طريق الحرير..كيف ستستفيد الصين اقتصادياً من وجود إيران في سوريا؟

تاريخ النشر: 21.10.2018 | 17:10 دمشق

آخر تحديث: 28.01.2020 | 18:21 دمشق

راني جابر - تلفزيون سوريا

سعت إيران منذ تسلمها لمفاصل النظام في سوريا مطلع الألفية الثانية بشكل مكثف وبإصرار كبير للوصول إلى البحر المتوسط؛ عبر السيطرة على الطريق البري الذي ينطلق من غرب إيران ويمر بالعراق وبعدها سوريا، وصولاً إلى الساحل السوري، وتماهى معها النظام منذ بداية مشروعها هذا، الذي انطلق فعلياً قبل عدة سنوات من بداية الحرب في سوريا، ووصل مرحلة متقدمة مؤخراً، حيث أعلن وزير مواصلات النظام منذ أسابيع أن النظام وإيران بصدد العمل لتنفيذ ربط سككي يشمل سوريا حتى إيران مروراً بالعراق!، وهو أمر ينظر إليه معظم المهتمين بالشأن السوري نظرة محلية-إقليمية محدودة، ما تسبب بالكثير من النقص في تحليل هذا الاندفاع الإيراني للوصول إلى المتوسط، الذي يعزوه الكثير لخلفيات تاريخية ولرغبة توسعية فقط، ما أعطى نظرة منقوصة للمشهد في سوريا.

شريانان لإيران نحو المتوسط

المساعي الإيرانية للسيطرة على الطريق البرية في سوريا والعراق تتمثل في محورين يشكلان الخط البري الواصل بين إيران والمتوسط، الشمالي منها يمر عبر كردستان العراق وصولاً إلى شمالي سوريا فحلب فالساحل السوري، والشريان الجنوبي، يمر عبر وسط العراق والأنبار وصولاً إلى الصحراء السورية عبر معبر البوكمال  ثم حمص والساحل السوري، لكن مع تطور الوضع في شمال شرق سوريا وانتشار القواعد الأمريكية، وتركز السيطرة الإيرانية غربي الفرات، أصبحت إيران أكثر تركيزاً على الخط المار بالأنبار فالصحراء السورية، إضافة لاستمرار علاقتها بالأكراد شمالاً، والتي تكثفت وزادت وتيرة التنسيق فيها، خاصة في المعارك المشتركة التي دعم فيها الحشد الشيعي المقاد إيرانياً "قسد" المُسيرة أمريكياً شرق دير الزور.

فالسيطرة على هذا الخط تعني الكثير لإيران، وتعني حصولها على موطئ قدم على المتوسط، حيث تصل أنابيب نفط كانت تنقل نفط العراق وسوريا قبل الغزو الأمريكي 2003، وستستطيع إيران استخدام هذه الأنابيب وتزيد عليها لنقل نفطها ونفط العراق وسوريا، ما يعني حرفياً تهديد قدرات دول الخليج في قطاع النفط وتشكيل بديل يخفض تأثير إغلاقها لمضيقي باب المندب وباب السلام بوجه نفط هذه الدول، ومنافستها بشكل كبير وصولاً لخنقها اقتصادياً؛ عبر إغراق السوق الأوروبية بنفط منهوب من سوريا والعراق ونفط إيران.

كما ستستثمر إيران هذا الخط في نقل منتجاتها المختلفة من كافة أنواع المخدرات والأسلحة والميليشيات، التي تسعى لتوسيع رقعة سيطرتها في إفريقيا الوسطى والغربية، ودعم ارتباطها بعصابات المخدرات في أمريكا اللاتينية وأوروبا.. لكن تلك ليست كل الحكاية.

"طريق الحرير".. أضخم مشروع في تاريخ البشرية!

السبب الأكثر تأثيراً في شغف إيران في بالوصول إلى المتوسط حالياً هو مشروع "طريق الحرير" الصيني، ويعتبر أحد أضخم المشاريع في تاريخ البشرية، ويتألف من مجموعة من الخطوط البرية والبحرية تبنيها الصين في عدة دول، تحاكي في مسارها مسار طريق الحرير التاريخي، وهدفها الوصول إلى قلب أوروبا مروراً بوسط آسيا والشرق الأوسط، كما يوجد فرع بحري له يمر عبر بحر الصين والمحيط الهندي ومضيق باب المندب وإثيوبيا ثم قناة السويس ثم المتوسط فأوروبا.

 

طريق الحرير التاريخي

 

تتجاوز تكلفة هذا الخط ترليوناً من الدولارات (أي ألف مليار من الدولارات الأمريكية)، ما يجعله أحد أكبر المشاريع التي تنفذها دولة خارج حدودها في التاريخ.

 يتوقع أن يغير هذا المشروع العملاق الكثير في الاقتصاد العالمي، وشكل وخريطة توزع نفوذ القوى العظمى عبر القارات الخمس، عبر تمكين الصين من توريد البضائع بشكل أسرع وأرخص من ذي قبل، ما سيصعب المنافسة في الكثير من المجالات ويسمح للصين بتجاوز آثار الضرائب الأمريكية التي فرضت أخيراً ويمكنها من السيطرة على قطاعات اقتصادية كاملة، ووضع قدمها على مشارف خطوط ومصادر الطاقة العالمية التي تمر وتتوضع بمحاذاة الخط البري الذي تبنيه.

حيث أعلن الرئيس الصيني "شي جينغ بين" في 2017  أن بلاده عقدت اتفاقيات مختلفة مع 65 دولة أوروبية وآسيوية وأفريقية بينها إيران، لإنشاء ممرات وموانئ وطرق ومحطات طاقة وجميع متطلبات البنية التحتية للمشروع، لكي ترتبط وتكون جزءاً من هذا الطريق الذي سيربطها سياسياً واقتصاديا بالصين، تمهيداً لمرور البضائع الصينية عبر هذا الطريق البري-البحري، والذي سيعني تخلص الصين من الكثير من مشاكل النقل البحري التي كانت تصادفها، وسيطرتها السياسية والاقتصادية على شريان يمتد عبر آسيا كلها.

ويمتد المشروع والذي تسميه الصين "حزام واحد طريق واحد" من قلب الصين والكثير من المناطق الصناعية غرب البلاد، مروراً بكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمنستان وباكستان وأوزبكستان، ثم إيران فتركيا واليونان وصولاً إلى قلب أوروبا ويمر كذلك بموسكو الروسية.

 

طريق الحرير حالياً

 

كما تشير الكثير من الأحداث والتصريحات أن الطريق الذي تسيطر عليه إيران في سوريا والعراق يعتبر امتداداً له إلى المتوسط، وهو الأمر الذي يجعل من الموانئ السورية منفذاً إضافياً للصين على شمالي أفريقيا، وطريقاً بديلاً للطريق البحري الذي يمتد عبر بحر الصين فالمحيط الهندي والبحر الأحمر ثم البحر المتوسط وصولاً إلى أوروبا وشمالي أفريقيا.

حيث صرح وزير النقل التابع للنظام السوري "علي حمود" نهاية آب الماضي أن الربط السككي بين سوريا والعراق وإيران من ضمن الأولويات التي تعمل عليها الوزارة، مضيفاً أن الربط مع إيران عبر العراق يتطلب إنشاء 32 كيلومتراً فقط من خطوط السكك الحديدية في الأراضي العراقية للاتصال بخط سكة البصرة المرتبطة مع بغداد وكربلاء والكاظمية وشمال العراق ومنها إلى سوريا، وهو ما يؤكّد الدور الصيني في المشروع، خاصة أنه يوجد ربط بري عبر الطرق الإسفلتية سواء عبر البوكمال والتنف وغيرها، لكن الربط السككي مهم لتدفق البضائع بشكل رخيص، وهو ما تعتمد عليه الصين في مشروعها العملاق.

كذلك يمكن القول إن عملية فتح معبر نصيب أخيراً لها شكل من أشكال الارتباط مع هذا المشروع، فمعبر نصيب هو منفذ هذا الخط على الأردن ثم دول الخليج إضافة لمصر برياً، ويوجد عدة مشاريع نقل في المنطقة قيد الدراسة والتنفيذ، ما يجعل معبر نصيب مهماً في حال ربط الخط بأفريقيا عبر الأردن برياً.

غطاء صيني

إيران مع نظام الأسد يعولان كثيراً على هذا المشروع لأسباب تتعلق بالمنح المالية والقروض الضخمة بمليارات الدولارات، والاستثمارات الهائلة التي تقدمها الصين للدول المنخرطة فيه يطمع بها النظام وإيران بشدة، فهي تعتبر رشاوى ويشوبها الكثير من الفساد، خاصة أنها موجهة بشكل أساسي لإنشاء مشروعات البنية التحتية من طرق وجسور ومحطات كهرباء، إضافة للعائدات المالية التي ستأتيهم من مرور بضائع بمئات مليارات الدولارات وهو أمر يثير شهية العديد من الأنظمة، وهي كذلك تعطي للنظام في سوريا اعترافاً سياسياً وأهمية اقتصادية، وسوف يروج أنها جزء من المساهمة الصينية في عملية إعادة الإعمار، فهو بسعيه للانخراط في هذا المشروع فقد أصبح تحت عباءة قوة جديدة هي الصين الطامحة للتمدد غرباً، والتي تستخدم اليوم إيران في العراق وسوريا من أجل تأمين المناطق التي يمتد فيها هذا الخط البري وتجنب الظهور المباشر في المشهد، مستفيدة من أحد أكبر الحلفاء العسكريين للصين في المنطقة، ما يعني في حال استطاعت إيران والصين تمريره عبر سوريا فإن المنطقة قد أصبحت فعلياً محتلة من الروس والأمريكان والصينيين والإيرانيين!، ما قد يسرع من عجلة ضخ الاستثمارات الأوروبية في عملية إعادة الإعمار المفترضة، والتي تمثل في الواقع إعادة تمويل نظام الأسد بحجة محو آثار الحرب السورية.

قواعد عسكرية

جميع التحليلات الاقتصادية والسياسية المتعلقة بطريق الحرير الصيني تؤكد أن هدفه اقتصادي أولاً لمنع انهيار الاقتصاد الصيني، فقد وصل مرحلة التخمة ونهاية مشروعات البنية التحتية وهو بحاجة لتصريف الكثير من المنتجات في هذا القطاع، أو يتسبب الكساد المتوقع بانهيار اقتصاد الصين الذي وصل معدلات غير مسبوقة في المديونية، ويتعرض لضغط أمريكي كبير بعد إقرار المزيد من الضرائب على الصلب، وفي الوقت ذاته هدفه سياسي استراتيجي، يتمثل في السيطرة السياسية غير المباشرة، وصولاً لنشر قواعد عسكرية في المنطقة للسيطرة العسكرية المباشرة ما يعني عملياً الانتقال من مرحلة الهيمنة الاقتصادية إلى الهيمنة العسكرية سواء المباشرة وغير المباشرة بالاحتلال أو الاتفاقيات لنشر القواعد العسكرية والتسلح.

 ولعل القاعدة الصينية بالقرب من مدينة جيبوتي التي تستثمر الصين في مينائها، مثال حي على هذه الأمر، فميناء "دوراليه" في جيبوتي يعتبر محط اهتمام الصين وهو جزء من الخط البحري ويشكل امتداداً للطريق البري الذي بنته الصين في باكستان وصولاً لميناء "جوادر"، المرتبط بالخط البحري بميناء جيبوتي، ما يعني أن الوقت لن يطول حتى تبدأ القواعد العسكرية الصينية بالظهور في سوريا بشكل علني، وخاصة في المناطق التي تعتبر حساسة ومفتاحية مثل الساحل السوري، وربما دير الزور شرق البلاد وحتى حمص.

غطاء إيراني لاحتلال صيني

المشروع الصيني في المنطقة ما يزال في مراحله الأولى، وهي بحاجة بعد لكثير من العمل بهدف السيطرة على المنطقة بدعم وغطاء إيراني، فإيران تعتبر مستورداً مهما للكثير من التكنولوجيا العسكرية من الصين، وهي حليفة مهمة لها في الشرق الأوسط، وتحصل الصين على نسبة معتبرة من النفط الذي تنتجه إيران، وهي بالمقابل تدفع الفاتورة السياسية والعسكرية للمساهمة في تنفيذ هذا المشروع، ففي حال استطاعت الصين تمكين أقدامها في الشرق الأوسط فسوف يصبح النفوذان الروسي والأمريكي على المحك، خاصة أن الصين تعمل بهدوء وتستفيد من التجربتين الأمريكية والروسية بتجنب الانزلاق المباشر عسكرياً في المنطقة وتفضل السيطرة الناعمة والعمل من خلف قوى ذات امتدادات ومشاريع محلية، ولذلك فهي تستخدم إيران كغطاء وواجهة تستخدمها لتمرير مشروعها، فهي تدرك أنها غير مؤهلة بعد للصدام مع الأمريكان في الشرق الأقصى ولا الأوسط، وتريد تأخير المواجهة والصدام لأبعد أمد ممكن، حتى تؤسس نفسها بهدوء وتبني لنفسها شبكة من القواعد الاقتصادية العسكرية، وتجعل من طريق الحرير الناعم الذي تبنيه حزاماً نارياً، تسيطر به على المنطقة والاقتصاد العالمي ككل.

مقالات مقترحة
المطاعم السورية تعود لاستقبال روّادها في غازي عنتاب والوالي يحذر
كورونا.. استعداد لخطة الطوارئ في مناطق سيطرة النظام
تحذير أميركي من استخدام عقار مضاد للطفيليات لعلاج فيروس كورونا