مدينة "ستة أكتوبر".. دمشق الصغرى على أرض الكنانة

مدينة "ستة أكتوبر".. دمشق الصغرى على أرض الكنانة

السوريون في مدينة ستة أكتوبر
شارع السوريين في منطقة الحصري بمدينة "السادس من أكتوبر" في العاصمة المصرية القاهرة (الإنترنت)

تاريخ النشر: 18.03.2023 | 03:59 دمشق

آخر تحديث: 19.03.2023 | 11:09 دمشق

القاهرة - لجين عبد الرزاق دياب

في مصر "أم الدنيا" اعتاد الشاب السوري أحمد أن يبدأ صباحه في رش المياه أمام محله في مدينة "ستة أكتوبر" والتمتمة بأدعية الصباح والاستعداد لشرب فنجان القهوة مع جاره بائع الفول المصري.

يبيع أحمد منتجات سورية من أجبان وألبان ويقول لموقع "تلفزيون سوريا " أتيت إلى مصر في ٢٠١٣، وبدأت من الصفر، كان شعور الاستقرار صعباً في البداية، ولكن مع الوقت تعودت على المكان وشعرت بالألفة بين جيراني المصريين.

ويضيف أحمد، أشرب القهوة مع جاري حمادة كل صباح قبل زحمة الزبائن ونتشارك هموم الحياة.

على أطراف محافظة القاهرة، وسط أجواء هادئة بعيدة عن الاكتظاظ السكاني، اختار السوريون مدينة "السادس من أكتوبر" (ستة أكتوبر) ليعيدوا ترميم حياتهم التي دمرتها الحرب.

تاريخياً، ما جمع السوريين والمصريين أكثر بكثير مما فرقهم، وليس فقط العادات والتقاليد، والفن والجمال، حتى في السلم والحرب، وربما كانت مدينة السادس من أكتوبر جزءا من تاريخ مشترك عاش فيه الشعبان على قلب واحد، حيث تعود تسمية المدينة إلى حرب السادس من أكتوبر التي خاضتها سوريا ومصر ضد الاحتلال الإسرائيلي.

على مشارف المدينة تستشعر أنك في أرض سورية، وبعد أمتار قليلة تبدأ اللافتات بالظهور كإشارة على وجود السوريين “كالسوري والشامي والحلبي والدمشقي".

تجد أسواقا شبيهة بأسواق دمشق وطرق البيع وأسلوب التعامل حتى رائحة الأماكن، وسط ترحيب واحتضان من قبل المصريين.

السوريون يضفون طابعهم على المكان

أمام مطعم "روستو"، أحد أشهر المطاعم السورية وأقدمها في "ستة أكتوبر"، يقف عشرات الزبائن من مصريين وسوريين بانتظار طلباتهم.

يقول أبو إسلام أحد الزبائن المصريين، أحب الشاورما السورية التي تختلف تماما عن الشاورما المصرية، الأكل السوري بالعموم شهي جدا ونكهته غير المعتاد وأسعاره مقبولة، وأعتبره نوعا من التغيير.

ويضيف أبو إسلام، أصطحب عائلتي إلى هنا كل فترة ونتناول الطعام والحلويات ونقضي سهرة ممتعة.

بدوره حسين محمد أحد رواد المكان المصريين، يقول لموقع" تلفزيون سوريا" في البداية تفاجأت من الحيوية الموجودة في المكان، الشارع دائما مزدحم وهذا يدل على ذكاء السوريين وإتقانهم لعملهم.

ويضيف حسين أن السوريين أصحاب ضمير وغير مستغلين، بالعكس أسعارهم مناسبة للجميع مقارنة بجودة منتجاتهم.

المحال السورية في مدينة السادس من أكتوبر

تنتشر المئات من المحال السورية في مدينة السادس من أكتوبر، التي تشهد إقبالاً من المصريين وليس السوريين فقط.

وتتنوع المنتجات التي يبيعونها بين المطاعم والحلويات السورية، والبزورية، ومحال الأجبان والألبان، بالإضافة إلى محال الألبسة والمنسوجات والأحذية والعطور، والعديد من المقاهي.

زكريا أبو عامر (60 عاماً)، سوري يمتلك محال لبيع العطورات في مصر، يقول منذ عشر سنوات وأنا أسكن في "ستة أكتوبر" التي تحولت لبيئة حاضنة جيدة للسوريين.

ويضيف في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا"، أن الشعب المصري طيب وسهل المعشر كانوا عونا لنا في غربتنا.

ويتابع أبو عامر، أن الحكومة المصرية سهلت إجراءات الاستثمار كثيرا، والمصريون هم إخوة لنا، كانوا يأتون لمحلي لمجرد أنني سوري.

ويشعر زكريا بالفخر لأنه استطاع أن يبدأ من تحت الصفر، إلا أنه يملك الآن أكثر من سبعة محال موزعة في مدن القاهرة.

وسط أسواق المدينة تتعالى أصوات الباعة السوريين الذين لا ينفكون عن ترديد عبارات الترحيب التي تحسبها غزلاً في بعض الأوقات، مما يجذب الكثير من الزبائن إليه.

من جهته، سيد الدمياطي مصري وصاحب محل ألبسة وهو جار أبو عامر يقول، لم تتأثر تجارتنا بوجود السوريين، بل ازدهرت أكثر، حيث إننا تعلمنا الكثير منهم ومن أسلوبهم الجذاب في البيع.

ويضيف الدمياطي أن السوريين طيبون، لاتفارقهم الابتسامة برغم كل الظروف السيئة التي مروا بها وهو ما يميزهم، بالإضافة إلى نشاطهم الدائم، وقدرتهم على البدء من جديد.

على بعد بضعة أمتار، افتتح معتز شاب سوري محلاً للحجابات والمنسوجات السورية، بعد سنوات من العمل مع شركات خاصة إلى أن نجح في افتتاح محله الخاص يشبه محله الذي كان يملكه بالسيدة زينب في دمشق.

يقول معتز، على نقيض الدول الأخرى، مصر أزالت العقبات من أمامنا وكان المصريون إخوة لنا، أكثر من 70%من زبائني مصريون، هذا جعلني أشعر أنني في وطني ولست بغربة.

السوريون أحيوا "ستة أكتوبر"

على الرغم من أن مدينة السادس من أكتوبر كانت الوجهة المفضلة للسوريين منذ 2013، إلا أنها لم تكن كذلك بالنسبة للمصريين، حيث تعتبر  صحراء القاهرة التي حولها السوريون إلى دمشق الصغرى.

تقع على بعد نحو 35 كيلو متراً عن القاهرة، وتتبع إداريا لمحافظة الجيزة، فيها الكثير من المباني والعمارات والمحال التجارية، ولكن لبرودتها الشديدة وبعدها عن العاصمة لم تكن الوجهة المفضلة للمصريين، بل كان البعض يخشى الذهاب إليها.

مع توافد أكثر من مليون ونصف سوري إلى مصر، واستقرارهم في محافظات مصرية، استقر في السادس من أكتوبر النسبة الكبرى منهم، واتخذوها مكانا للاستقرار في رحلة لجوئهم المديدة.

أحدث السوريون طفرة في المدينة، وأضافوا ملامح سورية جميلة لها، وأصبح المصريون يتجهون إليها لوجود الأسواق والمحال السورية هناك.

"بيت العيلة" الذي يضم آلاف السوريين

أمام إحدى العمارات الموجودة في المنطقة، وقفت خولة تنتظر أطفالها وهم يلعبون في فسحة صغيرة للعمارة، وتقول خولة هذا المكان يجعلني أشعر بالأمان.

وتضيف، أتيت إلى مصر منذ عشر سنوات هاربة من القصف الذي تعرضت له مدينة دوما في ريف دمشق، وكان أقربائي قد سبقوني للاستقرار في مصر، وهم من أشاروا علي أن استقر مع زوجي وأبنائي في هذه "ستة أكتوبر"، حيث إن إيجار منزلي يناسب دخل زوجي.

وتتابع خولة حديثها، أبنائي يعيشون وسط بيئة سورية، ولم يتغير عليهم سوى المكان، هذا يجعلهم يشعرون بالأمان كأنهم في وطنهم.

بحسب خولة، فإن المصريين لا ينظرون إلى السوريين على أنهم لاجئون، بل إخوة وجيران لهم نتشارك الحياة بحلوها ومرها، هكذا أنهت خولة حديثها.

على مقربة من "ستة أكتوبر" يقع تجمع "بيت العيلة"، وهو مشروع سكني أسسته الحكومة المصرية في عام 2005، اختاره آلاف السوريون مكانا لإقامتهم، ويرجع السبب لرخص إيجارات المنازل، ووجود الكثير من المنازل المعروضة للإيجار مقارنة بغيرها من المناطق.

تسود اللهجة السورية في تجمع "بيت العيلة" وتجد فيها كثيرا من المحال السورية متعددة ومتنوعة، حيث تبلغ نسبتهم 80% من السكان.

وبدورها منة الله أحمد، مصرية تعيش في بيت العيلة، توضح أن جيرانها سوريون، وأنها اعتادت سماع اللهجة السورية، بل إن أبناءها أصبحوا يقلدون لهجة أصدقائهم السوريين.

وتضيف منة، أن السوريين أضافوا ملامح جميلة وجديدة للمكان، ووجودهم أضاف لنا الكثير، السوري صاحب ضمير، ومحب للعمل، لا يتأثر بموضوع البطالة، حتى لو اضطر أن يعمل بغير مهنته، هذا الشيء الذي دفع كثيرا من المصريين إلى أن يسلكوا هذا الطريق من أجل العيش.

فشل حملات الكراهية.. "السوريين منورين"

انتشرت، في عام 2019، حملة ممنهجة ضد اللاجئين السوريين في محاولة لإثارة الكراهية ضدهم، وفي الوقت نفسه انطلقت حملة مضادة لها حيث تصدر وسم "السوريين منورين مصر" الترند في البلاد.

وعلى الرغم من مرور أكثر من عشر سنوات على إقامة السوريين في الأراضي المصرية، ما يزال المصريون يرددون جملة "انتو منوريننا" كلما التقوا بسوري.

ورداً على الحملة وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كلمة للسوريين الموجودين في مصر قائلا: ليس لدينا مخيمات للاجئين، هم مواطنون وضيوف في مصر وكلهم يعيشون كالمصريين ولا تمييز بينهم وبيننا، يتعلمون في مدارسنا وجامعاتنا مجانا.

 

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار