عن جرائمَ "قد ترقى.."

تاريخ النشر: 19.05.2022 | 06:34 دمشق

"إذا كانوا معارضين للأسد، يعني نسكت على ظلمهم؟ أنا كمان من حقي أعرف مصير زوجي". بهذه العبارات حاولت سيدة سورية شرح مأساتها. كان الحديث بمناسبة متابعة العفو الذي أصدره الأسد قبل فترة وكانت نتيجته، حتى لحظة كتابة هذه المادة، إخلاء سبيل أقل من 500 معتقل. ثلاثُ سنواتٍ طرقت المرأة خلالها كلّ الأبواب، في سبيل معرفة مصير زوجها، بعد أن قامت "أمنيّة" هيئة تحرير الشام باعتقاله من منزله، أمامها وأمام أطفاله. ثلاث سنوات وهي تحاول، لكنها لم تتلقَّ أي ردّ بخصوص أسباب ومكان اعتقاله، ولا حتى مصيره.

بعد عقدٍ سوريٍّ مرير، لا يوجدُ حتى اليوم إحصاءٌ حقيقي ودقيق، لعدد المعتقلين والمختفين قسراً في سوريا، وجميعنا يعلم أن أرقام المنظمات الحقوقية، هي أقل بكثير من الأرقام الواقعية، بسبب صعوبة التثبّت والتوثيق. يفيد تقرير نشرته الشبكةُ السوريةُ لحقوق الإنسان في آذار/مارس 2022، بأن عدد المختفين قسراً على يد كافة الأطراف المتحاربة في سوريا 151462 إنساناً. يتصدَّرُ نظام الأسد اللائحة، حيث أخفى في سجونه ومعتقلاته 132667، بينهم 8069 امرأة، و3685 طفلا، بحسب التقرير.

بحسب أرقام الشبكة، بلغ عددُ المختفين على يدِ بقية الأطراف 18795 إنساناً، بينهم 1678 امرأةً و1435 طفلاً. فهل هذا رقم قليل؟

هذه النسبة البالغة 87.6٪ من الممارسات الإجرامية، تشرحُ لنا الأسباب التي دعت بعض السوريين، إلى تبنّي وجهةِ نظرٍ تنسبُ كلّ الجرائم لبشار الأسد ونظامه، حتى تلك التي تتعلّقُ بجريمة إخفاء آلاف السوريين، على يد باقي الجهات المسيطرة في سوريا. سوريون كثر يطعنون بمبدأ الأولويات هذا، فليس من المقبول أبداً، إمهالُ مجرمٍ وتتبُّعُ آخر، بذريعة فارق الأعداد ونسبة الوحشية بين الاثنين، ويستغربون وجود العديد من المنظمات، المنخرطة في ملف المعتقلين لدى نظام الأسد، في حين نرى، باستثناءات قليلة، غياباً شبه تام عن متابعة قضية آلافٍ آخرين من السوريين المختفين.

بحسب أرقام الشبكة، بلغ عددُ المختفين على يدِ بقية الأطراف 18795 إنساناً، بينهم 1678 امرأةً و1435 طفلاً. فهل هذا رقم قليل؟ نسبياً وقياساً بالمعتقلين في سجون الأسد، نعم، هو كذلك. ولكن لو أخذناه على حدة ودون مقارنات، فهو رقم مرعب، حتى إنه يتفوّق على كثير من أرقام المختفين لدى ديكتاتوريات دول أميركا اللاتينية خلال الفترات الأكثر ظلامية في القرن الماضي.

في المرتبة الثانية، بعد النظام، تأتي داعش، حيث بلغ عددُ السوريين، المختفين قسراً في سجونها ومعتقلاتها 8648 إنساناً، بحسب الشبكة، ويرتفع العددُ إلى 10000 حالة، بحسب تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" نُشرَ بتاريخ شباط/فبراير 2020: "لا يزال مجهولاً مصيرُ 10000 مواطن سوري، كان تنظيم داعش قد اختطفهم، رغم مرور عام تقريباً، على إعلان التحالف الدّولي هزيمة التنظيم الإرهابي". إذاً، ما هو مصير هؤلاء الضحايا بعد مرورِ أكثر من عامين على صدور التقرير، وثلاثة أعوام على إعلان (الانتصار الدوليّ)؟ لا جواب لدى أحد، حتى اليوم.

في شمال شرقي سوريا، وقبلها في عفرين، يؤكّد ناشطون سوريون، أن هناك تنسيقاً أمنياً بين قوات حزب الاتحاد الديمقراطي ونظام الأسد، وأنّ ما ستعرف بعد باسم "قسد" سلّمت، في فترات سابقة، معارضين كانوا بحوزتها، لمخابرات الأسد. بحسب بعض المعتقلين الذين خرجوا من سجون بشار الأسد، وأكدوا أنّ قسد هي من اعتقلتهم. بحسب تقرير الشبكة الأخير، فإن في سجون هذه القوات (الديمقراطية) جداً 4028 إنساناً تم إخفاؤهم قسراً، بينهم 709 نساء، و522 طفلاً. طبعاً نحن هنا لا نتحدّث عن عشرات آلاف المحتجزين في مخيمات شمال شرقي سوريا، بذريعة شبهة العلاقة مع داعش، من بينهم 40 ألف طفل، بحسب تقرير نشره المفوض السامي لحقوق الإنسان بتاريخ 14 أيلول/سبتمبر 2021.

يسيطر الجيش (الوطني) جداً، الذي يضم فصائل (معارضة)، على مناطق درع الفرات وغصن الزيتون. رغم أن قرار هذا (الجيش الوطني) وفصائله في قضايا الصراع والمواجهة مع نظام الأسد، ليس بيد قادته، لكن كان بيدهم الكثير مما يفعلونه بالسكان المحليين. وثقت الشبكة وجود 3783 حالة إخفاء قسري، بينها 875 امرأة، و361 طفلاً، ولا سبيل لتحديد مكان وأسباب اعتقال كل هذه الأعداد، في ظلّ وجود  كثير من مراكز الاحتجاز والمقارّ السرية الصغيرة التابعة لعشرات الفصائل العسكرية، ولعله من المفيد هنا الإشارة إلى أنّ كل فصيل لا يزال مستقلاً نسبياً بقراراته، وخصوصاً تلك التي تحمل طابعاً أمنياً.

لم تشذّ هيئة تحرير الشام عن مثيلاتها في المشهد السوري، ولماذا ستفعل؟ فبحسب التقرير تم توثيق وجود 2336 حالة إخفاء قسري، بينها 44 امرأة، و46 طفلاً. تختلف هيئة تحرير الشام عن باقي القوى المسيطرة، بالمركزية المطلقة للقرارات فيها، وبالسمة الإيديولوجية للكثير من الاتهامات التي قد تؤدي إلى اختفاء أي شخص، الرّدة، ونقض البيعة، والتحريض على الفجور، والعمالة للتحالف الدولي. بعض تلك التهم كفيلةٌ بإيصال أي إنسان لعتبة "القصاص" وهو الاسم الشرعيُّ لعقوبة الإعدام.

في الحالات التي تودي للقصاص، يستندُ القاضي "الشيخ" إلى المصدرين الأساسيين في التشريع الإسلامي، القرآن والسنّة. في هذه الحالات يصبح الحكم القضائي "حكم الله" المبرم، ولا يجرؤ أحد من أهل الضحايا على المطالبة باستئناف أو نقض، علماً أن القضاة يعتمدون التفاسير البشرية، وكثيراً ما يفاضلون بين المذاهب، لكن هذه الميزة لا يتمتع بها إلا الأمراء، الذين يصبحون الخصم والحكم. تحميهم أسماؤهم المستعارة، وأقنعةٌ تخفي ملامحهم بالكامل. في مثل هذا المناخ، حيث هوامشُ الجهات الأمنية أكثر اتساعاً، فإن معظم أهالي المفقودين يؤثرون عدم الاستفسار عن مصير أبنائهم وأحبتهم، خشية أن يتسبب إلحاحهم في إثارة غضب ولي أمرٍ ما، قد يكون بيده قرار الحياة والموت، مشفوعاً بقداسة الحكم بأمر الله.

هذا هو المشهدُ السوريُّ البالغُ التعقيد، والمتعدد القوى، والمتداخل المصالح، دولياً وإقليمياً وفصائلياً، هل بإمكاننا بعد كلّ هذا، أن نلتمس العذر لمن يصرّون على إخضاع كل الملفات للمتابعة؟ وعدم الاكتفاء بالدعاء للمختفين قسراً خارج دائرة الأسد. ليس بالأمر الهيّن وجودُ آلافٍ من السوريين في أقبية هؤلاء الظالمين. مع ذلك، بعضهم يعتبر أن كل سعي في هذا الملف، قبل سقوط نظام الأسد إضاعة للبوصلة، وعبثٌ بالهدف المركزي، وبأنّ أيّ عمل يبدّدُ الجهودَ يجب أن يؤجَّل، لما بعد سقوط الأسد!

من سوء أقدار السوريين خلال عشر سنوات أن الأسد لم يسقط بعد (الأقدار هنا تعبير مجازي)، فكيف يمكن التأجيل في قضية ترتبط بحياة آلاف المعذبين وحياة أسرهم؟ تعالوا، على سبيل الافتراض، لنتخيل أن أقل الأرقام الواردة في التقرير، كانت لأناس اعتقلوا في بلد آخر، وكان الحدث عنواناً رئيسياً لصحف عالمية معروفة "اعتقال 44 امرأة و46 طفلاً". هل كان أحد ما ليتجرأ بالحديث عن تأجيل المطالبة بهم؟

جريمة الاعتقال والإخفاء القسري في سوريا كارثة ممتدة، ولكن الكارثة الأكبر ستكون عند انكشاف هذا الملف بأرقامه الحقيقية

المكاييل والممارسات المختلّة للدول (العظمى)، هي أيضاً ساهمت وما زالت، في استدامة هذا الملف، بسبب إدارتها الظهر للمأساة السورية. حين تقتضي المصلحة فإن تلك الدول تتخذ القرارات الفائقة السرعة، تُعلَن التحالفات وتبدأ حروبها، فيحلّقُ الطيران متعدد الجنسيات، قاصفاً كل شيء دون أي حساب. أما حين يتعلق الأمر بخطر نظامٍ على شعبه كخطر نظام الأسد، فإن الأمر، للأمانة، يبقى في دائرة النقاش، لكن خارج دائرة أي فعل، في حين تتحول هذه الجغرافيا سنة إثر أخرى إلى قبرٍ. قبر كُتب على شاهدته بأحرف نافرة "هنا ترقد سوريا".

جريمة الاعتقال والإخفاء القسري في سوريا كارثة ممتدة، ولكن الكارثة الأكبر ستكون عند انكشاف هذا الملف بأرقامه الحقيقية، فيما لو انكشف يوماً ما. عندها ربما يرى قادة العالم والمسؤولون الأمميون، أنها كانت جريمة مكتملة الأركان ضد الإنسانية، وقعت تحت أنظارهم جميعاً، وهم يكررون طوال سنوات، ببلادةٍ وبرود، جملتهم المخزية: "جرائم قد ترقى..".

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار