سيرة بطل من بلدي: رفعت خليل أبو النصر بل أبو النصريْن

تاريخ النشر: 31.08.2021 | 06:23 دمشق

آخر تحديث: 31.08.2021 | 06:25 دمشق

"خليكم إيد وحدة"، هذه ليست مجرد نصيحة، بل وصية، وضمن آخر كلمات قيلت قبل أن يُسلم صاحبها الروح إلى بارئها في آخر معاركه، شهيدا جميلا هو الملازم أول الُمنشق رفعت خليل. ورغم أن إصابته لم تمنحه أن يقول الكثير إلا أنه استدرك هامسا في أذن صديقه الذي لم يفارقه، الممرض الرقيب المنشق، عبد الرزاق طيار، قائلا: "إذا معكم طلقات لا تخبوها في المستودع".

أكتب والغصة تعتصر الفؤاد، عن بطل من أبطال الثورة السورية، الشاب الذي لم يتجاوز عامه الرابع والعشرين، وكان أول ضابط منشق التقيته حينها في تل رفعت، دقائق فقط وتلمس فيه قلبا طيبا، وعفويا، وخلقا رفيعا، وحماسا متقدا، وشخصية عسكرية فذة. يحدث أن يجمّل النّاس سيرة أحدهم وخصوصا في أيام الثورة الأولى، لكن الرجل كان أجمل وأجلّ مما سمعت، يحوّطه الناس في الريف الشمالي بحب واحترام كبيريْن.

أبو الانتصارات

هو الملازم أول رفعت خليل، وُلد في بلدة تمانعة الغاب بريف حماة، لقبه رفاقه، "أبو النصر"، لأنه كان يقودهم من نصر إلى نصر. تخرج الشهيد أبو النصر من الكلية الحربية، اختصاص مشاة، وفُرز مدربا في المدرسة الفنية الجوية في مدينة حلب.

وبعد أقل من عامين، اشتعلت في جنبات سوريا ثورتها الماجدة، وبدأت فكرة الانشقاق تراود بطلنا الشهيد منذ البداية، وخصوصا بعد أن زج الأسد بالجيش في قمع وقتل الناس.

كانت أول محاولة للانشقاق في شهر أيلول/ سبتمبر عام ٢٠١١، إذ لم يلتحق حينها بالخدمة بعد نهاية العطلة الأسبوعية، لكن لم يكن بعد قد أمن عائلته من عواقب الانشقاق، ورغم ذلك بدا واضحا موقفه وخصوصا للقلة القليلة من حوله، ما زرع الشك عند ضابط أمن المدرسة العقيد حسن حسنو، الذي وضع الملازم رفعت تحت المراقبة.

 وروي لي، أن شهيدنا الشاب أبو النصر، دبر له ضابط الأمن مكيدة، وأخفى بندقية من محرس الطوارئ، وحمّل الشهيد أبو النصر المسؤولية، وعليه حُوّل إلى فرع المخابرات الجوية بحلب، ومنه إلى سجن صيدنايا، وظل فيه لأشهر قبل أن يُخلي سبيله.

وفي بداية آذار / مارس، عام ٢٠١٢ تواصل الشهيد أبو النصر مع أحد أقاربه وهو المساعد مصطفى، ويُعرف بالروسي، وكان قد سبقه بالانشقاق من مطار منغ العسكري برفقة نحو ثلاثين شخصا من صف الضباط والأفراد، في أكبر عملية انشقاق جماعي في ذلك الوقت.

أفلحت المساعدة، وانشق الملازم أول رفعت خليل، أبو النصر، ووصل سالما إلى مدينة تل رفعت مع عتاده الكامل، ومن هناك أعلن انشقاقه، ليكون أول ضابط من المنطقة يفعلها، وسط فرحة وتهليل الناس.

وروى لي الإعلامي أسامة حدبة (خطاب) الذي كان ملاصقا له "عندما رأيته لحظة وصوله حاملا سلاحه تراءى لي أسدا هصورا على أهبة الاستعداد للفتك بأعدائه، والانقضاض عليهم، عليه هيبة القائد الرصين، الذي يحظى باحترام الجميع وإعجابهم من اللحظة الأولى".

البدايات

فور وصوله إلى تل رفعت، بدأ على الفور الشهيد أبو النصر بالعمل، واتصل بمعظم قادة مجموعات الثوار، وأذكر منهم، أيمن عليطو (الرهوان)، الشهيد يوسف الدج (الصياد)، الشهيد عبد الكريم حسن عليطو، الشهيد عبد الملك حدبة (إسلام)، وشقيقه الشهيد عبد الحكيم حدبة (بيهس)، الشهيد أيهم عكيدي (هاشم الحر)، القناص المنشق عن القوات الخاصة في جيش النظام فيصل عكيدي (أبو زياد).

ولأنها كانت الوسيلة الوحيدة المتاحة آنذاك، شكل الشهيد أبو النصر كتيبة "المثنى بن حارثة " وضمت بين صفوفها ثوارا من أبناء المنطقة وأفرادا منشقين. كان أبعد ما يكون عن العمل العسكري الارتجالي الذي كان سائدا، معتمدا على خطط رصينة قائمة على الاستطلاع والرصد ورسم محاور الهجوم، وكذلك تضمنت خرائطه خطط الانسحاب وعمليات إخلاء المصابين، في تخطيط متكامل لم يألفه حينها كثير من قادة الفصائل.

نجاحاته العسكرية في المعارك التي يصر على أن يتقدم فيها على أفراد كتيبته دفعت كثيرا من سكان المنطقة والوجهاء وبعض القادة الذهاب إليه ووضع إمكانياتهم تحت تصرفه في ثقة قل نظيرها.

اللقاء الأول

لم تمض سوى دقائق على لقائنا، بادرني على الفور بسؤال: ما هي خطتك سيدي؟، ولم أفاجأ لكون الرجل عسكريا عمليا، فأجبته: لا بد من تشكيل مجلس عسكري ثوري موحد، يقوده ضباط محترفون، وفق تسلسل قيادي واضح، يساعد بشكل مرن في تنظيم وقيادة مختلف المجموعات والفصائل.

ولم يخف الملازم الشهيد حماسه لهذه الفكرة، فهو رجل عسكري تواق للعمل المنظم الذي لابد منه وخصوصا في ظل فارق القوة بيننا وبين جيش الأسد.

آراء حاسمة

الشهيد أبو النصر، كان له رأي مسموع حاسم، ومهما كان مرفوضا أو مستغربا، لكن ظل يتمسك برأيه طالما ارتكز على رأي عسكري صائب، لا يسمح للعواطف والاندفاع أن تؤثر عليه، معتمدا على أمريْن، التخطيط الاستراتيجي، وسلامة الأفراد الذين يقودهم بمعنى عدم الدخول في معارك خاسرة سلفا.

ومن ذلك، كان الشهيد من أكثر المعارضين لفكرة دخول حلب، وكان رأيه مثل أغلب الضباط المنشقين، وهو تحرير القطعات العسكرية المحيطة بالمدينة، وتأمين الريف، ثم تحرير حلب.

وكذلك، أزمة التعامل مع اجتياح قوات النظام الواسع للريف الشمالي في نيسان / إبريل ٢٠١٢، حيث اجتمع حينها جميع قادة الريف الشمالي، في منزل أبو صبري السكران في تل رفعت، لتدارس الأوضاع.

وكان الجميع حينها متحمسا لصد الاقتحام، ومنهم من طلب "المبايعة على الموت"، وكان الشهيد أبو النصر آخر المتكلمين، وقال: "إن تل رفعت في قلبي بمنزلة مسقط رأسي التمانعة، وأهلها أهلي، وترابها غال، لكن إذا دخلنا هذه المعركة التي يطلبها النظام فإن ذلك سيؤدي إلى انكسار من غير رجعة ونهاية الثورة في الريف، وذلك بناء على معلوماتنا المتوفرة من متعاونين معنا لدى النظام، فالرتل يضم ٤ آلاف جندي مدعمين بمئات الشبيحة من حلب ونبل والزهراء، ومئات الآليات والمدرعات".

وفند أبو النصر بشكل منطقي كل ما قيل في الاجتماعات، ورأى أبو النصر، أن يُترك النظام ليصل إلى وضعية معينة، تسمح أن يواجه الثوار الجيش بحرب عصابات، وهذا ما حدث.

ما إن استرخى الجيش معتقدا أنه أنجز المهمة، وفي نفس اليوم الذي غادر بعضه، بدأ التخطيط لاقتحام مبنى الأمن العسكري في إعزاز بمشاركة مجموعات عسكرية من كل أرياف حلب، وإلى جانب أبو النصر كان علاء أوسو (النقيب نمر)، الذي استشهد في تلك المعركة، وشقيقه الشهيد حمزة أوسو، وكان له الدور المهم في قيادة تلك المعركة التي توجت بتحرير مدينة اعزاز وطرد النظام منها بتاريخ 19 تموز 2012.

ملاحم وبطولات

شارك الشهيد أبو النصر في كل معارك ريف حلب الشمالي، مقاتلا وأخا للمقاتلين، وقائدا، ومن رفاقه أذكر، الشهيد حج عمور أوسو، الشهيد عادل قرندل الملقب بالشيشاني، الأخوان الشهيدان عبد اللطيف أسعد الصن، رأفت أسعد الصن، الشهيد نورس درباس، أبو هاني الصياد، إعلامي الكتيبة (هكور)، قائد لواء الفتح رضوان يحيى قرندل، وشقيقه الشهيد أسامة، المقدم جهاد الأحمد، الشهيد الملازم أول أبو الحارث، أبو العباس، حسين حراج، الشهيد خالد قرندل (أبو الخير) وكثير غيرهم من الأبطال، يا ليت مقالي يتسع ليتشرف بذكرهم.

وأهم المعارك التي شارك فيها الشهيد أبو النصر، معركة التصدي لاقتحام بلدة حريتان برفقة الشهيد عبد القادر الصالح، في العاشر من شهر حزيران 2012، ومعركة تحرير حاجز عندان في 29 تموز 2012، التي قادها بنجاح، وضرب العديد من حواجز النظام ومخافره، وأذاق أرتال النظام على الأوتوستراد الدولي الموت (السم) الزعاف.

ولطالما حلم أبو النصر باقتحام كتيبة الصواريخ في حندارات، واغتنام الأسلحة والذخيرة الموجودة فيها، وخاصة الرشاشات المتوسطة 23 وكان عددها ستة، ورشاشات 14.5، ليستخدمها في تحرير مطار منغ العسكري، وكلية المشاة.

ولأجل ذلك لبس كلابية وعقالا وركب الجرار الزراعي، وحرث الأراضي حول الكتيبة، تحت حر الشمس الشديد مستطلعا كل ما فيها من عناصر وسلاح وحركة الجنود، وتوقيت استراحتهم، ومكان مهاجعهم ومقر القيادة.

قرر القائد الشاب أن يكون موعد العملية الساعة الثانية عشرا ظهرا في وقت الحر الشديد، وقت استراحة العناصر واسترخائهم، وخاصة رماة الرشاشات 23.

ورغم الخطة المحكمة إلا أن تعثر أحد القناصين، مركز ثقل الخطة، خرجت عدة طلقات قبل تمركز المقاتلين في أماكنهم، فتنبه عناصر الكتيبة وأسرعوا إلى الرشاشات والدبابات، واضطر لإعطاء أمر الانسحاب تحت وابل كثيف من القصف الشديد، من دون أي إصابات في صفوف المهاجمين، ولم يكتب للعملية النجاح.

لكن إصراره، دفعه إلى وضع خطة جديدة، وفي نفس يوم السيطرة على حاجز عندان في 29\تموز\2012، تم الإعلان عن ولادة تشكيل عسكري جديد تحت مسمى لواء الفتح، ضم خيرة الثوار المشهود لهم في المنطقة، وكان الإجماع أن يكون أبو النصر قائداً عسكرياً له.

على الفور بدأ بالتخطيط مرة ثانية لاقتحام الكتيبة، وعندما أعطى الأمر لسائق الدبابة بالتوجه إلى باب الكتيبة وتدميره، فوجئ بأن سائق الدبابة أخبره بأن المنظار الليلي معطل وبالتالي لا يستطيع تنفيذ المهمة، وهنا ظهرت خبرة القائد وحنكته، وأرسل على الفور لإحضار زجاجات العصير والبنزين وبدأ بتصنيع عبوات الملاتوف بنفسه، والزحف إلى زاوية المزرعة المطلة على الباب الرئيسي، ورميها لتشتعل أمام الباب الرئيسي، مضيئة المكان، وأعطى الأمر لرامي الدبابة أن يرمي خلف النار ب 200 متر، وأصبح يرصد ويصحح الرمي، لأنه الأقرب إلى الكتيبة من الجميع.

استمرت الاشتباكات حتى الفجر، مع إسناد جوي غير مسبوق للنظام، واستخدام كثيف للطيران الحربي، لكن مع شروق الشمس، بات الاستمرار في المعركة مستحيلا.

ارتقى في تلك المعركة عدد من الثوار منهم الشاب الكردي مصطفى يوسف الحاج موسى الملقب (حجي قباسين)، الذي كان أول المقتحمين الذي تجاوز الساتر الترابي مع مجموعته، وبقي جثمانه الطاهر في أرض المعركة، لتحيك قناة الدنيا حوله الأكاذيب أنه مرتزق ليبي.

 الموت وقوفاً

قبل الانسحاب تنبه لرامي رشاش 23 كان متخفياً بين الأشجار كان له دور كبير في مقتل العديد من الثوار، وحاول تحييده لكن رصاصة الرشاش قد أدركته.

وهو في لحظاته الدنيوية الأخيرة، نطق بالشهادتين، وبكى رفقاه من حوله، وهو في حالة من اللاوعي، صرخ بهم، وأعطى توجيهات لاستكمال المعركة، وسط ذهول من حوله، وكان منهم الممرض عبد الرزاق طيارة، والسائق أبو فؤاد بلاو، وأبو حميد دوشكا الحموي، وقيس خليل (أبو صخر)، وعند وصوله إلى مشفى مدينة كلس التركية وهو على النقالة كان يقرأ بصوته العذب آيات من سورة آل عمران "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل" وبعد أسبوع من وجوده في المشفى وفي التاسع من شهر آب 2012، توفاه الله، وتم تشيعه بموكب مهيب من تل رفعت ليواري الثرى في قرية كفر عويد في جبل الزاوية.

بكته حلب وريفها بشيبها وشبابها، برجالها ونسائها، إنه الشاب البطل العفيف النزيه ذو الدين والخلق، الذي سيخلد اسمه في سجل الخالدين، أبطال الثورة وسوريا، ممن طوى في فترة قليلة، ولادتيْن، حين غادر الجيش منحازا إلى طلّاب الحرية والكرامة، وحين غادر الدنيا مقاتلا مقداما حمّلنا إرثا ووصية، اليوم أو غدا، من تمسك بها، كان له النصر، هو صاحب ولادتيْن، ودرسيْن، هو أبو النصر، بل أبو النصريْن، في حياته ومماته، له الرحمة والقبول والخلود.

توقعات باجتياح متحور "أوميكرون" العالم خلال 6 أشهر
عبر سيدة قادمة من جنوب أفريقيا.. الإمارات تسجّل أول إصابة بـ "أوميكرون"
تسجيل أول إصابة بالمتحور "أوميكرون" في الولايات المتحدة الأميركية
فيصل المقداد: لولا علاقتنا مع إيران لكانت الأوضاع ملتهبة في الوطن العربي
بين عالَمين
الرحلة الجوية الأولى لـ "أجنحة الشام" بين مطاري دمشق وأبو ظبي