسعة من الجنوب التركي وشمال غربي سوريا، شملت ولايات هاتاي وغازي عنتاب وكلس وحلب وإدلب وغيرها الكثير.

أخذت أعداد الموتى تتصاعد ساعة إثر ساعة، لتتجاوز سبعة آلاف قتيل حتى الآن، وأعتقد بأن هذا الرقم لابد وأن يواصل ارتفاعه الكبير، بما أن كثيرين مايزالون في عداد المفقودين، كما أنه في تركيا وحدها تعرض أكثر من 5600 مبنى للانهيار.

مهام الإنقاذ

مع بدء عمليات الإنقاذ في تركيا يوم الإثنين، سمعت من أشخاص يقيمون في هاتاي بأن المعدات الثقيلة لم تصلهم حتى صباح الثلاثاء، وفي الوقت الذي أنقذت فيه مهام الإنقاذ المتواصلة حياة كثيرين، وانتشلت الآلاف من البشر من بين الركام، بقي كثيرون عالقين بين حطام الأبنية المنهارة بانتظار المساعدة.

في سوريا، اضطلعت منظمة الخوذ البيضاء بشكل فاعل في عمليات الإنقاذ ضمن المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، بيد أن الموارد التي تتمتع بها تلك المنظمة محدودة جداً. كما أن الكثير من المنظمات غير الحكومية أطلقت حملات لجمع التبرعات على نطاق واسع، بينها اتحاد منظمات كير ميديكال والمنظمات الإغاثية وفريق ملهم التطوعي والجمعية الطبية السورية الأميركية وغيرها الكثير.

بيد أن هذه الاستجابة مهددة بوضع معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، والذي يعتبر شريان الحياة بالنسبة لسوريا كونه قد أغلق وسط كل هذا الدمار الكبير، إلى جانب ظهور معوقات ومصاعب أخرى حالت دون فتحه. أما في المناطق التي يسيطر عليها النظام في سوريا، مثل حلب وحماة، فقد تولى النظام أمور الاستجابة، في حين أن الوضع في المناطق التي بقيت بيد المعارضة باتت أشد تعقيداً.

Members of the White Helmets transport a victim from the rubble of buildings in northwestern Idlib province on 7 February 2023 (AFP)

عناصر من الخوذ البيضاء وهم ينقلون أحد الضحايا بعد إخراجه من وسط الركام بمحافظة إدلب في 7 من شباط 2023

على الرغم من أن مركز الزلزال كان في الجنوب التركي، إلا أن آثار الزلزال المدمرة امتدت في أرجاء شمال غربي سوريا حيث البنية التحتية المضعضعة بالأصل منذ اندلاع الحرب في عام 2011، بعدما حملت مناطق المعارضة على كتفيها وزر العمليات العدائية.

وقد ترافق ذلك مع تكتيكات النظام في الحرب والتي تنطوي على تدمير البنية التحتية المدنية في مناطق المعارضة، ما جعل تلك المناطق في حالة يرثى لها. وفي ظلّ الفراغ في الحكم والإدارة، صار الناس في تلك المناطق يعتمدون بشكل كبير على المساعدات التي تصلهم عبر الحدود من تركيا مع امتداد الحرب وتوسعها.

بيد أن الوضع في المناطق التي يسيطر عليها النظام في الشمال السوري لم يكن بأفضل كثيراً، وذلك لأن النزاع دمر البلد برمته، كما جعل النظام يتعرض لعزلة دولية بعد ارتكابه لجرائم حرب، شملت استخدام الأسلحة الكيماوية، ما تسبب بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية واسعة النطاق على سوريا، وقد أثر ذلك بشكل كبير على الوضع الاجتماعي-الاقتصادي لعامة الناس، ودفعهم نحو براثن الفقر بشدة. إلا أن هذا الزلزال الذي أصاب المساكن التي شيدت بمواد ضعيفة بالأصل في مقتل لابد وأن يزيد من تلك التحديات ويفاقمها.

احتياجات ماسة

تشمل الاحتياجات الماسة للمتضررين في شمال غربي سوريا الدعم بالنسبة لعمليات الإنقاذ مع تأمين مأوى مؤقت ومواد غذائية إغاثية، ولوازم طبية، ووقود الديزل لضمان تشغيل المولدات الكهربائية، مع تأمين الكهرباء اللازمة للمشافي.

في الوقت الذي يرجح فيه لإمكانيات الحكومة التركية مع تدفق المساعدات الدولية عليها أن تسهم في دعم عمليات الإنقاذ في تركيا، لا يرجح أحد لهذا السيناريو أن يتكرر في شمال غربي سوريا في المستقبل القريب، ويعود ذلك لامتداد النزاع في سوريا لأمد بعيد، وللفراغ في السلطة ضمن المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، ولتسيييس المساعدات الإنسانية والتلاعب بها من قبل النظام السوري في المناطق التي يسيطر عليها.

إلا أنه لا ينبغي التذرع بأي من تلك الأمور لتجاهل محنة السوريين المتضررين بفعل الزلزال، إذ يجب على المجتمع الدولي أن يبحث عن طرق لتقديم الدعم في كل المناطق المتضررة في شمال غربي سوريا، كأن يتم ذلك عبر شراكات مع منظمات غير حكومية صاحبة خبرة كبيرة في هذا المجال كونها عملت هناك لمدة فاقت 12 عاماً، ولكن هؤلاء المانحين للأسف مايزالون مترددين إزاء فعل ذلك.

سبق أن قاسى السوريون الأمرين طوال أكثر من عقد كامل من النزاع، واليوم باتوا بمواجهة مع مأساة جديدة في خضم هذا الزلزال، إذ بعدما عانى أغلب السوريين كثيراً وعملوا بجد ودأب ليؤسسوا حياة لهم في شمال غربي سوريا أو في تركيا، ألفوا اليوم أنفسهم وقد تضرروا بشكل بالغ بفعل هذه الكارثة، وبالرغم من ذلك قد تتعرض محنتهم لتجاهل كبير بسبب طول أمد النزاع في بلدهم وحجم الدمار الكبير الذي خلفه الزلزال في الجنوب التركي.

جل ما أتمناه من العالم هو ألا يغض الطرف مجدداً عن الضحايا السوريين، وأن يمد عوضاً عن ذلك يد العون نفسها التي يقدمها للضحايا من الأتراك.

المصدر: Middle East Eye