icon
التغطية الحية

قبيل الانتخابات..هل قلصت الحكومة التركية قدرة المعارضة على استثمار ملف السوريين؟

2024.01.06 | 05:05 دمشق

أنصار حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا (رويترز)
أنصار حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا (رويترز)
إسطنبول - حمزة خضر
+A
حجم الخط
-A

تستعد تركيا للانتخابات البلدية المقرر إجراؤها في 31 من آذار المقبل، حيث تتنافس الأحزاب التركية على مناصب رئاسة البلديات الكبرى والمناطق في 81 ولاية، في حين تتمتع المدن الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة وإزمير، بأهمية سياسية كبيرة، حيث تُعتبر مؤشراً على شعبية الحزب، ونتائجها مهمة لقراءة تطلعات المواطنين الأتراك في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

ويسعى حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، الذي خسر رئاسة بلدية إسطنبول وأنقرة في الانتخابات الأخيرة، إلى استعادة هاتين المدينتين، وهو ما أكده الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في كلمة ألقاها أمام أعضاء كتلته النيابية في البرلمان، ما جعل قرار الحزب في اختيار مرشحه لهاتين المدينتين سؤالاً ملحاً لدى الناخبين.

وأما أحزاب المعارضة، فتأمل في الفوز بالانتخابات البلدية، والحفاظ على مكاسبها التي حظيت بها خلال الانتخابات الفائتة، وخاصة في المدن الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة، إذ ترى أن ذلك سيعزز من فرصها في الفوز بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، وهو ما دفعها إلى إعادة طرح مرشحيها الذين يتولون إدارة المدينتين مرة أخرى.

وتبنت المعارضة التركية، المتمثلة في حزب الشعب الجمهوري (CHP) وحليفه في الانتخابات البلدية الفائتة، حزب الجيد (İYİ Parti) برنامجاً انتخابياً مبيناً على ملف اللاجئين السوريين خصوصاً والمهاجرين عموماً، خلال حملاتهم المشتركة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية السابقة، والانتخابات البلدية في عام 2019.

نية حكومية مسبقة لإزاحة اللاجئين من على رأس الأجندة

وتخطط المعارضة إلى استغلال استياء الرأي العام التركي من قضية اللاجئين، واستغلالها كنقطة ضعف للحزب الحاكم، إلا أن تسريبات نشرتها صحيفة (Türkiye) أشارت إلى أن العدالة والتنمية تسعى إلى إزالة ملف اللاجئين من على رأس قائمة الأجندة السياسية التركية، وذلك بهدف سحب هذا الكرت من يد المعارضة.

وذكرت الصحيفة في الخبر الذي نشرته مطلع شهر آب من العام الفائت، أن العدالة والتنمية يسعى إلى ذلك عبر فرض تعقيدات إدارية على السوريين ما يدفعهم إلى مغادرة البلاد عائدين إلى بلادهم أو نحو بلد ثالث، وذلك قبل موعد الانتخابات البلدية في آذار المقبل.

أوضحت الصحيفة نفسها في خبر نشرته في كانون الأول من العام الفائت، بأن وزارة الداخلية تعمل مع وزارات أخرى إلى تسريع إعادة 200 ألف لاجئ سوري إلى بلادهم خلال عام 2024، كجزء من استراتيجيتها الشاملة لإدارة الهجرة وأمن الحدود.

وبحسب مقارنة إحصائيات رئاسة إدارة الهجرة التركية الصادرة في بداية عام 2023 ونهايته، انخفض عدد اللاجئين السوريين الحاصلين على بطاقة الحماية المؤقتة في البلاد بـ 309 آلاف شخص، منهم 62 ألفاً في الفترة ما بين تشرين الأول وكانون الأول.

وتتبنى الحكومة التركية، عقب الانتخابات العامة في أيار من العام الفائت، سياسة أكثر وضوحاً فيما يخص الشائعات المنتشرة حول اللاجئين السوريين في عموم البلاد، ولعل أهمها تلك المتعلقة بإعفاء السوريين أصحاب المحال التجارية من دفع الضرائب أسوة بالمواطنين الأتراك.

وأكد وزير الخزانة والمالية التركي، محمد شيمشك، على إن السوريين يدفعون الضرائب على أعمالهم التجارية في تركيا، وذلك خلال كلمته أمام البرلمان التركي : "الأجانب المقيمون في بلادنا، إذا أسسوا شركات يخضعون لضريبة الشركات، وإذا فتحوا أعمالاً ومارسوا أنشطة شخصية فيها يخضعون لضريبة الدخل.. لا توجد أي استثناءات ضريبية موجهة للسوريين أو أي جنسيات أخرى".

ويعمل وزير الداخلية، علي يرلي كايا، على نشر معلومات تخص مكافحة وزارته للهجرة غير الشرعية في البلاد، وذلك عبر نشر العديد من التغريدات على موقع "إكس" والتصريحات التي يدلي بها في المؤتمرات، كان أهمها إعلانه عن توقيف 173 ألفاً و550 مهاجراً غير نظامي، ومغادرة نحو 187 ألفاً و479 أجنبياً مخالفاً البلاد طواعيةً خلال 180 يوماً من فترة تسلمه منصبه.

وأشار الوزير "يرلي كايا" إلى أن وزارته نفذت 3 آلاف و801 عملية ضد تهريب المهاجرين في جميع أنحاء تركيا خلال الفترة نفسها، والتي أسفرت عن اعتقال 6 آلاف و108 أشخاص، والتحفظ على ألفين و110 أشخاص منهم، وصدور قرارات الإشراف القضائي ضد 799 منهم. 

"المجتمع التركي بدأ في إدراك الحقيقة"

يرى الصحفي التركي، يلماز بيلغان، في حديث له مع موقع تلفزيون سوريا، أن ملف اللاجئين لم يعد رقم واحد على رأس الأجندة السياسية التركية، إذ يرى أن هذا الملف أصبح مبالغاً به من قبل البعض، وأن المجتمع التركي تعب من هذه القضية: "خلال الانتخابات الـ 3 أو 4 الأخيرة كان الموضوع الوحيد هو اللاجئين، والعداء ضد السوريين، إلا أن الناس بدأت تفهم بأن الأمور لا تسير بهذه الطريقة".

وأكد الصحفي "بيلغان" على أن السوريين لن يكونوا محور الانتخابات المقبلة، حيث إن جرائم الاحتلال الإسرائيلي في غزة، والرد الحكومي عليها، ستكون محور الانتخابات المقبلة، بالإضافة إلى موضوعات أخرى مثل محاربة حزب العمال الكردستاني (PKK) في شمال سوريا والعراق، وتنظيم الدولة (داعش).

وأوضح "بيلغان" أن موضوعات أخرى تشغل بال الناخبين في الفترة المقبلة أكثر من ملف اللاجئين: "الاقتصاد سيكون العامل الحاسم، لأن الناس لم تعد قادرة على التفكير في اللاجئين بسبب الزيادات الهائلة في التكاليف والوضع الاقتصادي غير المستقر، ومع تغير مستوى الوعي، تغيرت أيضاً أولويات تركيا، وتحول اهتمام الناخبين إلى مخاوف أخرى".

وأشار الصحفي إلى أن وجود أشخاص مثل أوميت أوزداغ زعيم حزب النصر (Zafer Partisi) أسهموا في خلق مشكلات حول قضية اللاجئين، إلا أن تأثير هذه المحاولات بدأ بالتراجع بسبب تغير الظروف بالنسبة للمجتمع التركي، إذ لم يعد السوريون في صلب النقاش.

وأضاف: "أتوقع بأن عملية (أمنية) ستحدث متعلقة بـ أوميت أوزداغ لأن الأمور تغيرت، إذ أدرك المجتمع أن القضية لم تكن تتعلق فقط باللاجئين والعرب، وإنما هناك كراهية الإسلام، الناس بدأت في رؤية هذه الحقيقة، التي كانت غائبة عنهم في البداية".

ماذا عن تمسك المعارضة بملف اللاجئين السوريين؟

تبنى أوزغور أوزال زعيم حزب الشعب الجمهوري (CHP)، ورئيس بلدية إزمير، تونج سويار، خبراً نشره موقع (YeniÇağ) المعروف بمناهضته للاجئين، عن بناء روضة للأطفال السوريين في حديقة مدرسة "بورنوفا أناضولو" الثانوية في إزمير، إذ تداول الطرفان هذا الخبر عبر صفحتهما الرسمية.

وعقب نشر الخبر، نفى مركز مكافحة التضليل التابع لرئاسة دائرة الاتصال التركية، الادعاءات التي تبناها "أوزال" مشيراً إلى أن المشروع يهدف إلى بناء عدة أبنية تعليمية، بما فيهم روضة لأطفال المنطقة، إلا أن رئيس بلدية إزمير التابع لحزب الشعب الجمهوري أصدر قراراً بإيقاف المشروع على الرغم من موافقة بلديته المسبقة عليه ضمن خطة "إنشاءات إزمير لعام 2023".

وأعاد رئيس بلدية إسطنبول الحالي، ومرشح الشعب الجمهوري للمنصب نفسه، أكرم إمام أوغلو، ملف اللاجئين وطالبي اللجوء إلى الواجهة عبر طرحه في حوار متلفز على شاشة (SZC TV) التركية في نهاية العام الفائت، معتبراً أن وجودهم سيتسبب بمشكلات كبيرة للبلد بعد 30 إلى 40 عاماً المقبلة.

وادعى "إمام أوغلو" أن تركيا استقبلت أكثر من 7 ملايين لاجئ، وأن إسطنبول وحدها، التي يرأس بلديتها الكبرى، استقبلت ما يقرب من 2.5 مليون لاجئ: "عرضنا المدينة وبلدنا للخطر من خلال جر هؤلاء الناس إلى هنا بهذه الطريقة والاحتفاظ بهم بهذه الطريقة".

وأصدر حزب الشعب الجمهوري، منتصف شهر كانون الأول من العام الفائت، قائمة المرشحين في الانتخابات المحلية، والتي كانت تتضمن اسم رئيس بلدية بولو الحالي، تانجو أوزجان، المعروف بعدائه للأجانب عموماً، والسوريين خصوصاً، وذلك بعد العفو عنه من قبل إدارة الحزب الجديدة بوساطة من أكرم إمام أوغلو، وإعادته إلى الحزب مرة أخرى.

واشتهر "أوزجان" بتصريحاته المعادية للاجئين السوريين، حيث تفاخر في إحدى المناسبات بانخفاض أعداد اللاجئين في مدينته، مشيراً إلى أنه لن يبقي على أحد منهم في حدود ولايته: "قلنا سابقاً إننا سنخرج اللاجئين، وبفضل الله، انخفض عدد اللاجئين من 19 ألفاً إلى 4 آلاف حالياً، نأمل ألا نترك لاجئاً واحداً في بولو خلال الأيام والأشهر والسنوات القادمة".

تفكيك الآلة الإعلامية أضعف الخطاب المناهض للاجئين

كشفت المديرية العامة للأمن التركي، في حزيران من العام 2022 عن عدد حسابات مواقع التواصل الاجتماعي الوهمية التي تديرها أجهزة حاسوبية، حيث قالت إنه قد نُشر 145 مليون تغريدة عبر 12 مليوناً و 479 ألف حساب في تركيا خلال شهر أيار من العام نفسه، وأن 52 في المئة من الحسابات المتفاعلة كانت وهمية "بوت" تدار من قبل أجهزة حاسوب.

وترافق مع هذه الحسابات ظهور مواقع تركية مناهضة للاجئين السوريين في تركيا، إلا أنه في شهر أيلول من العام الفائت، أصدر مكتب المدعي العام في أنقرة قراراً باعتقال 27 في 13 ولاية تركية، يمتلكون صفحات ومواقع إخبارية مناهضة للاجئين السوريين، وذلك بتهمة "استفزاز الجمهور إلى العداء والكراهية" و"نشر المعلومات المضللة" على وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام خطب الكراهية.

وفي السياق نفسه، ألقت السلطات التركية القبض على رئيسي حزب النصر (Zafer Partisi) في ولاية قيصري، حجي علي دمير كايا، ورئيس الحزب في صمنداغ، صبحي يلدز، بتهمة الحض على الكراهية عبر تصريحاتهما على وسائل التواصل الإجتماعي.

وبحسب صحيفة (Yeni Şafak) التركية، فإن "يلدز" و"دمير كايا" كان يديران حسابات رئاسة الحزب في مناطقهما، ونشرا العديد من المحتويات التي تتضمن معلومات مضللة بحق اللاجئين عقب الزلزال في 6 من شباط 2023، وكانا في طليعة حملات التشويه التي تستهدف اللاجئين، مشيرةً إلى أن عملية الاعتقال جاءت عقب توجيه تهم "التحريض على الكراهية والعداء بين الناس أو الإهانة" و"نشر معلومات مضللة للعامة علانية".

وشكلت هذه الاعتقالات تحولاً أدى إلى انخفاض الأخبار الزائفة المتعلقة باللاجئين السوريين، وساعد الحكومة أيضاً في إزاحة ملف اللاجئين، الذي كان "واحداً من أكثر القضايا التي واجهتها الحكومة في الانتخابات العامة" الفائتة بحسب مصادر من العدالة والتنمية، من على قمة الأجندة السياسية التركية، إذ إن تراجع الأداء الإعلامي المناهض للاجئين السوريين ربما يضعف من قوة وصول خطاب المعارضة إلى شرائح الناخبين.

ما فرص المعارضة في استغلال ملف اللاجئين؟

قال الصحفي التركي، رمضان بورصة، إن أحزاب المعارضة، التي كانت قوية في الانتخابات العامة، لن تتمكن من جعل مشكلة اللاجئين قضية رئيسية في الانتخابات المحلية المقرر إجراؤها في 31 من آذار، موضحاً بأن رؤساء البلدية الذين سيتم انتخابهم ليس لديهم السلطة القانونية لاتخاذ قرارات بشأن مشكلة اللاجئين، والتي تقع ضمن نطاق الحكومة المركزية.

وأضاف "بورصة" في حديث له مع موقع تلفزيون سوريا: "نظراً لأن مشكلة اللاجئين خارج نطاق قرارات الإدارة المحلية، ستواجه أحزاب المعارضة صعوبة في جعل قضية اللاجئين موضوعاً رئيسياً في البلاد إلا إذا كانت القضية مبنية على أساس تكهنات أو تلفيقات".

وأوضح "بورصة" أن تصريحات وحملات الانتخابات لجميع المرشحين ستختلف بسبب الخطوط السياسية لأحزابهم: "إذا فكرنا في أن المعارضة لن تشكل تحالفاً، أي أن حزب الخير، حزب النصر وحزب الشعب الجمهوري سيدخلون الانتخابات بمرشحيهم الخاصين؛ يمكننا القول إن مرشح حزب الشعب الجمهوري، أكرم إمام أوغلو، لن يركز كثيراً على مشكلة اللاجئين، وسيتبع استراتيجية مماثلة لتلك التي استخدمها في انتخابات 2019".

وتطرق "بورصة" إلى حزب النصر الذي قرر دخول الانتخابات المحلية في عدة ولايات تركية، قائلاً: "قد يرغب حزب النصر، خاصة في إسطنبول وغيرها من المدن، في تحويل الانتخابات المحلية إلى فرصة للانتخابات العامة المقبلة وللسياسة العامة، لذلك قد يواصل سياسته المعادية للمهاجرين".

وأشار الصحفي التركي "بورصة" إلى أن حزب الجيد، الذي جعل قضية اللاجئين موضوعاً رئيسياً في الانتخابات العامة، قد ابتعد عن هذا الموضوع اليوم، وذلك لأنه "تقريباً كل يوم هناك استقالات متتالية من حزب الجيد، ونظراً لتعامله مع مشكلاته الداخلية، أصبح غير قادر على إنتاج سياسة، ولهذا السبب، قد يفضلون تطبيق السياسة لتحقيق النجاح المحلي وتنظيم الأمور داخل الحزب خلال فترة الانتخابات المحلية".

ويرى "بورصة" أن المشكلات المحلية ستكون أكثر بروزاً، وهو ما سيؤخر ملف اللاجئين السوريين في الانتخابات المحلية كما هو الحال في الانتخابات العامة، وهو ما يوافق رغبة الحكومة أيضاً في تحييد ملف اللاجئين السوريين في فترة الانتخابات المحلية المقبلة.