"غَيْبون الملك" سوريا بلا مفاتيح

2023.06.22 | 06:35 دمشق

آخر تحديث: 22.06.2023 | 06:35 دمشق

"غَيْبون الملك" سوريا بلا مفاتيح
+A
حجم الخط
-A

لم يكن ليخطر ببال أي أحد، أن تتحول حكايةٌ تنطوي على الكثير من "الفانتازيا" المبالغ بها، إلى حدث واقعي. أكتب هنا عن مسرحية الأخوين رحباني "ناطورة المفاتيح". شعب بكامله يرحل ويهجر وطنه الأم في تلك المسرحية! تخاطب "زاد الخير" الملك "غيبون" بعد أن حاول التنصل من أنه لم يطلب من أحد الرحيل، بقولها إن ظلمه هو من دفعهم للرحيل، وتذهب في الشاعرية المألوفة للمسرح الرحباني، للقول إنها في كل ليلة تراهم وهم تائهون، تحت النجوم بلا طعام ولا ماء. يرتاد أطفالهم برك الماء ليلاً، ليشربوا ثم يهربون كالغزلان المُستنفرة. يقطعون الأنهار والطرقات المهجورة تحت الليل، ليصلوا إلى أمكنة لا يطولهم فيها الخوف ولا التهديد.

بقراءةٍ سورية لما نحن عليه منذ أكثر من عقد، سنجد أن ما أنتجه الإبداع الرحباني من خيال، قد تحول إلى واقعٍ لسوريين يقطعون الدروب والأنهار ومعابر التهريب والبحار، من أجل النجاة بأنفسهم وبأطفالهم. في حادثة سفينة اليونان الأخيرة يتم الحديث عن أناس بقوا بلا طعام ولا ماء لأيام. يُقال إن بينهم حوالي مئة طفل، غامروا بكل شيء في رحلة انتحارية كي يفرّوا بأنفسهم وبأولادهم، ويصلوا إلى أماكن لا يطولهم فيها ظلم، ولا يشاركهم فيها قوتَ أبنائهم لا الملك ولا "أبناء خالته" كما ورد في المسرحية.

بقليل من الخيال يمكن التصور أن ما كان يعتبر وطناً لملايين السوريين منذ آلاف السنين، سيغدو بعد سنوات قليلة، مجرد مصنع مسوّر للكبتاغون، تديره مافيا مختصة تتابع توريد سمومها إلى أربع جهات الأرض

لم تفرغ سوريا من كامل مواطنيها بعد، ولكنها على وشك ذلك. لا يوجد سوري إلا ويعرف عن سوريين آخرين يبيعون كل ما يملكون، ويخاطرون يومياً بأرواحهم وأرواح أطفالهم، للنجاة من أرض تحولت خلال عقود إلى بيئة طاردة للسكان. بقليل من الخيال يمكن التصور أن ما كان يعتبر وطناً لملايين السوريين منذ آلاف السنين، سيغدو بعد سنوات قليلة، مجرد مصنع مسوّر للكبتاغون، تديره مافيا مختصة تتابع توريد سمومها إلى أربع جهات الأرض، على مرأى من المحيط الإقليمي والدولي. أما ما حدث من جرائم وما زال يحدث ويصيب الناس في حياتها، فهي في حسابات السياسة والاستراتيجيات الدولية مجرد أضرار جانبية، ولنا في التاريخ أمثولات لا تعد ولا تحصى.

تكشف وثيقة من أرشيف الأمن القومي الأميركي، رُفعت عنها السرية صيف عام 2016، عن معلومات حول ما سمّي "عملية مفترق الطرق" عام 1946. يومها أجرت الولايات المتحدة التفجير النووي التجريبي الأول بعد تفجيري هيروشيما وناغازاكي. بعيداً عن التفاصيل، يهمني هنا القول إن التجربة حدثت في "بيكيني"، وهي جزيرة مرجانية صغيرة من مجموعة جزر مارشال غربي المحيط الهادي. كانت الجزيرة مأهولة، فتم نقل سكانها قليلي العدد، من موطن أجدادهم قبل الحدث، لتتمكن البحرية والجيش الأميركي من الاستعداد للاختبارات، مع وعد للسكان بأن النقل سيكون مؤقتاً، لكن التجربة وما تلاها من عشرات التجارب جعلت الجزيرة غير صالحة للعيش.

نُقل السكان إلى جزيرة "رونجريك" قليلة الموارد والأصغر مساحةً، ولم تكن مأهولة قبل وصول الوافدين الجدد. بعد سنوات وقبل موتهم من الجوع بسبب نقص الغذاء، تم نقلهم ثانية إلى جزر أخرى. اليوم وبعد أكثر من خمسة وسبعين عاماً على إفراغ الجزيرة، ما زال أبناء وأحفاد أولئك المهجرين قسراً، هائمين بين مختلف المناطق والدول. ينتظرون أن تخف الإشعاعات النووية من جزيرتهم، ليتمكنوا من العودة إليها. نجحت التجارب النووية الأميركية نجاحاً باهراً بحسب تقارير الأرشيف. أما سكان جزيرة بيكيني فكانوا مجرد أضرار جانبية.

آلاف السوريين ابتلعهم البحر الأبيض المتوسط خلال العقد الأخير، ما يكفي ليردع البقية عن المغامرة، ومع ذلك يتابعون هروبهم من موت محقق ولو على قيد الحياة في بلادهم، إلى احتمالية الموت مع أحلام النجاة والوصول إلى جنة سمعوا عنها ولم يعرفوها

في سوريا، هناك ما يعادل مخاطر الإشعاع النووي على حياة الناس. هناك ما يدفعهم لرمي أنفسهم على طريق الهجرات. على تلك الطرق يموت من يموت، أما المحظوظون فيصلون إلى وجهاتهم، بعد خوض مغامرة لن يغيب الموت عن تفاصيلها. مهما حاولنا، لن يسعفنا التاريخ بحالة مماثلة لما يحدث للسوريين في لبنان على سبيل المثال. تطالب السلطات، وحتى معظم المجتمع اللبناني للأسف، السوريين بالعودة إلى بلدهم، دون أن تلقى أي تجاوب طوعي على تلك المطالبات. سيكون على السلطات اعتقال السوريين لإعادتهم قسراً إلى وطنهم! وهذا ما يحدث مع الكثيرين. لم يسبق أن قرأنا أن مواطني دولة ما، يقاومون العودة لبلادهم ولا يرضخون إلا بالاعتقال!

لم يكن مركب اليونان الغارق هو الأول، وبالتأكيد لن يكون الأخير. آلاف السوريين ابتلعهم البحر الأبيض المتوسط خلال العقد الأخير، ما يكفي ليردع البقية عن المغامرة، ومع ذلك يتابعون هروبهم من موت محقق ولو على قيد الحياة في بلادهم، إلى احتمالية الموت مع أحلام النجاة والوصول إلى جنة سمعوا عنها ولم يعرفوها. جنة لا تعني أكثر من الحياة الطبيعية في أي بلد آخر لا تحكمه مافيا الإجرام والمخدرات التي تحكم سوريا. وهكذا إلى أن تغدو سوريا بلداً غير مأهول.

في مسرحية الرحابنة يقول غيبون الملك إن السكان هربوا حتى يسقطوه، ويردف: "لكن أنا اجتزت الأزمة وبقيت". أليس هذا هو لسان حال مافيا سوريا اليوم؟ مافيا تعتبر أنها قد تجاوزت الأزمة وانتصرت. وها هي تتابع خلق المناخ الملائم لطرد من تبقى من المواطنين، وليس بعيداً عن الواقع قول من ما زال هناك (لاحظوا، أن سوريا بالنسبة لي عندما أكتب، صارت "هناك") بأنهم يسيرون في الشوارع فلا يصادفون شبّاناً إلا في حالات نادرة، فمعظم هؤلاء "خبؤوا حريتهم بجيوبهم وهربوا" من ظلم غيبون.

بينما يجعل الرحابنة، برومانسيتهم المعهودة، الملك غيبون يرتدع عن ظلمه ويقرر تغيير كامل سياساته، فيعود الناس إلى وطنهم وهم يغنّون فرحين ليتسلموا مفاتيح بيوتهم من زاد الخير ناطورة المفاتيح، فإن غيبوننا الواقعي ما زال منذ اثنتي عشرة سنة وحتى اليوم يمارس التعذيب والقتل وقصف المدنيين والاعتقال والإخفاء القسري، فتفرّ الناس دون أن تلوي على مفاتيح بيوتها. يحدث هذا، وما زال المجتمع الدولي، والإقليمي خاصة، الذي يعرف كامل الحكاية وتفاصيلها، يعتبر موتنا أضراراً جانبية ضمن استراتيجياته للمنطقة.