هل فكر نظام الأسد في التدخل بالانتخابات التركية؟

تاريخ النشر: 15.06.2018 | 00:06 دمشق

آخر تحديث: 28.01.2020 | 18:14 دمشق

واحد من أسباب تقديم الانتخابات التركية من أواخر العام القادم إلى منتصف الجاري، كان قطع الطريق على فكرة التدخل في الانتخابات، أو استغلال المدى الزمني الطويل لخلق قلاقل وتوترات سياسية حزبية، أو اقتصادية وأمنية في البلد، غير أن ما يثير الاستغراب وربما حتى الضحك على طريقة شرّ البلية ما يضحك؛ أن يكون نظام الأسد فكّر فعلاً بالتدخل ووضع ما يشبه الدراسة أو ورقة تقدير موقف حول كيفية التأثير على الانتخابات ونتائجها.

بعض المواقع الإلكترونية نشرت خلال الأيام الماضية وثيقة مسربة من أحد الأجهزة الأمنية التابعة للنظام- إدارة المخابرات الجوية- تتضمن تحليلاً للمشهد السياسي الحزبي في تركيا مع توصيات عن كيفية التدخل والتأثير بالانتخابات ومنع الرئيس أردوغان وحزب العدالة من الفوز على افتراض أنها ستجري في موعدها المقرر أواخر العام القادم، وهي أي الوثيقة ارتكزت على نقطتين أو ثلاث نقاط أساسية ، أولها عدم المشاركة بكثافة في الانتخابات البلدية الربيع القادم، ومنح فوز مريح لحزب العدالة يخلق حالة من النشوة والاسترخاء لديه قبل الانتخابات الرئاسية والتسريعية الحاسمة التي

على طريقة شرّ البلية ما يضحك أن يفكّر نظام الأسد المتداعي والساقط عملياً، والفاقد القدرة على التأثير الجدي على ما يجري في البلد، والخاضع لوصايات هيمنة الاحتلالين الروسي والإيراني.

تشارك بها المعارضة بكل توجهاتها بمرشح رئاسي واحد وتحطيم حزب الحركة القومية لصالح الحزب الجديد المنشق عنه - حزب الجيد بزعامة ميرال أكشينار - مع الإشارة إلى دعم رجال أعمال أوروبيين مدعومين من الإمارات للحزب، كما قيام إيران بدعم حزب السعادة الإسلامي لاستقطاب الشريحة المتدينة المحافظة من الأكراد الذين يصوّتون في العادة لحزب العدالة والتنمية.

بداية فإنني أميل شخصياً إلى صحة الوثيقة، وما جاء فيها، ولا شك أنها تشبه لغة الحشد الشعب الإعلامي الداعم للنظام ونظرته تجاه تركيا والتطورات السياسية، والحزبية فيها، وهي ذكرتني بالوثيقة التي كتبها أحدهم في العام 2004 للمخابرات راسماً صورة عامة للمشهد السياسي اللبناني ومطالباً بتصفية رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، ومدعياً بعد تسريب الوثيقة أنه  قصد التصفية  السياسية لا الجسدية، علماً أن تصفية سياسية لزعيم ورئيس وزراء في بلد قائم على التوازنات الطائفية والمذهبية هى أيضاً وصفة للاقتتال والحرب الداخلية.

ربما ما يثير الأسى وحتى الضحك حتى على طريقة شرّ البلية ما يضحك أن يفكّر نظام الأسد المتداعي والساقط عملياً، والفاقد القدرة على التأثير الجدي على ما يجري في البلد، والخاضع لوصايات هيمنة الاحتلالين الروسي والإيراني، وغطرسة وعنجهية الاحتلالين الأمريكي والإسرائيلي في التدخل بالانتخابات  فى دولة قوية مزدهرة دخلها القومي يلامس حدود تريليون دولار، وتملك تأثير إقليمي كبير في محيطها، وهي تدخلت في سوريا تحديداً دفاعاً عن  أمنها ومصالحها المتماهية والمتساوقة إلى حد كبير مع مصالح المعارضة والشعب السوري، الثائر ضد الأسد، وهذا ما يبرر ربما الهوس أو التشنج ضد تركيا  وأردوغان وحزب العدالة من الإعلام المساند للأسد، كما رأينا في معركة غصن الزيتون -عفرين، وحتى في خارطة الطريق الأخيرة حول مدينة منبج.

لم أستغرب طبعاً اللغة المنفصمة الساذجة والمتبجحة التى تميز الطابع العام للوثيقة، حيث لا قدرة فعلية للنظام على التدخل في الانتخابات في السياق السياسي، الذي ركزت عليه، بينما يمكن التوقع بل اليقين من وجود وثيقة أمنية مشابهة تدعو إلى نشاط أمني تخريبي موازي، ممكن أن يقوم به النظام مع بعض العصابات الإرهابية المتربطة به، ولكن هذه باتت أضعف وأعجز عن التأثير في التحولات التي تعيشها تركيا منذ إفشال الانقلاب في تموز/ يوليو 2016، ناهيك عن عجز النظام عن اتخاذ قرار كبير كهذا دون موافقة الوصي المباشر والمندوب السامي الروسي، الذي يحتفظ بعلاقات ومصالح متداخلة مع الجانب التركي.

أما السذاجة في التكتيك السطحي والمبسط الذي يتحدث عن مشاركة خجولة في الانتخابات البلدية مقررة في ربيع العام القادم لمنح فوز مريح وكبير للعدالة، يؤدي إلى نشوة واسترخاء في صفوفه ما يسهل هزيمته أو منعه من الانتصار في الانتخابات التشريعية والرئاسية بعد ذلك، أي في تشرين ثاني/ نوفمبر القادم.

الحزب الذي يحكم البلد منذ بداية القرن الحالي بات يمتلك خبرة سياسية إدارية حزبية وانتخابية واسعة تمكنه من إدارة  الحملات الانتخابية بشكل محترف وخبير، كما أن الانتخابات التركية على اختلاف مستوياتها تشهد مشاركة شعبية واسعة تلامس حدود الـ85 بالمائة، ومن الصعب جداً نجاح دعوات المقاطعة أو المشاركة المنخفضة، ناهيك عن أنها ستكون مكشوفة ومثيرة للشك والريبة.

أما في التأثير على جوهر التحالفات والتوزانات السياسية في البلد، فقد تضمنت الورقة أفكار متداولة وشائعة  على نطاق واسع في الساحة السياسية الحزبية، إن فيما يتعلق بالتوحد حول مرشح رئاسي واحد للمعارضة مقابل الرئيس أردوغان، أو تقوية ميرال أكشنر وحزبها الوليد على حساب حزبها الأم، أو الاستفادة من حزب السعادة الإسلامي – الأقرب إلى فكر الإخوان التقليدي - لجرف الأصوات الإسلامية المحافظة التي تصوت في العادة لحزب العدالة، وتحديداً في المناطق ذات الغالبية الكردية جنوب شرق تركيا.

ما كان بالإمكان توافق المعارضة على مرشح رئاسي واحد، حتى لو أجريت في موعدها المقرر مسبقاً، فالرئيس عبد الله غول ما كان ليقدم على المجازفة دون تأييد رفاقه السابقين في حزب العدالة وميرال أكشنار العنيدة والمغرورة ما كانت لتوافق على دعم عبد الله غول، ولا أي مرشح معارض آخر قبل الذهاب إلى المرحلة الأولى من الانتخابات، إضافة طبعا  إلى المزاج العام داخل حزب الشعب الجمهورى الرافض لتأييد أي مرشح يميني آخر وتكرار التجربة الفاشلة لانتخابات 2014.

فكرة دعم إيران لحزب السعادة الإسلامي هي أيضاً خيالية ومنفصلة عن الواقع. فإيران لا تملك تأثير كبير في الشارع التركي، وحزب السعادة في أفضل الأحوال لا يمتلك أكثر من اثنين إلى ثلاثة بالمائة.

لافتة جداً الإشارة طبعاً إلى دعم رجال أعمال أوروبين مقربين من الإمارات لميرال أكشنار لدعمها مقابل أردوغان كما لتقوية حزبها على حساب الحزب الأمّ الحركة القومية، وعلى افتراض أن هذا صحيحاً، وعلى امتلاك حزب أكشينار لموارد مالية لافتة، إلا أنها ما زالت تتراوح ما بين العشرة والخمسة عشرة بالمائة، وهي غير قادرة على تشكيل تهديد جدي للرئيس، علماً أنها منذ انشقاقها ومنذ الاستفتاء الرئاسي العام الماضي كانت قد  جرفت تقريباً ثلثي أصوات ومؤيدي ىحزب الحركة القومية الذي ما زال قادراً بتحالفه مع حزب العدالة والتنمية  على  ترجيح الكفة رئاسياً، وربما برلمانياً أيضاً.

فكرة دعم إيران لحزب السعادة الإسلامي هي أيضاً خيالية ومنفصلة عن الواقع. فإيران لا تملك تأثيرا كبيرا في الشارع التركي، وحزب السعادة في أفضل الأحوال لا يمتلك أكثر من اثنين إلى ثلاثة بالمائة، وتحالفه مع حزب الشعب والقومية أكشينار سيمنعه من جرف أصوات كثيرة  بين المصوتين الأكراد.

الوثيقة خلت من أي إشارة إلى حزب الشعوب وزعيمه المعتقل صلاح الدين ديمرطاش، ربما لقناعة كاتبها بتراجعه وعجزه عن التأثير على المجريات السياسية والانتخابية بعد تماهه وخضوعه لـ بي كا كا بشقيه التركي والسوري، وربما لإبقاء الاتصالات معه في السياق الأمني عبر مشغليه في قنديل وكوباني.

عموماً وكما قلت سابقاً فإنني أميل إلى صحة الوثيقة، وهي تعبّر فعلاً عن ذهنية النظام وتفكيره. كما عن دعايات الحشد الشعبي الإعلامي الداعم له، وهي تؤكد كذلك حالة الانفصام التي يعيشها وعجزه عن رؤية أو فهم التحولات في سوريا وتركيا والمنطقة بشكل عام وفى كل الأحوال فإنه-وحلفاءَه- أضعف وأعجز من التدخل فى الانتخابات التركية أو التأثير على نتائجها.