مستقبل مسلوب.. فتيات خارج إطار العملية التعليمية في إدلب

تاريخ النشر: 07.03.2021 | 05:46 دمشق

إدلب - سونيا العلي

تزداد المعوقات وتتنوع الأسباب التي تقف حجر عثرة أمام إكمال الفتيات في إدلب لتعليمهن، فبين الفقر والنزوح وفقدان الأمان، يضيع مستقبل الكثير من الفتيات، وتفرض الظروف القاسية عليهن الجهل والأمية، وتحرمها من عيش حياة طبيعية.

تعيش معظم الأسر في إدلب تحت خط الفقر في مواجهة ظروف معيشية ازدادت صعوبة مع النزوح والغلاء، مما يدفع عائلات إلى إجبار الفتيات على التخلي عن مقاعد الدراسة، بسبب الكلف المادية العالية، وعدم قدرتهم على تأمينها، إلى جانب ازدحام المدارس في بيئات النزوح، وقطع مسافات طويلة للوصول إلى المدارس، في ظل غياب بيئة تعليميّة آمنة.

أم حسين (37 عاماً) نزحت من معرة النعمان، وتقيم في منزل غير مجهز في مدينة إدلب، أجبرت بناتها الثلاثة على ترك مقاعد الدراسة بسبب الفقر والنزوح، وعن سبب ذلك توضح لتلفزيون سوريا: "أعمل في مهنة الخياطة وبالكاد أؤمن مصروفنا اليومي، ولا قدرة لي على تحمل نفقات المدارس، فقد اعتقل زوجي منذ تسع سنوات، وأقيم مع والدة زوجي، وبناتي الثلاث وولدي الوحيد الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره في شبه منزل، لذلك لم يكن أمامي خيار إلا أن تترك بناتي المدرسة لتعلم مهنة الخياطة، ومساعدتي في تأمين قوت يومنا".

شددت أم حسين على أنها ليست ضد تعليم الفتيات، لكنها تخاف عليهن من طريق المدرسة المحفوف بالمخاطر من تفجيرات وقصف، فضلاً عن انعدام الأمان في المنطقة، وانتشار حوادث خطف الفتيات، وهي في غنى عن ذلك، بحسب تعبيرها.

اقرأ أيضاً: مدارس إدلب: غياب المنح الدولية وكورونا ليس أولوية | صور

زواج مبكر

فضلت الكثير من الأسر تزويج بناتها في ظل ظروف الحرب الصعبة، وفقدان الأمان، للتخلص من مسؤولية الفتيات ونفقاتهن، ورغبة بحصولهن على حياة أفضل، ليجدن أنفسهن في معترك الحياة الزوجية، وأمام مسؤوليات كبيرة قبل الأوان، وعاجزات عن تحملها في كثير من الأحيان، بسبب الجهل، وعدم القدرة على الانسجام مع الحياة الجديدة، ومواجهة صعوبة في تربية الأطفال، ونقص الإلمام الكافي بأساليب التربية.

براءة الفيلوني (14 عاماً) نازحة من معرة النعمان إلى مدينة معرة مصرين، أجبرت منذ قرابة ستة أشهر على ترك المدرسة والزواج من شاب يكبرها بأحد عشر عاماً، تتحدث لتلفزيون سوريا: "وصلت إلى الصف الثامن الأساسي بتفوق كبير، ثم أجبرني والدي على الزواج، ليزيح عن كاهله عبء مصاريفي، ويخلصني من حياة الخيام وانعدام الخصوصية، لكنه جعلني أتحمل مسؤولية بيت وزوج والتزامات سبقت عمري بكثير".

تؤكد براءة أن في داخلها حلماً لم يتحقق، ورغبة عارمة بمتابعة تحصيلها العلمي، لكن زوجها رفض ذلك بسبب وضعه المادي السيئ.

وأشارت براءة إلى أن الزواج المبكر سلب طفولتها تحت اسم السترة، وتواجه اليوم صعوبة في التعامل مع زوجها وأسرته، وتتعرض للضرب والتعنيف اللفظي.

عادات وتقاليد

هيمنة الجهل والعادات والإرث المجتمعي تجعل آباءً في إدلب يعتقدون أن تعليم الفتاة هو أمر ثانوي، وأنها في النهاية ربة منزل، وستكون مسؤولة عن تربية أولادها فقط في المستقبل، بغض النظر عن عجز الأم غير المتعلمة عن تدريس أبنائها وحل مشكلاتهم.

وهذا ما حصل مع فاطمة الصوراني (13 عاماً) من مدينة حارم، التي حرمها والدها من الذهاب إلى المدرسة، رغم تفوقها في جميع المراحل الدراسية، بحجة أنها قد كبرت، ووجب عليها أن تتقن تدبير شؤون المنزل قبل الزواج.
لم يكن قرار الأب سهلاً على والدة فاطمة بألا تكمل تعليمها، وكانت أمنيتها الوحيدة أن تشاهد بناتها في أعلى مراتب العلم، ولكنها لم تستطع الوقوف في وجه زوجها أو الاعتراض على قراراته.

كذلك علا الكيال (15 عاماً) وهي طفلة نازحة مع أسرتها من مدينة خان شيخون إلى أحد مخيمات بلدة دير حسان، قادها موت أمها في غارة حربية منذ سنتين إلى ترك المدرسة، والمكوث في البيت، مثل كثير من الفتيات من دون أن تتمكن علا من العودة إلى المدرسة.

تقول لموقع تلفزيون سوريا: "كانت أمي الوحيدة التي تدعمني وتشجعني على إكمال دراستي، وبعد موتها أجبرني والدي على ترك الدراسة لمساعدة زوجته الثانية في أعمال المنزل".

وتحدث والد علا عن رأيه بالموضوع: "لا فائدة من تعليم الفتيات، لأن كل فتاة ستترك منزل أهلها في نهاية المطاف، ليكون مصيرها الزواج والاهتمام بالبيت والأولاد، وسيكون زوجها مسؤولاً عن تلبية طلباتها".

آثار وتبعات

تحدثنا مع المعالجة النفسية صهباء الخضر حول مخاطر الجهل على الفتيات، وقالت: "حرمان الفتيات من التعليم هي مشكلة تعاني منها المرأة السورية منذ زمن، وزادت الحرب الحال تعقيداً بسبب خوف الأهل على الفتاة من الخطف أو التعرض لمخاطر القصف بالإضافة إلى النظرة المجتمعية التي تحصر مهمة المرأة في الحياة على أنها ربة منزل فقط، مما يترتب على ذلك من فتيات أميات غير قادرات على مساعدة أبنائهن في التعلم".

وأوضحت الخضر، أن البعض يربطون التعليم بالعمل وضرورة الحصول على وظيفة، ويتجاهلون أهمية العلم بوصفه قوة فكرية لصاحبه، ومساعد لاتخاذ قرارات صائبة في المستقبل، ودوره في تعزيز ثقة الفتاة بنفسها وجعلها أكثر وعياً وإدراكاً للأمور، وأكثر قدرة على التعامل مع الآخرين والتفاعل مع المجتمع، وكلما زادت درجة التعليم، زادت قدرتها على تحديد وجهتها وأولوياتها، وتضيف: "الفتاة تستطيع عن طريق التعليم أن تحقق ذاتها وتطوّر شخصيتها، كما يمنحها التعليم استقلالاً ذاتياً فتشعر بالرضا، كما تنمّي مهاراتها ويحميها من العزلة التي يفرضها عليها البقاء في المنزل غائبة عن العالم الخارجي".

وأكدت الخضر ضرورة توعية الأهل بأهمية تعليم الفتاة وما سيترتب على ذلك من مزايا لدى ابنتهم، من قوة شخصية، وحكمة في تربية أبنائها واتخاذ قرارات مصيرية في حياتها، مع ضرورة قيام الجهات المختصة بسن قوانين تلزم الأهل بتعليم أطفالهم.

التعليم من الحقوق الأساسية للجميع، لكن الحرب متعددة الأطراف على الشعب السوري، كرست ظاهرة حرمان الفتيات من التعليم بشكل كبير، بسبب الظروف التي فرضت على الأهل من فقر وتشريد ونزوح من مكان إلى آخر، ومنهم من فضل تزويج الفتيات لأول طالب لهن، بغض النظر عن كونها قرارات مغلوطة يكون الفشل نهايتها غالباً، لتقع الفتيات ضحية الحرب التي لاتزال تدور رحاها من دون هوادة، مما أسهم في إضاعة أحلامهن، وأطاح بأبسط حقوقهن.