مستويات جديدة من الاستبداد وإنكار الواقع

2021.05.30 | 06:26 دمشق

173581-616358173.jpg
+A
حجم الخط
-A

ستعيش «سوريا الأسد» كما يحلو لبعض القوم فيها تسميتها مستويات جديدة أعلى، بل تكاد تكون الأعلى على الإطلاق من الاستبداد وإنكار الواقع.

فبشار الأسد ابن حافظ، ذلك الذي نشأ في قصر رئاسي وترعرع فيه خلال العقود الأولى من طفولته وشبابه، وحصل خلال ذلك على حظ وافر من دلال ومحاباة المحيطين به، ونفاق وتزلّف وصحبة الفتيات الجميلات والرفاق المرفّهين المدللين أبناء الطبقة المخمليّة من كبار مسؤولي النظام الفاسدين ورجال الأعمال المقربين، وفقا للصور المنقولة من تلك الفترة... مع كل ما مارسه هؤلاء من مغازلة ومداهنة ومجاملات لذلك الفتى البسيط في ملكاته العقلية -وفقا لذات الصور المذكورة- قد ترك أثره على نشأته وعلى أسلوب حياته فيما بعد.

لقد عمل بشار الأسد في الرئاسة على الإطاحة بمن حملوا اسم الحرس القديم، ثم أحلّ محلهم رفاق الطفولة والشباب كمحافظين ومديرين ووزراء أحيانا، كما استعان برفاق أخيه المتوفى باسل ولا سيما في المواقع العسكرية والأجهزة الأمنية.. ولا ننسى أن كل هؤلاء من رفاق الصبا والشباب قد عاشوا حياتهم في طبقة خاصة، منفصلين كلّياً عن الشعب وأفكاره وتطلعاته وآماله وأحلامه وآلامه أيضاً.

جعل نظام الأسد الأب من الفساد ظاهرة عامة منتشرة، لكن نظام الأسد الابن كرّس الفساد كأسلوب حياة وحيد ومتنفّس لها

وأثبتت ممارسات هؤلاء، بما فيهم بشار نفسه هذا الانفصال، فقد مارسوا الاستعلاء على عامة الناس، وتسلّطوا على أموال الدولة والمواطنين، ونسجوا العلاقات المالية مع حلقات مقرّبة مختارة تميّزها الانتهازية واستغلال سلطة القرار التي تمتعوا بها، وراحت قرارتهم تخدم مشاريعهم الخاصة، ومارسوا تبييض أموال المسؤولين الناجمة عن الفساد الذي باتت السلطة تمتدحه بقولها: «الفساد نظام حياة»!

وفي الحقيقة فقد جعل نظام الأسد الأب من الفساد ظاهرة عامة منتشرة، لكن نظام الأسد الابن كرّس الفساد كأسلوب حياة وحيد ومتنفّس لها، لذلك حافظ على رواتب وأجور العاملين في الدولة وعناصر أجهزة الأمن والجيش دون المستوى الحقيقي لتكاليف المعيشة، دافعا بهؤلاء إلى السعي لمصادر دخل إضافية مارسها معظمهم -بعلم السلطات- من خلال استغلال وظيفته العامة ومهمته المسندة له للحصول على العطايا والرشاوى، وصولا إلى عرقلة مصالح غيره من المواطنين لابتزازهم، ومن ثم اختلاق الجرائم ونسبتها إليهم لتجريدهم من أموالهم وممتلكاتهم.

ولئن كان يطول استعراض ما آلت إليه نتائج سياسات النظام هذه، إلّا أن بشار الأسد الجالس على قمة الهرم، والذي تصبّ جميع أقنية الفساد في حسابه نتيجة، كان لديه سلطة مستبدة تتعاظم وحساب يتضّخم وفقر شعبي يتفاقم. يترافق ذلك مع تجديد الولاية له بالأدوات والوسائل نفسها التي أجلسته على كرسي الرئاسة، دون خطط لحل المشكلات أو مساع لتخفيف الأزمات أو جدّية إصلاح تتجاوز الخطابات، وترافق ذلك جميعه مع بطش واستبداد وقمع متزايد. فالرئيس العاجز عن الخروج من جلده والتفوّق على ذاته والتغلّب على أمراضه النفسية وآفاته، كانت سياساته القائمة على القبضة الحديدية تثير النقمة العارمة وتبعث على توفّر مقومات الثورة، ولم يكن في ذلك كله بحاجة إلى «المؤامرة الكونية» «الممولة خليجيا» وتقوم بها «الجماعات الإرهابية»...!

المسؤولون جميعاً وفي مقدمتهم رئيسهم يعلمون أن علامات الحب والخضوع التي أظهرها الناس علامات كاذبة

لقد ازداد ضعف بشار الأسد عبر السنين وعجزه ومشكلاته النفسية وأمراضه، وتصدّى لذلك بتضخيم شخصيته و«الأنا» التي زرعها فيه دلال الصبا ونفاق الدوائر المحيطة بالمسؤول. ثم جاءت الثورة الشعبية، واستجداء التدخّل الإيراني والروسي، وتسلّط هؤلاء واستغلالهم، والمواقف الدولية المناهضة لسياساته، وشق بعض ميليشياته لعصى طاعته واستقوائهم بروسيا أو إيران.. جاء كل ذلك ليجعله ينشد الدعم المعنوي والنفسي من خلال مسرحية انتخابات هزيلة وهزلية، علّه يكون فيها -على ما فيها من علل- بعض الدعم المعنوي لنفسه الواهنة، وهذا ما ينشده جميع المستبدين الديكتاتوريين من تنظيمهم للانتخابات والاستفتاء، مع ما يشترطونه فيها من احتفالات مبالغ فيها تتخللها الطبول والدبكة والنخّ وتقبيل الصور والركوع والسجود لها والتأليه أيضاً.

وحيث إن المسؤولين جميعاً وفي مقدمتهم رئيسهم يعلمون أن علامات الحب والخضوع التي أظهرها الناس علامات كاذبة، وأن جروح هؤلاء وحاجاتهم ستعود إلى الظهور قريباً جداً، وأنهم عاجزين بمواجهتها، فإنهم وبعد انتهاء احتفالاتهم  يتابعون من جديد بطشهم واستعلاءهم بشكل يفوق ما كان سابقاً، دون التخلّي عن فسادهم الذي تقلّصت مصادر إشباعه بعد التنازل عن ثروات البلاد ومشاريعها، وتتضخم لدى زعيمهم عقده النفسية وأمراضه وذهانه، ويصل إلى مستويات أعلى وأعلى، وأحيانا الأعلى من التضخّم وطلب الخضوع والتعبّد وتقديم الولاء وتقبّل الآلام دون تذمّر، وإلّا فالحديد والنار والتعذيب والموت هو المصير.

وإن غداً لناظره قريب.