ما بُني على باطل لا يدوم

تاريخ النشر: 17.05.2021 | 06:35 دمشق

تاريخياً، حلَّ الغرب مشكلته مع اليهود وتنظيمهم السياسي "الصهيونية" على حساب الشعب العربي وأرضه. سعى بداية لدى "الإمبراطورية العثمانية"، التي كانت تسيطر على أرضهم ومصيرهم، أن يقيم كياناً في الجنوب الغربي من بلاد الشام "فلسطين"؛ فلم يظفر بما يريد. أنجدت الغرب حربه العالمية الأولى بوعد قطعه وزير خارجية الإمبراطورية البريطانية "بلفور"؛ وكان للغرب والصهاينة ما أرادوا.

العرب، المنهكون من الاحتلالات، لم يكن بيدهم ما يفعلونه. قام الكيان عام ثمانية وأربعين؛ وكان أول المعترفين به "الاتحاد السوفيتي"، وأتت "الولايات المتحدة" ثانية. غذّى حال العرب السقيم الكيان الوليد؛ حيث أُحيطَ بسلطات عسكرية مرتبطة به. عام سبعة وستين، تمكن الكيان من احتلال أضعاف حجمه. تفاقمت قوته، وزاد دعمه؛ وكانت حماية حدوده بأيدي سلطات استبدّت بشعوبها، وخنعت للمحتل.

بالتنسيق بين الأسدية والخمينية، هدأت جبهة الجنوب اللبناني، بعد أن أنهى الأسد وحزب الله الإيراني أي خطر قادم من الشمال

بعد عقد من إنشائه، دخلت "الخمينية" على الخط. وبالتوافق مع حافظ الأسد أخمدت مخاوف "بن غوريون" الذي قال في مذكراته "إن الخطر على الكيان يأتي من الشمال". فكان للكيان، بفضل الأسد، وضع اليد على الجولان المنيع. وبالتنسيق بين الأسدية والخمينية، هدأت جبهة الجنوب اللبناني، بعد أن أنهى الأسد وحزب الله الإيراني أي خطر قادم من الشمال. بدورها دولة "خامينائي" وضعت يدها على قيادات "فلسطينية"؛ وبدأت رحلتها في السيطرة، ليس فقط على القرار الفلسطيني عبرها ومن خلال إغراءات خاصة رخيصة، بل على أربع عواصم عربية غير مريحة للكيان الصهيوني.

بقي الكيان الصهيوني غريباً عن محيطه. علاقته فقط مع قيادات نذلة عدوة لشعوبها. أما شعب المنطقة، صاحب الحقوق، فلا ينام على وجع. يؤمن بأن حقاً وراءه مطالب، لن يموت. بقيت فلسطين على جمر تحت الرماد. انتفض الشعب العربي الرازح تحت أنظمة الاستبداد. نجح نسبياً في أمكنة، وأُجهِظت محاولاته في أخرى. كانت الثورة الأطول عمراً في سوريا؛ فالنظام الاستبدادي القائم، كان محمياً وموصى به عالمياً من قبل الكيان الصهيوني، الذي يعرف بأن السوريين أشد شكيمة من أي جهة أخرى، لأنهم يعرفون أهدافه بعمق، ولا ينسون اغتصابه للجولان. حتى على الصعيد الداخلي السوري - الفلسطيني، تمَّ تسخير فصائل لأحمد جبريل وغيره لقتل أهلهم السوريين خلال انتفاضة سوريا على الاستبداد. وكان ذلك الجرح الأصعب في المأساة.

والآن، يقرر الكيان اقتلاع بعض العائلات الفلسطينية من بيوتها في القدس. وتتمترس تلك العائلات ببيوتها، فقضيتها قانونية بامتياز، وتستحق أن ينتفض لها أهل الأقصى؛ وتمترس المقدسيون بأقصاهم؛ فهاجمتهم قطعان المستوطنات. من جانبهم جملة من المأزومين أرادوا انتهاز هكذا انتفاضة لتبييض صفحاتهم. وكان أول هؤلاء "نتنياهو"، المطلوب قضائياً، والعاجز عن تشكيل حكومة؛ ولكن بمقدوره الدفع بقطعان المستوطنين وعساكره والبطش بالأقصى ومصليه وأصحاب القضايا القانونية. عندها انهمرت الصواريخ على الكيان في سابقة لم تحدث من قبل؛ والكيان الصهيوني كالعادة يقابل الحجر بصاروخ من طائرة f35.

والآن، الكل يتحدث عن ركب كثيرين هذه الموجة، وذلك بسبب مأزومية خانقة من محمود عباس ونتنياهو، اللذيّن تتعثر عودتهما إلى السلطة و"حماس" و"الجهاد الإسلامي"، ومصالحهما الخاصة، والأسد الذي يحتاج إزاحة النظر عن مسرحيته الهزلية في "الانتخابات"؛ مروراً - بإيران الخامينائية التي يعيش مشروعها الخبيث على دم الآخرين ودمائهم؛ وصولاً إلى بعض "عربان" يتراقصون بين تطبيع وضياع وعتب ورعب من إسرائيل وإيران وشعوبهم؛ وروسيا التي تستشعر مستلزمات الخروج خارج الحدود؛ وأميركا التي لا يحدث شيء في العالم، وخاصة هنا، إلا ويكون لها إصبع فيه.

واضح أن الكل تورّط: نتنياهو يعجز عن تشكيل حكومة، فيدخل حرباً علّها تعيده إلى السلطة؛ فالمحاكمات تلاحقه، وسفك دم أطفال فلسطين لن ينقذه؛ وها هو يجد نفسه وللمرة الأولى أمام حرائق في مركز الكيان، ورعب في عقول ونفوس كل إسرائيلي. وعباس يتراقص بين ضياع الصلاحية، واستحالة الاستمرار بالسلطة، ولوم الآخرين وخلبيّة صواريخهم. وقادة "حماس والجهاد" يعرفون أن دخول الحمام أمر، والخروج منه مسألة أخرى؛ وإيران سرعان ما ترمي أدواتها؛ وخاصة عندما تكون في عين الخطر؛ فمَن أشاح الطرف عن أفعالها في سوريا، لن يشيحه عن علاقتها بالصواريخ والتمويل، حتى لو زايدت أو تبرأت؛ فها هو حسن نصر الله يثبت أنه الأسرع بالانكشاف والانفضاح، عندما يتنصّل بسرعة البرق من إطلاق صاروخين باتجاه الكيان، وهو الذي لا حديث له سابقاً إلا التغني بالصواريخ. إنها التعرية الكاملة للجميع، وبشكل غير مسبوق.

إسرائيل لا تستطيع أن تكون إلاّ بغاية التوحش تجاه ما يحدث؛ وأكثر من أي وقت مضى

الرابح الأساس في التوتر القائم هو الحق والحقيقة. إسرائيل لا تستطيع أن تكون إلاّ بغاية التوحش تجاه ما يحدث؛ وأكثر من أي وقت مضى؛ ستتضح على حقيقتها: كيان احتلالي استعماري عسكري، اغتصب حق الآخرين؛ أرعبهم؛ وأرهبهم. وكل المحاولات الغربية التي سعت لتقدّيمها لمحيطها كدولة طبيعية، لم تفلح. فبيده، مثلاً، قَتَلَ الكيان الصهيوني موجة "التطبيع".

مِن جانب آخر، وأكثر من أي وقت مضى، يتكشف أولئك الذين تسلطوا، ودفّعوا شعوبهم وبلادهم أفدح الأثمان باسم "المقاومة والممانعة". أكثر من أي وقت مضى، سيتبع ذلك القلق والرعب المستمر داخل الكيان مستجدات لم يعهدها من قبل. فها هي أصوات، حتى داخل الكيان ذاته، تقول إن كل ما هو غير طبيعي، ومعاكس للمنطق ولسيرورة التاريخ مصيره غير مضمون. رغم الدعاية والمكابرة، معروف أن نشأة الكيان غير طبيعية؛ قام على استلاب الحقوق، أساسه كذبة، نهجه الإرهاب والإرعاب، حمته القوى الكبرى، أحاطته بسلطات استبدادية. وكل ذلك معاكس لصيرورة التاريخ والتطور الطبيعي والإنساني والأخلاقي. ما بُني على باطل لا يدوم؛ ولو طال الزمن.