icon
التغطية الحية

مستقبل البحث العلمي السوري.. مخاطر وتحديات

2022.09.02 | 08:13 دمشق

يي
جلسة نقاش في مركز جسور للدراسات
+A
حجم الخط
-A

عانت المؤسسات البحثية السورية لعقود طويلة من هيمنة مؤسسات النظام الحكومي بشكل كامل عليها واختراقها من قبل الأجهزة الأمنية، وذلك ما أدى إلى أدلجة غالبية أبحاثها وإعلان نتائجها بعيداً عن الشفافية إذ كانت ومازالت تعتمد على التجهيل المتعمد.

هناك العديد من التعريفات للبحث العلمي منها أنه يمثل طريقة منهجية تتبع العديد من الخطوات المتتالية، والتي تبدأ من معرفة المشكلة وتحليلها، وجمع البيانات وتوثيقها لاستخلاص مجموعة من الحلول الناشئة عن التحليل بالإضافة للمقارنة والإحصاءات.

كما يراه البعض أنه دراسة منهجية تهدف إلى مواجهة نقص المعرفة، لتجميع وربط الأشياء والمفاهيم المنتشرة أو المختلطة في الفهم أو التطبيق.

بينما ينظر كُثر للبحث العلمي على أنه محاولة لاستنباط أفضل فهم للكون من خلال مراقبته وفحصه بالتفصيل وتقديم تفسيرات دقيقة قدر الإمكان للمعلومات التي يجمعها الباحثون بهدف تحسين وتوسيع المعرفة الجماعية و الفهم ثم الشرح للجمهور قدر الاستطاعة.

وأمام هذه التعريفات باستطاعتنا أن ندرك مدى أهمية البحوث العلمية على الصعيد السوري وتأثيرها على المجتمع وارتباطها مباشرة بالوعي الجمعي وتوجيه أفكار الشعب.

مع تفجر الحراك الشعبي وبداية الثورة السورية عام 2011 وبالتزامن مع التطور التكنولوجي وسرعة انتشار المعلومات، ظهرت الحاجة الملحة لوجود أبحاث بعيدة عن سلطة النظام السوري تقدم الحقائق والأفكار للشعب وتم إنشاء عدة مراكز بحثية عملت على استقطاب الباحثين والعمل على تقديم بحوث متحررة من القيود ولكن:

هل هذه البحوث كافية من أجل تمكين مفهوم الدولة الحديثة ودراسة طبيعة الظرف السوري وخاصة أنها أُهملت بسبب تركيز الدعم في مسار السعي إلى تأمين الماء والغذاء للسوريين الذين تعرضوا للتهجير والمكوث في المخيمات على مدار السنوات، بالإضافة إلى الانشغال بالتركيز على الوضع العسكري؟

وما التحديات والصعوبات التي تقف عائقاً في وجه الأبحاث العلمية الأكاديمية من أجل تقديم نهج أكاديمي أكثر عمقاً يخلق تطلعات جديدة نحو سوريا الحرة بكل أطيافها المجتمعية؟

أدلجة العقول

يقول حسام درويش "الباحث في مركز الدراسات المتقدمة في العلوم الإنسانية والاجتماعية"؛ إن أهم نقطة تعاني منها البحوث هي المشكلات المعرفية الداخلية الموجودة في الأبحاث والنصوص التي تنتجها مراكز الأبحاث أو المؤسسات المهتمة بهذه المسألة في العلوم الاجتماعية والإنسانية وذلك بسبب هيمنة التوجه المعياري (الأيديولوجي) بطريقة تؤثر سلباً على المضمون المعرفي والوصف الموضوعي، بالإضافة إلى كونها موجهة غالباً بطريقة أحادية نحو هدف أيديولوجي معياري تسعى إلى تحقيقه بحيث إنها غير قادرة على النظر بطريقة موضوعية ومتوازنة في المسائل التي تتناولها.

ويشير الباحث إلى أنه ناقش هذه الفكرة بسبب حساسيتها الكبيرة في كتابه "المعرفة والأيديولوجيا في الفكر السوري المعاصر" لأنه يرى أن الفكر السوري في السنوات الأخيرة يعاني من مشكلة الآثار السلبية للحضور المعياري في النتاج المعرفي الذي يقدمه وخاصة بالنسبة للحديث عن الثورة، فبدلاً من وصفها كما هي يقوم بتصديرها كما يريدها هو أن تكون وهذا ما يجعله غير قادر على رؤية الواقع كما هو كائن.

ويضيف الباحث أنه يتفهم وجود بعد أيديولوجي في الأبحاث المعرفية واحتمال تعذر الوصول إلى الحقيقة المطلقة ولكنه يعتقد أن هذا البعد يحتاج إلى ضبط وإلا تحولت المعرفة إلى رغبات مبثوثة أكثر من كونها أوصاف لأشياء واقعية، لذا يجب أن ننتبه إليها في كل المؤسسات البحثية والدراسات الصادرة عنها ونعمل على محاولة الاقتراب من الحقائق وإيجاد قواعد تساعد في التنبؤ بنتائج الأحداث التي يراها جزءا كبيراً من طريقة البحث.

دعم و دراسات غير كافية لمستقبل سوريا

ويرى الباحث وائل علوان "مدير وحدة المعلومات في مركز جسور للدراسات" أن الدراسات والأوراق البحثية لم تكن كافية في ما يخص القضية السورية، وأن هناك نقصاً شديداً ليس فقط على مستوى الكم وإنما على مستوى النوع خاصة النوع الاستراتيجي والنوع الذي يحمل الاستشراف ويبحث في الموضوعات المهمة لبناء مستقبل سوريا.

ويبيّن علوان أن تسارع الأحداث منذ بداية الثورة السورية 2011 وكثرتها كان يشغل الباحثين في تحليلها على الصعيد الأمني والعسكري، ما سبَّبَ تراجع البحوث في الموضوعات الأخرى.

ويضيف أن هناك أنواعاً من الدراسات يجب أن يخصص لها الوقت والجهد وأن تتم رعايتها أكاديمياً لأنها بالفعل تخدم مستقبل سوريا، فبحسب رأي أغلب الباحثين في مركز جسور إن التركيز على تحليل الصراع لن يخدم المستقبل السوري بما يكفي بمقدار ما تخدمها الدراسات التي تُعنى بتفكيك الحاضر من أجل فهم أعمق واستشراف بناء المستقبل.

ويشير الباحثون في مركز جسور إلى أن هناك جانباً توعوياً كبيراً عن الأنظمة والحريات والمجالات التي يجب أن تُخلق لتقدم الفائدة للمجتمع المدني والمرأة والأطفال وجيل الشباب وكل ذلك يحتاج إلى أن يُفهم المجتمع السوري المتنوع على اختلافاته، وأن يتم العمل على الجانب التوعوي والاستشراف الاستراتيجي لهذه الجوانب بالأخص جانب التعليم وتطويره كمنظومة وآلية وليس فقط كمناهج وهذا ما تحتاجه الدولة الحديثة بشكل أساسي.

وعن دعم المؤسسات المختصة في الأبحاث العلمية يشير علوان إلى أنه ومن خلال تجربة الفريق العامل في المركز التمسوا أن المؤسسات الإعلامية والقطاعات الأخرى تلقت الاهتمام الأكبر، وبالتالي كان التمويل والدعم موجهاً لها أكثر بكثير مما خصص لدعم المؤسسات البحثية، مما أدى إلى تقليص الجهد البحثي الذي يحتاج إلى تهيئة الكوادر إذ يعاني المركز من إيجاد الباحثين المدربين ومساعدي الباحثين وخاصة في القطاع النسائي كما ينوه إلى حاجة ملحة للتطوير ورعاية الخامات الشابة وثقل مهاراتهم مما يعني توجيه البوصلة نحو دعم القطاع البحثي السوري.

أفرع مخابرات أكاديمية

يقول باحثو المركز إن المراكز البحثية التي يشرف عليها النظام أو يهيمن عليها من خلال أجهزته الأمنية ماهي إلا أفرع مخابرات لكن بصورة أكاديمية، وهذا جزء من التشويه لسوريا وبالتالي يرون أن المطالبة بتحرير سوريا من الأجهزة الأمنية والجيش ونظامها الاستبدادي لا يقل أهمية عن تحرير مؤسساتها الفكرية والإعلامية وجعلها بالفعل مؤسسات قادرة على النهوض بالمجتمع كي لا تبقى جزءًا من منظومة الاستبداد كما هو حالها اليوم.

مهام شاقة وصعوبات

يكشف الفريق البحثي في مركز جسور أنهم لا يعانون بشكل كبير من مشكلة الوصول للمعلومة على كل الأراضي السورية حتى في المناطق الخارجة عن سيطرة المعارضة ولكنها ليست بالسهلة إذ يعمل المركز على اتباع أساليب معقدة لمطابقة المصادر.

ويشير الباحثون إلى وجود مخاطر لا تزال قائمة على الشعب عموماً والمسؤولين ومختلف الشرائح المجتمعية خاصة في مناطق سيطرة قسد ومناطق النظام التي تسيطر عليها الأجهزة الأمنية بسبب وجود حالة خوف دائمة تعيق أحياناً القدرة السريعة للوصول إلى مصدر المعلومة.

وفيما يخص الإحصاء ينوه الفريق البحثي إلى أن المعلومات الإحصائية من أهم المعلومات التي تعاني سوريا من افتقارها، حيث إن النظام السوري ينشر الأرقام كما يريد وهو لا يتقن أساساً عملية الإحصاء وباستطاعتنا أن نعتبر الانتخابات السورية مثالاً حياً حيث تصدر نتائجها بناء على رغباته.

وبالتالي يعتبر المركز أن إجراء عمليات الإحصاء هو من المهام الشاقة والمتعبة على السوريين وينوه إلى أن كل المعلومات المتعلقة به هي تقريبية أو مأخوذة ضمن أدوات الواقع المتاح لكنه يرى أن عملية الإحصاء الواسعة جداً ذات الشكل العلمي لن تكون إلا باستقرار سوريا ووجود الإمكانية الفعلية للنهوض بها ولن يكون ذلك إلا بزوال النظام.

وعن توزع السوريين في عدة دول ومناطق، يرى الباحثون أن انتشار السوريين في بقعة جغرافية واسعة حول العالم لا يشكل مشكلة أساسية بالحصول على المعلومة فالدول التي لجأ إليها السوريون تعطي بيانات دقيقة وصحيحة نسبياً، وإنما المشكلة الحقيقية تكمن في السوريين الموجودين داخل مناطق سيطرة النظام، بالإضافة إلى الفوضى وعدم الاستقرار التي تشهدها مناطق النزوح والمخيمات، كما أن هناك عدداً كبيراً يخاف من تعبئة الاستبيانات أو المشاركة في تبادل بعض المعلومات والخبرات وحتى مع طلب عدم وضع معلوماتهم الشخصية مايزال الخوف يسيطر عليهم ،كذلك الأمر في مناطق سيطرة "قسد".

وفي مناطق المعارضة يقول المركز إن حالة عدم الثقة والقلق حول اختراق الخصوصية أو الوقوع في مشكلات أمنية ما تزال تسيطر على الناس خاصة أن الاستبيانات لا تُجرى بالمقابلة المباشرة ورقياً وإنما عبر وسائل التواصل (الاستبيانات الإلكترونية).

أما فيما يخص استشراف المستقبل، أوضح المركز أن قطاعات البحث العلمي والتعليم والتطوير والإحصاء هي من القطاعات المهمة التي يجب على السوريين أن يكونوا دائماً مستعدين لتطويرها خارج سوريا وداخلها وهي بحاجة إلى دعم كبير من المجتمع الدولي وهمة كبيرة من السوريين لأنها تلعب الدور الأساسي في التخطيط الصحيح لبناء سوريا المستقبل التي يريدها الشعب السوري وذلك من أجل تمكين مفهوم الدولة والتداول السلمي للسلطة والحصانة الدستورية واحترام القانون وعدم تأليه الأشخاص بالإضافة إلى الجوانب الإنسانية والتعليمية التي تحتاج إلى جهد وبحث علمي كبير.