لا عدالة ولا مساءلة.. ومصير قانون قيصر المجهول

تاريخ النشر: 28.01.2021 | 17:44 دمشق

أحد ملامح الاحتمالات الأكثر ترجيحاً للسياسة التي قد تعتمدها الإدارة الأميركية الجديدة في سوريا يظهر جلياً ومفصلاً في مقالة كتبها السيدان؛ الدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فلتمان ومدير برنامج حل النزاعات في مركز كارتر هرير بليان.

وفي تلك المقالة ذهب الكاتبان بداية إلى وصف السياسة الأميركية في سوريا منذ عام 2011 بالفاشلة في تحقيق نتائج إيجابية –باستثناء مواجهة تهديد داعش في شمال شرق سوريا- والدعوة لإعادة تقييم هذه السياسة، مع التأكيد على "إعطاء الأولوية للدبلوماسية لتعزيز مصالح الولايات المتحدة".

ولئن لخّصت المقالة المصالح الأميركية في سوريا بالقضاء على تهديد الجماعات الإرهابية، ومنع استخدام الأسلحة الكيماوية وانتشارها، إضافة إلى كون سوريا نقطة اشتعال للصراع بين القوى الخارجية، وأهمية عبء اللاجئين على البلدان المجاورة وأوروبا، وضرورة تخفيف معاناة ملايين المدنيين من نتائج الحرب والقمع والفساد والعقوبات.

فهي استندت إلى "معاناة المدنيين في سوريا" من خلال تحميل السياسة الأميركية الحالية (المقصود سياسة ترامب التي تمحورت حــول عــزل ســوريا ومعاقبتهــا) مسؤولية "شــل اقتصــاد البــلاد الــذي دمرتــه الحــرب بالفعــل"، دون النجاح وفقا للمقالة "فــي إحــداث تغييــر ســلوكي" مع وصف هذه السياسة بأنها فشلت في الضغـط علـى الأسـد لتغييـر الاتجـاه أو تـرك السـلطة، وتحميلها مسؤولية تعميـق اعتماد سوريا على روسيا وإيران.

وحمّلت المقالة العقوبات الأميركية والأوروبية مسؤولية "إحـداث نقـص حـاد فـي العملـة السـورية والمساهمة فــي انهيارهــا كامــلا، وهو ما كان قد نفاه الأسد ذاته عندما قال إن الانهيار سابق للعقوبات وناجم عن عوامل أخرى (الأموال السورية التي تم تهريبها إلى لبنان).

حمّلت المقالة العقوبات الأميركية والأوروبية مسؤولية "إحـداث نقـص حـاد فـي العملـة السـورية والمساهمة فــي انهيارهــا كامــلا، وهو ما كان قد نفاه الأسد ذاته

وحيث بات من الواضح أن الكاتبين في طريقهما للدعوة إلى تغيير السياسة الأميركية اتجاه النظام السوري القائم، فقد ذهبا إلى أن العقوبات "لــم تضعــف الدعــم الرئيســي للأســد مــن قبــل جمهــوره المحلـي ولـم تُغيـر سـلوك النخبـة الحاكمـة، كما وضعـت سياسـة العقوبـات الولايـات المتحـدة علـى الهامـش وجعلـت كلا مـن روسـيا وتركيـا وإيـران المتحكميـن الرئيسـيين بمسـتقبل سـوريا".

وعاود الكاتبان التركيز على العامل الإنساني بقولهما: "والأســوأ مــن ذلــك، أن العقوبــات المطبقــة علــى ســوريا تــؤدي بشــكل غيــر مباشــر إلــى عواقــب إنسـانية كبيـرة مـن خـلال تعميـق وإطالـة بـؤس السـوريين العادييـن"، مع اعتراف الكاتبين بأن مسـتغلي الحـرب قد تمكنوا من "تدميـر الطبقـة الوسـطى السـورية التـي تعتبـر عامـلا مهما للاسـتقرار والإصـلاح طويـل الأمـد"، وأنه "من الصعب الافتراض أن من يقود سوريا اليوم يعاني بسبب هذه العقوبات".

ويأتي هذا التركيز مع تجاهل لكون ممارسات النظام وداعميه ترمي للضغط على المجتمع الدولي للمساعدة في رفع العقوبات، وتجاهل آخر لكون معاناة "جمهوره المحلّي" كما وصفتهم المقالة هي معاناة شبه اختيارية، من خلال تأييدهم لنهج القتل والاعتقال والإخفاء القسري والتدمير والقمع والتهجير وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية الذي نهجته قيادتهم، وبالتالي ما نجم عن ذلك من أزمات النزوح المتكرر واللجوء إلى دول الجوار والدول الأخرى يسعى النظام و"جمهوره المحلي" لترسيخها خدمة لسياسة التغيير الديمغرافي والتغوّل على حقوق وملكيات المواطنين المهجّرين، تلك الحقوق والملكيات التي تجاهل الكاتبان كيفية التعامل المستقبلي معها.

وكانت المقالة قد انتهت إلى الدعوة لبــدء "عمليــة دبلوماســية جديــدة تهــدف إلــى تقديـم إطـار عمـل مفصـل لإشـراك الحكومـة الســورية فــي مجموعــة محــدودة مــن الخطـوات الملموسـة والقابلـة للتحقـق، والتـي فــي حــال تنفيذهــا، ســتقابلها مســاعدة موجهـة وإعـادة نظـر فـي العقوبـات مـن طـرف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي"!

كما تقدّم المقالة الإغراءات لنظام الأسد من خلال الدعوة إلى أنه "يجب على الولايات المتحدة النظر في إعفاء جميع الجهود الإنسانية لمكافحة كوفيد 19 في ســوريا مــن العقوبــات، كمــا يجــب أن يحظــى تســهيل إعــادة بنــاء البنيــة التحتيــة المدنيــة الأساسـية، مثـل المستشـفيات والمـدارس ومرافـق الـري بنفـس القـدر مـن الأهميـة، وسـيتبع ذلك تخفيف تدريجي وقابل للتغيير للعقوبات الأميركية والأوروبية".

وربطت المقالة هذه التقدمات بـ: "الإفــراج عــن الســجناء السياســيين، والاســتقبال الكريــم للاجئيــن العائديــن، وحمايــة المدنييــن، والســماح بوصــول المســاعدات الإنســانية دون عوائــق، وإزالــة مــا تبقــى مــن الأســلحة الكيميائيــة، وإصلاحــات القطــاع السياســي والأمنــي، بمــا فــي ذلــك المشــاركة بإيجابيــة وفعاليــة فــي اجتماعــات الأمــم المتحدة في جنيف، والقبول بالمزيد من اللامركزية".

 ومع أهمية هذه الشروط إلّا أن المقال يذكر صراحة أن "النهــج الجديــد لا يحاســب أي أحــد علــى الوفيــات والدمــار المروع في سوريا"، ويبرر ذلك بأن "النهج الحالي لا يفعل ذلك أيضاَ".

ويكتفي الكاتبان بأن السياسة المقترحة تحقق المصالح الأميركية! مع أن المقالة نفسها تقول أن السياسة المقترحة فيها لن تؤثر سلبا على "التحـدي الاسـتراتيجي المتمثـل فـي اصطفـاف سـوريا مـع إيـران وروسـيا"!

لقد بنى السوريون كثيرا من الآمال على دور عقوبات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في الضغط على نظام الأسد وداعميه، وفي تحقيق بعض العدالة لضحايا الإجرام الأسدي.

وفي الوقت ذاته، لم تفارق المخاوف السوريين نتيجة الصلاحيات الواسعة الممنوحة للرئيس الأميركي في قانون قيصر لناحية تخفيف أو رفع وإزالة بعض العقوبات التي قررها القانون في خطوطها العريضة.

واليوم ومع قدوم الإدارة الأميركية الجديدة، وتصاعد بعض الأصوات ضمن الولايات المتحدة للتخفيف من هذه العقوبات أو تأحيلها، ورفع الضغوط التي مارستها الإدارة السابقة على هذا النظام، فإنه بات لزاما على المعارضة السورية والقوى الشعبية أن تتصدى لهذه الدعوات.

ويساعد على ذلك أن المقالة فشلت في تقديم مسوّغ مقبول قانونيا أو أخلاقيا أو إنسانيا لتجاهل العدالة والمحاسبة وتحميل المسؤوليات، واكتفت بما خلاصته: "أخرجوا الحكومة السورية من الأزمة الاقتصادية، يكفي أن يقبل النظام بعودة اللاجئين ويطلق سراح من تبقى من المعتقلين، ويسلّم ما تبقى لديه من أسلحة وتجهيزات كيماوية، وليبقى نظام الأسد مع بعض التجميل في الحكم، وعفا الله عما سلف".