ما مصير المخبرين والعواينية بعد رحلة اللجوء؟

تاريخ النشر: 18.09.2021 | 05:55 دمشق

آخر تحديث: 18.09.2021 | 05:57 دمشق

التقيتُ بعشرات المترجمين الهولنديين في اليوم التدريبي الذي أقدُّمه عن العادات والتقاليد والثقاقة واللهجات السورية، ومن ضمن الأسئلة التي نبني عليها حواراً هو: ما أغرب قصص اللاجئين التي تمرّ معك كمترجم؟

في آخر لقاء تدريبي، فاجأني مترجم هولندي من جذور مغربية عن حكاية لاجئ سوري كان يعمل مخبراً، والمفاجأة كانت أنه يريد أن يستمر بالعمل مع الحكومة الهولندية، وفق ما عرضه على محقّقي أسباب اللجوء.

يقول المخبر كما روى المترجم: بدأت حكاية عمله كمخبر من حاجته للعمل، فبعد أن رُفض طلبه للعمل في الجيش، نتيجة عدم امتلاكه المؤهلات البدنية، والنفسية، كما يقول، لجأ للعمل في الاقتصاد الرديف، وهو اقتصاد "البسطة" في منطقة البرامكة بمدينة دمشق من خلال بيع الجوارب والألبسة الداخلية الرجالية، غير أن موظفي البلدية كانوا يأتون على شكل (كبسات) ليجمعوا البضاعة ويصادروها، في الوقت الذي يفرّ فيه صاحب "البسطة" محافظة على سلامته البدنية، أو خشية اعتقال.

وقد لفت نظره أن عدداً من أصحاب البسطات يبقون في أمكنتهم، دون أن يقترب منهم عاملو البلدية، ولما سأل عن السبب قالوا له: إن لديهم ترخيصاً، وفي مسعى منه لتحصيل الترخيص، بدأ يكتشف تفاصيل المهنة التي لم يرد ذكرها في سجل المهن!

تبيّن لذلك الشخص أن الحصول على الترخيص ليس من دوائر المحافظة المدنية، بل من فروع المخابرات، وأن كل فرع له مخبروه، وفي رحلة البحث عن ترخيص، راح ذلك اللاجئ يكتشف تفاصيل كثيرة عن البنية العميقة للمجتمع السوري وعلاقته مع الدولة، وهاهنا توقف المترجم عن متابعة التفاصيل، كي يحافظ على قَسَمه بعدم البوح بمعلومات عن الأشخاص الذين يترجم لهم.

كان هذا الحديث مدخلاً لمناقشة فكرة العواينية والمخبرين في المجتمع الهولندي، حيث إن الشرطة لديها عيون في كل حي، وأن تقديم المعلومات للشرطة حول حالات تمسّ بأمن الحي يدخل في باب الواجب الوطني، كون العلاقة بين المواطنين والشرطة (الدولة بشكل عام) علاقة ثقة وتكامل، وليست علاقة تشكيك وأذى.

يحدّثني صديق أنه ذهب منذ سنوات لزيارة بلد أوروبي برفقة زوجته للمشاركة في مناسبة اجتماعية، وأنه أوكل أمر الاهتمام بأطفاله لسيدة تسكن بجانبهم، ستحضر إلى البيت عند مغيب الشمس، ومن حسن حظه أو سوئه أن ابنه البكر (عمره 16 عاماً) كان لديه موعد مع طبيب الأسنان، فما كان من الطبيب إلا أن سأل الابن عن أسباب حضوره وحده دون ولي الأمر، أو من يتولى رعايته، فأجاب الطفل بكل براءة أن والديه سافروا إلى بلد آخر مدة يومين.

يقول صديقي: ما إن وصلتُ إلى البلد الآخر حتى توالت الاتصالات من الشرطة، تسألني عن جهة سفري، وتطالبني بالعودة الفورية، وبعد عودة الصديق والتحقيقات المتتالية، تبين أن طبيب الأسنان هو من أخبر الشرطة، ولدى مواجهة الطبيب قال لهم: إنه فعل ذلك محافظة على سلامة الأطفال، وكان لوم الشرطة للأب والأم أنهم لم يؤمنوا الأطفال وهم تحت الثامنة عشرة، خاصة أن السيدة التي اتفقوا معها على النوم في المنزل مع الأطفال قد تأخرت عن موعدها، لعدم معرفتها بخطورة الأمر.

أول وصول اللاجئين إلى هولندا أو سواها من الدول الأوروبية يتم تزويدهم برقم لمنظمات مختصة تتلقى الدعم من الحكومة في حال تعرضوا للضرب، خاصة الأطفال أو النساء والواقع يقول: إن الحكومة تزرع مخبرين في كل بيت من خلال ذلك، لكن ليس للأذى من وجهة نظرها بل لرفع الأذى، بل إن الحكومة البريطانية أجازت للجهات المعنية أن يعمل الأطفال مخبرين على أهلهم في حال وجدوا خطراً أو تهديداً للأمن العام، وهناك مناقشات في هولندا حول جواز ذلك.

حدثني أحد العاملين في الهيئات السياسية السورية في إسطنبول أن كثيرا من العاملين معه يتولون إيصال محاضر الاجتماعات وتفاصيلها إلى السفارات المعنية، وأنهم يتلقون بسبب ذلك مكافآت مالية ودعم وهبات ووعود بجنسيات، وأن هذه السفارة أو تلك تقدم له ما يلزم من دعم، وفقاً لتبنيه لمواقفها أو ولائه لصوتها، أو وفائه لها.

ينظر المجتمع الهولندي إلى المخبر نظرة غير محترمة، خاصة بعد أن قام أولئك المخبرون بنقل أسرار المجتمع الهولندي إلى الجيش الألماني في مرحلة الحرب العالمية الثانية، بل إن معظم اليهود الذين تمّ الإمساك بهم واقتيادهم إلى المعسكرات النازية كانت بفعل المخبرين، بعد أن فروا من بيوتهم، وهناك عوائل توصف (على سبيل التصغير) حتى هذه اللحظة بأنها قامت بهذا الفعل الشنيع، على الرغم من شيوع قيم التسامح والمغفرة في المجتمع، لكن في الوقت نفسه يعتبر المجتمع الهولندي أن إخبار الدولة عن كل ما يهدد المواطنين أو أمن المجتمع واجب وطني يجب القيام به.

يحدثني صديق يقيم في هولندا أن زوجته فقدت عائلتها في قصف للنظام، وأن نُواحها الفراتي كان يقطع نياط القلب، خلال تلك الليلة الصعبة، غير أنه تفاجأ في صباح اليوم التالي بزيارة الشرطة لبيته، فرحَ بهم في البداية ظناً منه أنهم عرفوا، فجاؤوا لتعزيته، غير أنه اكتشف أن جاره حَسِبَ أنه كان يضرب زوجته (انسجاماً مع الصورة النمطية للشرقي)، ولما أوضح لهم الأمر، اعتذروا منه، بعد أن عزوا زوجته، وعادوا إلى عملهم.

الباحث في العلوم الاجتماعية يجد ندرة في الأبحاث المخصصة عن المخبرين، نظراً لسرية المهنة والعيب الاجتماعي، غير أن مسلسلات وأفلاماً كثيرة تناولت هذا الجانب تحت اسم (العميل) وهي مهنة موضع فخر واعتزاز، إن كانت العمالة تستهدف دولاً أخرى حيث تساهم مهمة العميل في إبعاد الأذى عن الدولة أو إعاقة مشروع ما في دولة أخرى، وإن كنا نلحظ التباساً في المفهوم الأخلاقي وحدوده والمراد منه بحيث يقع في منطقة من الصعب محاسبتها أخلاقياً، لكن "الإخبار"  موضع تحقير واستصغار إن كان داخل الدولة نفسها، أو الشريحة الاجتماعية، أو المديرية بما يسبب الأذى للآخرين، أما إن كان الإخبار يدرأ الأذى عن الآخر فمرحَّبٌ به، وهذا يدخل في إطار تعدد المفاهيم وتعقيدها وتنوعها وتغيرها والتباسها.

يحتاج القياديون عامة إلى من يوصل إليهم الأخبار التي لا تقال في الاجتماعات الرسمية، وكلما كانت شخصية القيادي ضعيفة أو مهزوزة يلجأ إلى أولئك المخبرين وغالباً ما يعاقب من يتناوله بذكر غير حسن، أما القيادي الواثق بنفسه فإنه لا يلتفت إليهم، ويتبع أسلوب الصراحة والتقييم الموضوعي للإحاطة بعمل من حوله، ويفتح أبوابه للمكاشفة.

استُعْمِلَتْ مصطلحات عدة للتعبير عن المخبر: (اللقلوق، الفسفوس، العوايني، الفسّاد، الدلّال، الوشّيش، الداسوس، الجاسوس، الواشي...).

رغبة ذلك المخبر اللاجئ، كما نقل المترجم، بالاستمرار بعمله في هولندا، لم تلق ترحيباً من الجهات المعنية ، ليس لسبب أخلاقي، كما تقول المقولات الأخلاقية الشائعة شرقياً عن أن الدول لا تحترم مخبريها، بل لأن الدولة الهولندية باتت تعتمد إلى حدّ كبير جداً على "المخبر الديجتال" وهو الموبايل وشبكة الإنترنت ابتداء من غوغل إلى السوشال ميديا، إلى بطاقة البنك والقطار والكاميرات المنتشرة في الأمكنة العامة.

بعيداً عن الحكم الأخلاقي - ولا شك أنَّ كل من يعمل بأذى الآخرين، أو التجني عليهم، أو التبلّي عليهم مهما كانت أسبابه أو أهدافه غير مقبول - فإن شيوع ثقافة المخبرين وتشجيعها في الأنظمة الاستبدادية لافتة، وتستحق الدراسة والبحث في أسبابها ومآلاتها وآثارها، وأثر الإفقار والحاجة في شيوعها.

"داعش" فتحت الباب واسعاً لكي تستعاد ثقافة المخبرين، وما الإنزالات الأميركية التي استهدفت قيادات بعينها إلا جزء من ترحيل مخبريها، بعد أن انتهى الاستثمار بهم، وشاهد معظمنا في الأيام الأخيرة ترحيل الآلاف من الأفغان، وقسم منهم كان يعمل عيوناً للدول الغربية.

في هولندا، حيث العلاقة الرائقة بين المواطن والدولة، المخبرُ الأهم هو مخبر دائرة الضرائب، في حال حاول رجال الأعمال الاحتيال على القانون بهدف تسديد ضرائب أقل، أو التهرب منها، وعلى موقع المخابرات الهولندية (AIVD) تعريف لمهنة المخبر والدور المنتظر منه.

ومن المهم الإشارة إلى أن تهمة "المخبر" تعدّ إحدى طرائق التنمر الرئيسية، أو الإساءة، فهناك أشخاص يريدون أن يسيؤوا للآخر عبر إشاعة معلومات مغلوطة عنه واتهامه بأنه مخبر لجهة أمنية أو لمدير أو لقيادي، مستغلين موقف المجتمع وعدم تدقيقه في سيرة الشخص، بعد إطلاق تلك التهمة عليه!

شركات تعمل على تطوير لقاحات مضادة لمتحور كورونا "أوميكرون"
"الصحة السورية" تطالب المواطنين بالحذر من سلالة "أوميكرون"
22 دولة تغلق حدودها خوفاً من انتشار سلالة "أوميكرون"
فيصل المقداد: لولا علاقتنا مع إيران لكانت الأوضاع ملتهبة في الوطن العربي
بين عالَمين
الرحلة الجوية الأولى لـ "أجنحة الشام" بين مطاري دمشق وأبو ظبي