icon
التغطية الحية

من بينها الطلاق الصوري.. كيف يتحايل السوريون على نظام "البطاقة الذكية"؟

2021.10.07 | 05:56 دمشق

39598d00577a8c6f7f0624cc22a283d2_xl.jpg
دمشق - جنى نجار / إسطنبول - رواد حيدر
+A
حجم الخط
-A

"لم أحصل على عبوة غاز منذ شهرين، أحاول بشتى الطرق أن أحصل عليها لكن سعرها الخيالي يحول دون ذلك. قبل يومين تفاجأت بوالدي وقد حصل على واحدة عبر البطاقة الذكية، ولكونه لا يحتاجها قام ببيعها دون أن يفكر للحظة بإعطائي إياها. الآن أنا عاجزة عن الحديث معه، نحن نتحول إلى بشر غريبين في هذا المكان".

بهذه العبارات اختصرت السيدة ملك (مستعار) الواقع المعيشي والاجتماعي المتردي لملايين السوريين القاطنين في المناطق الواقعة تحت سيطرة نظام الأسد.

وأضافت السيدة الخمسينية التي تعيش وحيدة في دمشق بعدما انفصلت عن زوجها: "هذا حالنا، تعودنا ألّا ننتظر الكهرباء لندرة وصلها، بتنا نبتكر حيلاً لنتمكن من التأقلم على العيش هنا، كلٌ على طريقته".

استثمار البطاقة الذكية.. كلٌ حسب حاجته

كرّس نظام الأسد، منذ الأيام الأولى للثورة، جهوده للسيطرة على مفاصل الحياة في سوريا، بداية بقبضته الأمنية، وليس انتهاء بالتحكم في قوت الأهالي، تقول "ملك": "نحن مرتهنون للبطاقة الذكية، بتنا نحصل على المواد بالقطارة، المازوت والسكر والشاي والخبز، تحولنا إلى شعب يعيش حسب إرادة النظام الذي يتبجّح بأنه يعرف بدقة حاجة كل مواطن، وعليه ينظّم التوزيع لتفادي التبذير".

من جانبه يقول عمار (مستعار) وهو شاب يعمل في أحد مقاهي العاصمة: "إن مررت اليوم على بائع الغاز وسألت عن سعر العبوة، وأعدت الكرّة في اليوم التالي، ستجد أن السعر سيزداد على الأقل بمقدار 5 آلاف ليرة"، مشيراً إلى أن معظم البائعين يحصلون على الغاز عن طريق البطاقات الذكية التي يجمعونها من أقاربهم.

وتراوح سعر عبوة الغاز الواحدة في الفترة الأخيرة بين 125 – 150 ألف ليرة سورية، إذ يقول عمار إنه لا تفسير لهذا السعر، فالبائع يحصل على العبوات بالسعر المدعوم البالغ 4 آلاف ليرة، لكنه دائماً ما يجد تبريراً بزعم أن ربحه لا يتجاوز الـ 2000 ليرة فقط.

حيَل

الواقع المعيشي فرض على كثيرين اتباع حيل للالتفاف على الأزمة التي خلقتها البطاقة الذكية، والمشكلات التي رافقت عملها، إذ يحدد النظام عبرها حاجة العائلة من المواد الأساسية شهرياً، حسب تقديراته، لا حسب حاجتهم الفعلية.

وتحصل العائلة الواحدة، بموجب البطاقة، على عبوة غاز واحدة كل سبعين يومياً، بالإضافة إلى المازوت والسكر والشاي والخبز "المدعوم"، بكميات تتناسب مع عدد أفراد العائلة، لكن دون موعد محدد، إذ يتجاوز الموعد في بعض الأحيان الـ 4 أشهر، باستثناء الخبز الذي يوزّع كل يومين.

كل هذه الضغوطات دفعت العوائل للتحايل على النظام من أجل الحصول على أكثر من بطاقة لأن ذلك هو الحل الوحيد للعيش في ظل الغلاء الفاحش.

وعليه، اتبع السوريون عدة أساليب، كالطلاق "الصوري" عبر محام ودون تعميم، وبه يحصل الزوج على بطاقة ذكية بوساطة دفتر العائلة، والزوجة على أخرى بسند الإقامة، ومعه تتضاعف كمية المواد التي يستطيعون الحصول عليها دون الحاجة لشرائها من الأسواق بأسعار مضاعفة.

هذا ويستغل آخرون الطلاق بشكل عكسي "لمضايقة بعضهم البعض، وخاصة في حال كان بينهم أولاد"، تقول نسرين (مستعار): "تطلقت من زوجي منذ عدة سنوات، قبل صدور البطاقة الذكية، وما زلت على دفتر العائلة أنا وأبنائي الاثنين اللذين يعيشان معي، ولهذا لا يمكنني الحصول على بطاقة لأنني رسمياً ما زلت متزوجة، في حين يقوم زوجي بأخذ حصتي وحصة الأولاد من المواد التي يحصل عليها، ويبيعها".

للمغتربين فائدة مضاعفة

لا تقتصر فائدة المغتربين على مساعدة عوائلهم في سوريا بالأموال، بل تعدت ذلك إلى استغلال وجودهم لاستخراج البطاقة الذكية، بحسب الشاب ماهر محمد (مستعار) الذي يقول: "منذ شهر تقريباً جئت وزوجتي إلى سوريا في إجازة من الإمارات حيث نعيش منذ سنتين، استطعت أن أحصل على بطاقة ذكية بوساطة دفتر العائلة الخاص بي وأعطيته لأخي قبل سفري في محاولة لمساعدته لتأمين احتياجات عائلته".

وأضاف "محمد": "تشكّل هذه الحيل التي يتبعها السوريون أسلوب حياة، تدهشك قدرة هذا الشعب على تحمل صعوبة العيش والمناورات المستمرة بينه وبين نظام يسعى لجعله يلهث وراء أكله وشرابه".

بطاقة المَركبة

"يمتلك أبي سيارة عمومية يحصل كل خمسة أيام على أربعين ليتراً من البنزين، ولكي يستطيع مزاولة عمله دون انقطاع استأجر بطاقة ذكية (مَركبة) من صحاب سيارة خاصة، يحصل بموجبها على 25 ليتراً كل أسبوع".

بهذه الطريقة يتمكن والد محمود (مستعار) من زيادة مخصصاته من البنزين، وهي الطريقة ذاتها التي يتبعها معظم سائقي السيارات العمومية في مناطق النظام، لكونها الحيلة الوحيدة التي تمكنهم من الاستمرار في أعمالهم.

تختلف بطاقة البنزين عن البطاقة العائلية، إذ تدعى "بطاقة مَركبة"، وهي بطاقة، كحال "الذكية"، تعمل عبر تطبيق يسمى "وين"، يُرسل خلالها المرء رسالة لمزود الخدمة ويحصل بموجبها على موعد حصوله على البنزين، كما تحوي الرسالة على عدد بطاقات الأشخاص الذين يسبقونه في الدور، وفي حال تأخر صاحب العلاقة بتسلّم مخصصاته، يُعيد الطلب ويتسلّم حصته في موعد لاحق.

كذلك يقوم بعض أصحاب السيارات الخاصة، والعمومية في بعض الحالات، بركن سياراتهم وتأجير بطاقتهم الذكية بمبلغ يتراوح ما بين 100 و150 ألف ليرة شهرياً، فيما يعمد آخرون إلى بيع مخصصاتهم من البنزين بسعر 3 آلاف ليرة لليتر الواحد، وهي طريقة تشكّل ربحاً لا بأس به لكونهم يشترون الليتر بـ 750 ليرة فقط.

وعلى الرغم من وجود اسم صاحب البطاقة عليها، إلا أن هذا الأمر لا يشكل عائقاً، فأصحاب محطات الوقود لا ينظرون إلى الاسم ولا يطلبون الهوية، يتأكدون فقط من تسلّمه الرسالة عبر إدخال البطاقة في جهاز خاص، وبهذا الشكل ينظَّم الأمر، أما من يستأجرون بطاقات غيرهم فيعمدون إلى الاتفاق مع صاحب البطاقة لإخطارهم عند تسلمه الرسالة وما تحويه من تفاصيل.

كل ذلك ينطبق أيضاً على أصحاب "السرافيس"، فهم يشترون المازوت عبر البطاقة الذكية المخصصة للسرافيس ويبيعونه بسعر أعلى أو يخزنونه لأيام الشتاء، ويتاجرون به حينذاك، بحسب المصدر ذاته.

ما من حلول أمام المواطنين القاطنين في مناطق سيطرة النظام في حال انقطاع أي من المواد الأساسية، فالبعض لديهم قدرة على شرائها من السوق بأسعارها المضاعفة، وهم قلّة، في حين يكتفي آخرون بالانتظار أو الاستغناء عنها ومحاولة التأقلم مع واقع الحال، وهم الغالبية العظمى.