في شأن صناعة التاريخ بالأقدام

تاريخ النشر: 03.12.2022 | 04:59 دمشق

آخر تحديث: 03.12.2022 | 05:09 دمشق

الكرة آلة لهو ولعب وقد أضحت سلاحًا ذا حدين، لكن كيف وحدودها متساوية البعد عن المركز؟ يحتار بعض أصحاب الرأي في شأن الكرة، أهي رياضة أم سياسة؟ أيحبّها الطغاة أم يبغضونها؟

زعم حافظ الأسد حبّها حتى نسب إليها الحياة فقال: إنّ في الرياضة حياة، وكان يصدُّ كل حياة، وتمنيت لو أن صحافيًا من عشاق الرياضة جمع لنا مخازي الرياضة في عهده في كتاب، ولكن الأسد كان أذكى من القذافي، الذي كان يناوب بين تحريم الرياضة والقبول بها على مضض، فمن تريّض فقد خان، أما في مصر، في عهد رئيسها الكمساري، فقد باتت فرق كرة القدم تلعب سرًا من غير جمهور وراء أسوار الملاعب، خوفًا من المظاهرات، أما رئيس كوريا الذي يحكمها بعقيدة الزوتشي، حيث الزعيم هو خالق الوطن، فيعلن في نشرات أخباره أن فريق كوريا الشمالية فاز بكأس العالم لكرة القدم، وقد قامت الرياضة مقام الدين أو تلبست به، وأحيانًا الأفيون، فهي عند بعض أهل العلم والحكمة مخدّر، وعند بعضهم رابطة قومية أو وطنية أو قبلية، لم تشدُّ من  أواصر العصبيات. فالكرة يمكن أن تملأ بالهواء، ويمكن أن تملأ بالوطنية أو بالقومية، وأن تملأ بالإعلانات التجارية، أو بالكراهية أيضا، فالحب يعني الكراهية، والدين أحيانا فاللاعبون يدخلون الملاعب بالصلاة وبالأدعية وفي بعض البلاد بالتمائم السحرية.

إن العقول والأقدام تنزح إلى بلاد الغرب لما يجدونه من تكريم وحفاوة لا يجدونها في بلادهم التي تقدس الزعيم وحده مالك الوطن ومالك الفريق وكابتنه وحارس مرماه

لكن الإعلام العربي والجمهور العربي يعاملها وكأنها كل المنهاج، وليس مادة من المنهاج، أما الفرنجة فقد أولوها عناية شديدة، فهي مادة لا تقلُّ منزلة عن مواد اللغة والفيزياء والطب، وهي أصلا عرض مسرحي، والمستعمرون يجتذبون المواهب من المستعمرات والبلدان الفقيرة ويجعلونهم أمراء ونجومًا. بل إن العقول والأقدام تنزح إلى بلاد الغرب لما يجدونه من تكريم وحفاوة لا يجدونها في بلادهم التي تقدس الزعيم وحده مالك الوطن ومالك الفريق وكابتنه وحارس مرماه.

قلنا إنَّ الرياضة فن وعلم في أوروبا، وفي فلم المجالد (اسم الفلم عربي) مثال عن ضرورة إتقان القيصر الرياضة والمصارعة، يضطر ملك الرومان كومودس إلى مجالدة قائد جيشه ماكسيموس، وهو يعلم أنه ليس له بكفء، فيتظاهر بمعانقته ويطعنه في ظهره، ثم ينازله، ومع ذلك يخسر المصارعة، أما الرئيس العربي، فهو يقوم بتعقيم الرياضة بالعبث بنتائج الدوري، أو إلغائها، أو تعطيل المباريات، خوفًا على الأمن المجتمعي الهش من الخصومات المحلية والولاءات الطائفية. وقد ينفق الدكتاتور أموالًا كثيرة على الفريق الرياضي الوطني، لكنه قلما يحصد غلالًا وطنية، لأنه ينفق على فريق واحد وليس على رياضي الشعب، كما تفعل دول أوروبا.

أما أهم أسباب حبِّ الشعوب للكرة، فهو أنَّ الحياة صراع، وكرة القدم خير من مثلت الصراع والحرب، وحكومة الفيفا العالمية تدرك ذلك وتستغله إلى حده الأقصى، وتعلم أن الكأس سيكون من حصة شعوب الصف الأول بالقسمة السياسية، وظاهر الصراع الكروي عادل، فليس للدول حق الفيتو، والخداع في كرة القدم يقلُّ إلى حده الأدنى حتى أنهم وضعوا تقنية "الفار" التي تعادل محكمة النقض لمراجعة أحكام حكم المباراة، لكن في اللعبة خداع ومقاولات ونخاسة وتجارة ورقيق أيضًا.

أما الذين يطالبون صباح مساء بفصل الرياضة عن السياسة، فهم واهمون، فقد وضعت لتعويض الصراع السياسي في الحديقة الخلفية للسياسة، بل إن كل ألعابنا صراعية حربية، من الكوتشينة إلى الشطرنج.

ولو أجازت حكوماتنا اللعب ويسّرته لنا، وأطعمتنا من جوع، وآمنتنا من خوف، وبنت لنا الملاعب، للعبنا وانتفعنا صحة وأبدانا، انظر إلى الأوصاف الحربية التي يغدقها التعليق الرياضي على اللاعبين: أبطال، مقاتلون، قذيفة صاروخية، ملحمة كروية. قد يقع في اللعبة ضحايا من المشجعين، وقد تجرّ إلى حروب، وقد وقعت حروب ونشأت أحقاد بسبب الكرة وهي دائما عند المعلقين وفي الإعلام: تصنع التاريخ!

انظر إلى أسماء فرقنا: أسود الأطلس، نسور قرطاج، أسود الرافدين، ثعالب الصحراء، عيال زايد (نوع من الوحوش)، وهي ألقاب وأوصاف جمعت فيها ألقاب وحوش الغاب، وعتاد التاريخ، أما فرق الخصوم، فلا يضيرهم أن تقتبس ألقابهم من أشهر تقاليدهم الاجتماعية أو الصناعية، مثل؛ الماكينة الألمانية، أو حتى من ضروب الرقص مثل: فريق التانغو، فريق السامبا! وهؤلاء من سادة الكؤوس وأبطال العالم في الملاعب! بينما أقصى طموح لنا هو الوصول إلى دور الثمانية الذي لم نبلغه قط! أغلب الطرائف عن المونديال هي عن خصومات الأزواج مع زوجاتهم على مشاهدة المباريات، فهي مباريات ذكورية، وإن النساء يستخففن بعقول الرجال وهياجهم، وتحطيم الكؤوس والنوافذ والأبواب فرحًا بتحقيق هدف أو إضاعة هدف، إنهن لا يعلمن أن الرجال يتوقون إلى الطعان والنزال ومقارعة الأبطال.

فرقنا الرياضية لا تملأ العين، وهي في كأس العالم تنهزم من المرحلة الأولى، أما جيوشنا فقد خسرت جميع الحروب. الكرة تساعد على التذكر وأحيانًا النسيان

لكن حيواتنا مهدورة في تحقيق هدف وحيد وهو اللقمة في مرمى الفم، أما الخصوم فهم أهل جد وتشمير، جدّهم جدّ، ولعبهم جدّ، ويحاربون في اللعب كما يحاربون في الجدّ، والنصر حليفهم، فلن تُغلبَ شعوب قسمت حيواتها بين الجدّ واللعب.

أما سبب انصراف شبابنا إلى ولاية فرق أجنبية ومحضها الحب، فهو ملء الفراغ الحربي الذي سيملؤه فريق ما، ففرقنا الرياضية لا تملأ العين، وهي في كأس العالم تنهزم من المرحلة الأولى، أما جيوشنا فقد خسرت جميع الحروب. الكرة تساعد على التذكر وأحيانًا النسيان.

سيقولون: انظر إلى التضامن مع فلسطين ومقاطعة إسرائيل، وهو أمر حسن، لكنه لن يمنع هدم بيت في فلسطين، ولن يكسر حاجزًا بين بلدين عربيين. كرة القدم قد تصنع التاريخ ليوم أو يومين، ولا تاريخ من غير جغرافيا أو علوم أو آداب. التاريخ لا يصنع بالأقدام وحدها.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار