محمد كنجو حسن: جزار الثورة السورية

تاريخ النشر: 20.04.2020 | 00:07 دمشق

في مطلع حزيران 2011 استقبل بشار الأسد عائلة الشهيد حمزة الخطيب، كما نقل التلفزيون الرسمي الذي أجرى لقاء سريعاً مع والد الطفل الذي قتل بعد أن اعتقلته قوات الأمن من محافظة درعا وخرج جثة مشوهة بشكل شنيع. قال الأهل إن الأسد طلبهم ليتأكد من هذه الحادثة المروّعة، وأنه قرر تشكيل لجنة للتحقيق في القضية والوصول إلى الحقيقة.

ستكون تلك أول فرصة يُطرح فيها اسم العميد محمد كنجو حسن، النائب العام العسكري، الذي سيكون محور اللجنة، وسيدفع باتجاه تغيير تقرير الطبيب الشرعي والبحث عمن سرّب الصور، لا عن المسؤولين عن قتل الفتى! كانت تلك فاتحة أعمال سوداء كثيرة سيقوم بها حسن في خدمة النظام الذي قدّم له الكثير خلال عقود.

ولد محمد حسن، الذي سيغلب عليه الاسم الأوسط العائد لوالده (كنجو)، عام 1957 في قرية خربة المعزة التابعة لطرطوس. درس الحقوق في جامعة دمشق، وتخرّج فيها بعدما حسمت سلطة الأسد الصراع مع الإسلاميين لصالحها في أوائل الثمانينيات، وأطلقت يد محكمة الميدان العسكرية في تقرير سجنهم أو إعدامهم، وهو الدور نفسه الذي سيقوم به حسن عقب اندلاع الثورة بعد ما يقرب من ثلاثين عاماً.

بدأ الضابط الشاب مسيرته المهنية في حلب بمنصب قاضي الفرد العسكري الثاني. وهناك فهم بسرعة المعادلة التي ستلازمه طيلة حياته، وهي ثنائية الأمن والمال. كانت المدينة، التي خرجت كسيرة من الأحداث الدامية الطازجة، تحاول ترميم اجتماعها وأعمالها، وكانت أجواء الأحكام العرفية المشددة ترشّح أي مخالفة تموينية للعرض على المحكمة العسكرية المرهبة، إذ كان قاضيها «الفرد» يستطيع توقيف المتهم بسهولة بالغة. وكان السؤال الثابت في حالات كهذه لا ينصبّ على العدالة طبعاً، بل كان سؤالاً عن الكلفة المتوقعة وعن «مفتاح» القاضي.

في تلك السنوات الثقيلة الطويلة كانت حلب في قبضة عدد من الأسماء المتداولة بتهيب. وأبرزها رئيس فرع المخابرات العسكرية، العميد مصطفى التاجر، ونائبه حسن خلوف الذي يصعب حصره برتبة، فقد عبَرت كتفه نجوم عديدة وهو في منصبه ذاته، بينما يعمل بدأب وهدوء على الإمساك بمفاصل المدينة ويصبح مرجعها. ففي حين اشتهر التاجر بوحشيته طرح خلوف نفسه كوجه ناعم. وبين الكثيرين الذين رعاهم كان النقيب محمد كنجو حسن أحد أفراد لوبي صغير من الضباط العلويين الموجودين في حلب. وفي حين عُرِف عدد من المحامين بوصفهم سماسرة لهذا القاضي العسكري، فإن الواسطة التي لا تُردّ هي تلك التي كانت تأتيه من مكتب خلوف.

في التسعينيات سيغادر محمد حسن إلى العاصمة مستشاراً في محكمة الجنايات العسكرية، متابعاً الدرس السهل وموسّعاً علاقاته. ثم سينتقل إلى النيابة العامة العسكرية التي سيترأسها حتى اندلاع الثورة.

في عام 2011 لم يكن النظام قد أسفر عن وجهه بشكل كامل، وكان يزاوج بين استخدام القبضة الأمنية والعسكرية وبين إجراءات إصلاحية شكلية تبدو وكأنها تتجاوب مع أبرز مطالب المحتجين. ومن ذلك أنه اضطر إلى الإعلان عن إيقاف العمل بحالة الطوارئ، وألغى محكمة أمن الدولة منشئاً محكمة الإرهاب لتحل مكانها، غير أن الأخطر كان تفعيل محكمة الميدان العسكرية.

أُسِّست هذه المحكمة عام 1968، بعد أشهر من إنشاء شقيقتها أمن الدولة. وجرى تفعيلها وتوسيع صلاحياتها منذ عام 1980 حتى 1992، ليحكم قاضيها الشهير، سليمان الخطيب، بإعدام عشرات الألوف. ثم لتهجع لسنوات طويلة، قبل أن ترد أول الأنباء عن تحويل متهمين إليها، في أيلول 2011.

ستتشكل الغرفة الأولى لهذه المحكمة من رئيس شكلي هو اللواء شيخ (الأب: جابر) الخرفان، من قرية المسرب بدير الزور، ومن العميد محمد (كنجو) حسن، كنائب عام متحكم ومقرر فعلي، ومن النقيب سامر عباس.

ويروي من مثلوا أمامها أنها مجرد غرفة مكتب حكومي ضمن حرم فرع الشرطة العسكرية بدمشق في حي القابون. وأن مدة الحكم فيها لا تتجاوز دقائق، يقرأ فيها النائب العام على المعتقل قائمة الاتهامات التي رتبتها له الأجهزة الأمنية. وحين يحتج الموقوف، وهو مكلبش اليدين إلى الخلف وفي حالة مزرية ظاهرة، أن هذه الأقوال انتزعت منه تحت التعذيب، يردّ العميد منكراً الضرب بحدّة، رغم أصوات صراخ المتهمين الآخرين الذين ينتظرون محاكمتهم، والتي تصل من الخارج وتُسمع أثناء المحادثة. الأحكام الصادرة بالغة القسوة، وتتراوح بين السجن لسنوات طويلة وبين الحكم بالإعدام الذي طال عشرات الآلاف أيضاً، وفق منظمات حقوقية. لا يُسمَح للمحامين بالتمثيل أمام محكمة الميدان، ولا تقبل أحكامها الطعن، ولا يشترط في أعضائها الضباط أن يكونوا حقوقيين، ولا تقيدها بأصول المحاكمات.

بعد عام سيتلقى حسن تهديدات بالقتل فينقل مقر «عمله» إلى بناء إدارة التدريب الجامعي ضمن المجمع الأمني المعروف خلف فندق الكارلتون

بعد عام سيتلقى حسن تهديدات بالقتل فينقل مقر «عمله» إلى بناء إدارة التدريب الجامعي ضمن المجمع الأمني المعروف خلف فندق الكارلتون، وإقامته من مدينة الهامة المنتفضة الخطرة بريف دمشق إلى نادي الرماية الحصين. وأثناء ذلك سيتهم قاضياً عسكرياً زميلاً من أصل درعاوي، هو النقيب نايف فيصل الرفاعي، بتسريب صور بعض أحكام الإعدام التي وقّعها إلى الثوار وإرشادهم إلى عنوانه. سيتعرض الرفاعي لتنكيل مريع في سجن صيدنايا، وسيمثل كذلك أمام المحكمة الميدانية، ثم سيُقتَل على يد أحد السجانين.

في نادي الرماية ستنشأ وظيفة جديدة لأسد حسن، شقيق محمد، بلقاء عائلات الموقوفين ومفاوضتهم. لن يكون أسد المدخل الوحيد لأخيه المتلهف إلى المال، بل ستشتهر في سوق المعتقلين أسماء عديدة ممن «يمونون» على القاتل السوري الأشهر في حينه؛ محامون وتجار وقضاة وضباط، سيضمنون استمرار دورة العمل حتى بعد مصرع أسد بتفجير حاجز بريف طرطوس عام 2016، وهو يقود مجموعته التشبيحية الخاصة.

01_0.jpg

سيصل المبلغ اللازم لإخراج أحد المعتقلين إلى عشرات آلاف الدولارات. لا وقت لدى القاضي ليضيعه في المساومة، فالخيارات أمامه كثيرة مع أعداد السجناء الضخمة، ولن يستطيع قبول العروض كلها أصلاً!

في 2013 رُفِّع محمد كنجو حسن إلى رتبة لواء، وصار رئيساً للمحكمة رسمياً. ومنذ مطلع 2017 يجري التمديد له سنوياً في منصبه كمدير لإدارة القضاء العسكري رغم بلوغه سن التقاعد. إنه ذراع موثوق ولن يعيبه أن يأخذ حصته من الفساد.

يصعب تقدير الثروة التي حصّلها حسن خلال السنوات العشر الماضية، لكن نقلة مالية نوعية تبدو على أسرته التي حرص على تقسيم العمل فيها؛ صهره القاضي مهند مصري كأحد أوثق أبوابه، وصهره الثاني المقدم أيمن إسمندر الذي نُقل إلى محكمة الإرهاب بعد سنوات من العمل قاضي فرد عسكري في القامشلي والسويداء. أما أولاده فقد حافظ عليهم بعيداً عن «أعمال العائلة» ودفعهم باتجاه مهن نظيفة، الصيدلة للإناث والطب البشري للذكور الذين تبعوا طريق والدتهم.

02_0.jpg

في المقابلات الصحفية القليلة التي أجريت معه يصرّ محمد حسن على أنه يؤدي مهمته وفق القانون المعتمد في البلاد، وينافح عن حق القضاء العسكري في محاكمة أي مدني «يعتدي على عسكريي الجيش». ينكر وجود الفساد في إدارته، داعياً من يزعم غير ذلك إلى تقديم شكوى، «ولا سيما أن أبواب الإدارة مفتوحة للجميع»، مؤكداً على إمكانية محاكمة كبار الضباط فلا أحد فوق القانون. مشدداً على أهمية مراسيم العفو المتكررة التي يصدرها الأسد. داعياً المتخلفين عن الخدمة الإلزامية والفارّين (المنشقين) إلى الاستفادة منها والالتحاق بالجيش، «فالخدمة العسكرية ضريبة وطنية»، خاصة أن ذلك يتم «دون أي كلفة مادية» لأن الجهات المختصة التي يسلم المواطن نفسه إليها هي المسؤولة و«المكلفة تأمينه من جميع النواحي». فضلاً عن شعوره عندها بالاستقرار، مما سيفيده و«ينعكس على محيطه الأسروي»، بعدما تخلص من كونه «من العاطلين في المجتمع» وتحول إلى «إنسان منتج هادئ ومطمئن»، منتقلاً من مجالسة «الأشرار» إلى صحبة «الأخيار». إذ لا شك أن «المطارد من العدالة» يعدّ «ناكلاً مخلاً» بواجبه القانوني والأخلاقي تجاه وطنه وشعبه، وبالتالي فهو يضع نفسه في خانة «المكروه» من المجتمع، أما إذا «سوّى وضعه وعاد إلى رشده» فإنه ينتقل إلى خانة «المحبوب». والفرق شاسع، يقول رئيس محكمة الميدان العسكرية، بين من يُعامَل كمكروه ومن يُعامَل كمحبوب!

"دخل الجمهور والفرقة بقيت في الخارج".. فيديو من حفل فيروز بمهرجان بصرى في درعا
درعا.. إصابة طفلين بانفجار قذيفة من مخلفات النظام الحربية
النظام يستبدل عناصر حواجزه في غربي درعا ويرسلهم إلى تدمر
كورونا.. 10 وفيات و468 إصابة جديدة شمال غربي سوريا
إغلاق شعب صفية في طرطوس بسبب كورونا
فحص جديد في مدارس سوريا بدلاً عن الـ PCR يظهر النتيجة بربع ساعة