علمانية ماكرون وتديّن العقل الشرقي المفترض

2022.02.12 | 05:23 دمشق

1200x675_cmsv2_4a0a1178-6fe9-59c2-9e29-cdbe9be9eaf9-6446474.jpg
+A
حجم الخط
-A

أتحفنا الرئيس الفرنسي ماكرون قبل أيام باستعراضه سياسة فرنسا بدعم مدارس مسيحيّي الشرق، أمام حشد ضمّ مئة وخمسين مدعوّاً في قصر الإليزيه من المدافعين عن الأقليّة المسيحية هناك. وقال ماكرون في كلمته: "إنّ دعم مسيحيّي الشرق هو التزام عَلمانيّ لفرنسا ومهمّة تاريخية". وليس فيما ذهب إليه ماكرون من جديد يشذّ عن سياسة فرنسا الاستعمارية، فتلك السياسة تجلّت داخلياً بأقصى درجات محاربة الكنيسة، ومنعت على الدين ليس فقط العمل في السياسة، بل أقصته من الفضاء العام الاجتماعي أيضاً، بينما أرسلت البعثات التبشيرية إلى لبنان وسوريا وإفريقيا، وحيثما حلّت قواتها العسكرية منذ قرنين ونيّف، وفتحت الإرساليات والمدارس الدينية حيثما استطاعت.

فرنسا العلمانية التي اعترفت في دستورها الأول عام 1791 بعد الثورة بحريّة العقيدة والرأي والدين، اضطهدت الكهنة الذين رفضوا أداء قَسَمِ الولاء لدستور الكهنوت المدني، فأصبح من رفض منهم هذا القَسَم لما يُخالف ضميره شريداً طريداً، وكانوا وقتها بالآلاف، هي ذاتها فرنسا العلمانية التي استعملت الدين لتحقيق اختراقٍ مجتمعي في دول الشرق وإفريقيا، وهي ذاتها التي يرى رئيسها الحالي أنّ دعم مسيحيّي الشرق التزام عَلماني لفرنسا.

اختصر هانوتو المشكلة المعرفية في العالم الشرقي بأنّه مسلم، واعتبر أنّ الإسلام بحدّ ذاته سبب تأخّر المشرق

بالعودة قرناً من الزمان في التاريخ، نجد الخطاب السياسي الذي رافق الاستعمار الغربي الحديث لبلادنا قد تجلّى بأوضح صوره في مقالة وزير الشؤون الخارجية الفرنسية غابرييل هانوتو عن الإسلام، والتي استدعت من الشيخ محمد عبده الردّ عليه بمقالة مطوّلة. في تلك المقالة اختصر هانوتو المشكلة المعرفية في العالم الشرقي بأنّه مسلم، واعتبر أنّ الإسلام بحدّ ذاته سبب تأخّر المشرق لأنّه – حسب فهمه له والنابع من قراءته للمدرسة الحروفية الموغلة في التصلّب – يضع فاصلاً كاملاً بين الله والإنسان، وبالتالي يصبح المسلم بلا فعالية وغير قادرٍ على اكتساب المعرفة الإلهية، بينما في المسيحية يتشخّص الله، وبالتالي ليس هناك فارق جوهري بين الله والإنسان، وبالتالي فالإنسان هنا في المسيحية يكتسب فعالية حلولية قادرة على الوصول والأخذ من المعرفة الكلية الإلهية.

يرى الدكتور نصر حامد أبو زيد رحمه الله، أنّ الغرب العلماني الذي فصل العلاقة ما بين الدين والدولة، وبالتالي أبعده من مضمار قياس التقدم والتخلف باعتبارهما من قوانين علم الاجتماع، هو ذاته الذي يتهمنا بالتخلّف لأننا مسلمون. لكننا في دفاعنا عن الذات ضدّ هذا الخطاب، وقعنا في جُبِّ التسليم بالفرضية، فكانت استجابتنا ضمن حدّين، أولهما يقول إنّ الدين الإسلامي ليس سبباً للتخلّف، بل سوء فهمه وتفسيره وتأويله، وهو منهج الشيخ محمد عبده ورفاقه من التنويريين بإعادة قراءة الإسلام. بينما كان الحدّ الثاني من الاستجابة يقول إنّ ابتعادنا عن الإسلام القديم، أي النظرة السلفية للإسلام، هو السبب في تأخّرنا، وهذا هو مشروع سيد قطب ورفاقه.

يعود الدكتور نصر إلى فكر المعتزلة، فيرى أنّه كان ينظر إلى عقل الإنسان باعتباره أحد تجليات العقل الكلي، فقد رأى المعتزلةُ أنّ النبع المعرفي للعقل الإنساني هو المعرفة الإلهية المطلقة، التي تتحوّل إلى معرفة إنسانية نسبية من خلال عقل الإنسان المحدود، فإذا كان هذا العقل نشطاً فإنّه سيستطيع التجلّي بإشعاع المعرفة الكلية، أمّا إن كان كسولاً خاملاً، فإنّه سيعجز عن الأخذ بناصية النور المعرفي الإلهي. ويرى الدكتور نصر أنّ بعض اتجاهات الفكر الإشراقي تتوافق مع الفكر المعتزلي، فهي ترى أنّ الإنسان واحد في كلّ زمان ومكان، ومرجعيته المعرفية واحدة أيضاً، بغضّ النظر عن الدين واللون والعرق والقومية.

لقد كان العقل عند المعتزلة أبعد ما يكون عن العنصرية، وقد تجلّى هذا البعد برائعة ابن طفيل (حيّ بن يقظان)، التي يصفها الدكتور نصر بأنها تجسيد أنا العقل الخالص، القادر على معانقة العقل المطلق بغضّ النظر عن الزمان والمكان والثقافة والدين واللغة والجنس. لا يمكن من خلال قراءة حيّ بن يقظان تمييز بطل الجزيرة المهجورة، ما إن كان ذكراً أم أنثى، حرّاً أم عبداً، غنيّاً أم فقيراً.

على العكس من ذلك، طبعت العنصرية البغيضة في مرحلة متأخرة من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر النظرة الأوروبية للعقل، تلك النظرة التي رأت في عقل الرجل الأبيض عقلاً قادراً على اكتساب المعرفة دون غيره من البشر الهمجيين. لقد تساوقت هذه النظرة الغربية آنذاك للعقل - حسب تعبير الدكتور نصر - مع المشروع الاستعماري الأوروبي. ونحن نرى أنها جاءت بجزء منها ثمرة لتأثّر الفكر الغربي بتطوّر العلوم الطبيعية مثل الفيزياء والميكانيكا وعلوم التشريح، وتأثّرت كثيراً بالاتجاهات البيولوجية في تفسير السلوك الاجتماعي للبشر، فقد سادت في تلك الفترة ذاتها نظريات التمييز بين البشر على أساس قياس حجم جمجمتهم، مثل نظرية لومبروزو في علم الإجرام.

لم يأت ماكرون بما يخالف كثيراً سابقيه من سياسيين ومفكرين، فنحن الشرقيين بالنسبة لهم محكومون بالدين وقواعده وبالتديّن وأنماطه

وبالعودة إلى التزامات فرنسا العلمانية ومهمتها التاريخية حسب رئيسها ماكرون، نجدها نتيجة طبيعية للسياق الذي تطوّر فيه العقل الغربي في نظرته للشرق وأهله. لم يأت ماكرون بما يخالف كثيراً سابقيه من سياسيين ومفكرين، فنحن الشرقيين بالنسبة لهم محكومون بالدين وقواعده وبالتديّن وأنماطه، وهي فقط ما تنظم علاقتنا ببعضنا بعضا، وما تحكم مجتمعاتنا، وليس لنا بشكل أو بآخر أيّ علاقة بالقوانين الاجتماعية التي تنطبق على الغرب وتتبخّر في الشرق. إنها علمانيّة ماكرون الفرنسي مقابل دين الشرق المفترض وتديّنه النمطي، وما المسيحية التي استنفر لدعمها في الشرق المسلم الغارق في التخلّف، إلا واجهة للاستعلاء العنصري الذي لم يخفه الرجلُ يوماً منذ بات رئيساً تُسلّط عليه الأضواء بحكم منصبه.