سؤال الشرعية بين إسرائيل والدول العربية

2023.04.16 | 06:00 دمشق

سؤال الشرعية بين إسرائيل والدول العربية
+A
حجم الخط
-A

تحدث ماكس فيبر عن ثلاثة أنواع من الشرعية تغطّي أنماط الحكم القديمة والحديثة، وما زال التقسيم الفيبري هو التقسيم الأفضل على الإطلاق فيما يخص أنظمة الحكم.

أولاً، شرعية الكاريزما: وهي شرعية بدائية ناتجة عن قوة القائد وصفاته الشخصية، كانت تسود في القبائل البدائية ومازالت سائدة في أنظمتنا وتنظيماتنا، (مثل حال أسامة بن لادن مع تنظيم القاعدة أو البغدادي مع داعش فيما يخص التنظيمات، وحال جميع قادة الدول الديكتاتورية فيما يخص الأنظمة)، فكاريزما القائد وبطولاته وهيمنته وقوته الخطابية وتأثيره العاطفي أو الديني (السلاح دائماً في غاية الأهمية ولكنه لا يكفي وحده) هي العناصر الأهم لتلك الشرعية، لكن ذلك النمط لا يصنع دولاً بالمعنى الحديث للكلمة؛ أي دولاً لمواطنيها، ولا يوجد فيه مكان للمؤسسات الدستورية والقانونية، بل يصنع ديكتاتوريات مركزية يتعلق فيها مصير الناس جميعهم بمصير وقرارات القائد، وفي تجربتنا العربية نجد أن مصير صدّام حسين أو القذافي أو الأسدين كان قد تم ربطه سلفاً وبالقوة بمصير دولهم، وكان حاسماً في تدمير تلك الدول عندما تعرّض القادة كأفراد لتحديات جدية هزّت عروشهم أو أسقطتها.

ليس للمواطنين حقوق سياسية تجعلهم متساوين مع الملك سياسياً وقانونياً، بل إن مصيرهم مُلكٌ لسلطة الملك

ثانياً، شرعية العادات والتقاليد، وهي شرعية نجدها في الممالك العربية، حيث تم توارث العادات والتقاليد التي تجعل الحكم مملوكاً من قبل عشيرة أو قبيلة معينة، وتم تقديس تلك التقاليد ورموزها، وأصبح زعيم تلك العشيرة هو ملك الدولة. لكن تلك الشرعية القديمة؛ أي ما قبل الدولة، لا تصلح لأن يكون في الدولة مواطنين بل رعايا عند الملك. ليس للمواطنين حقوق سياسية تجعلهم متساوين مع الملك سياسياً وقانونياً، بل إن مصيرهم مُلكٌ لسلطة الملك. وفي هذا النوع من الشرعية ليس هناك تمايز وانفصال بين المنصب والشخص الذي يحتله، وهذا يجعل تراتبية المناصب هي تراتبية للأشخاص أنفسهم، ويجعل المنصب ليس مكاناً يتداوله أفراد متساوين، بل يجعله مكاناً لعلية القوم، المنصب هو الشخص، والطاعة تصبح للشخص نفسه وليس لمنصبه فقط.

يختلط النوعان السابقان من الشرعية في الممالك و"الجمهوريات" العربية، ففي سوريا مثلاً تم توريث الحكم كأنه عادة وتقليد، وفي السعودية تلعب شخصية الحاكم الجديد دوراً كاريزمياً.

ثالثاً، الشرعية المؤسسية: وهي شرعية تقوم على قواعد حكم عقلانية وكفاءة تتأسس على التزام السلطة والمجتمع بواجبات وحقوق محددة قانونياً. يتم الفصل الكامل في هذا النوع من الشرعية بين المكتب أو المنصب، وبين الشخص الذي يحتل ذلك المنصب أو يجلس خلف ذلك المكتب. وفي هذا النوع أيضاً يتم تحديد مجال اختصاص شاغل الوظيفة بوضوح من خلال لوائح مكتوبة، كما يجب أن تشكّل المناصب أو المكاتب هيكلاً هرمياً واضحاً يتم فيه تحديد علاقات التبعية بين المناصب؛ وليس بين الأشخاص، بشكل واضح كتابياً، أي في دستور قانوني. ويسمي فيبر هذا النوع من الشرعية بالعقلانية القانونية أو "rational-legal" لأن الطاعة تكون فيها غير شخصية، أي طاعة للنظام وليس للأشخاص، وشرعية الأوامر هنا تأتي من الإيمان المتبادل بكفاءة النظام والمشروعية "اللاشخصية" للسلطة الهرمية.

المهم في الشرعية المؤسسية هو المكتب ذاته وليس من يجلس خلفه، المنصب ذاته وليس من يحتله، ولا يهم من هو الشخص الذي يأخذ المنصب طالما أنه ملتزم بالقواعد العامة واللاشخصية التي تحلّ محل الامتيازات والحظوة التي تفتح باب الفساد من الهرم إلى القاعدة في الأنظمة المحكومة بشرعية الكاريزما وشرعية التقاليد.

ضمن تلك المعايير الموضوعة أعلاه واستناداً للشرعية المؤسسية العقلانية في الدولة الحديثة، علينا إجراء تمييز مركّب بين "شرعية الأنظمة" و"شرعية الدولة" في كل من إسرائيل والدول العربية:

في إسرائيل النظام شرعي تماماً، بل هو أكثر شرعية من جميع الأنظمة العربية، حيث يستمد تلك الشرعية من المؤسسات الدستورية والأحزاب والانتخابات الديمقراطية التي تسمح للجميع بالمشاركة (وأقصد بالجميع، جميع مواطني إسرائيل). ولكن في إسرائيل، الدولة هي غير الشرعية، لأنها دولة احتلال مُعلن (سوريا بالمقابل هي منذ أكثر من عقد "دولة موت مُعلن"). وهذا على العكس تماماً مما هو الواقع في الدول العربية، فالدولة العربية هي دولة شرعية بالكامل، لأنها لم تجلب الأغلبية العظمى من مواطنيها من جميع أنحاء الأرض ليسكنوا أراضي الدولة ويعيشوا داخل حدودها الجغرافية كما هو حال إسرائيل، بل إنه حتى عندما رُسمت حدود الدولة العربية، فقد بقي السكان الذين على أرض الدولة في أرضهم. كما أن البشر الذين يسكنون داخل تلك الحدود ليسوا مهاجرين ولا محتلين ولا مستوطنين، وهذا على العكس من إسرائيل.

إذاً وبالمعنى الحديث للكلمة، الدولة شرعية والنظام غير شرعي أبداً في الدولة العربية، بينما الدولة غير شرعية والنظام شرعي بالكامل في إسرائيل.

إن انعدام شرعية الدولة في إسرائيل يعطي شرعية للأنظمة العربية غير الشرعية، والعكس صحيح، أي أن انعدام شرعية الأنظمة العربية يعطي شرعية لدولة إسرائيل، حتى لو ادعى أي نظام عربي عكس ذلك، أو حتى لو لم يقصد إعطاءها الشرعية.

إسرائيل تستخدم في إضفاء الشرعية على دولتها مجموعة أساطير وخرافات وميثولوجيا غارقة في التاريخ قد تعود إلى السبي البابلي وهجرة العبرانيين من مصر، وذلك للتغطية على احتلالها للدولة. والأنظمة العربية تستخدم أساطير وميثولوجيا وخرافات مماثلة لتضفي الشرعية على أنظمتها وممالكها غير الشرعية، فقد يستخدم الملوك سلالاتهم التي يدّعون عودتها للرسول محمد، أو يضفي الرؤساء صفات أسطورية على الزعيم وخرافات وهُراء حول صفاته وذكائه وبطولاته ورجولته ليضفوا شرعية على رئيس أخذ السلطة بقوة السلاح، أو ورّث حكم الجمهورية لابنه، وكل ذلك للتغطية على احتلالهم للسلطة الموازي لاحتلال إسرائيل للدولة.

الخلط بين الدولة والنظام في كل من إسرائيل والدول العربية هو إشكالية كبرى تخلق العديد من سوء التفاهمات والعداوات، إن كان بين مثقفين يضعون العداء لإسرائيل كأولوية بينما يسكتون عن ديكتاتورية الأنظمة، وآخرون يعكسون الآية لتصبح الديمقراطية أولاً بينما قضية فلسطين والاحتلال الإسرائيلي ثانياً، أو بين جمهور يميل إلى إحدى وجهتي الخلاف، وأحياناً يصبح ذلك الخلاف خلافاً بين شعوب لديها الكثير من المشتركات. فكل فرد عربي يحلم بأن يكون مواطناً لديه حقوق المواطن في إسرائيل، وأن يكون لديه نظام شرعي ديمقراطي ومنظمات دستورية مثل حال الإسرائيلي. لكن نعتقد أيضاً، أن كل مواطن إسرائيلي لديه حلم أن يكون في دولة شرعية، ويشعر بأنها دولته فعلاً، مثلما هو الحال في الدول العربية. ونتيجة للوضع القائم فإنه من الطبيعي أن لا تهتم ولا تشك إسرائيل ولو للحظة واحدة في شرعية نظامها أمام العالم الديمقراطي وغير الديمقراطي، وطبيعي ألا تقلق أبداً في هذا الخصوص على الرغم من قلقها الدائم على شرعية الدولة وحدودها ومستوطناتها. وبالمقابل، من الطبيعي أن تستقوي الأنظمة العربية بشرعية دولها، ولا تجزع أبداً من أي تشكيك في تلك الشرعية، مقابل قلقها الدائم على شرعية نظامها السياسي أمام الداخل والخارج معاً، ومن الطبيعي أخيراً ألا تتوقف أنظمتنا عن خلط النظام بالدولة وكأنهما شيءٌ واحد لكي تغطي عبر الشرعية الحقيقية للدولة، على لا شرعية النظام السياسي الذي لم ينتخبه أحد من مواطني الدولة ديمقراطياً.

شرعية النظام السياسي في إسرائيل لا يمكنها التغطية على لا شرعية الدولة إلى ما لا نهاية، فتلك الدولة ستبقى شرعيتها منزوعة ومخلخلة وغير مستقرة طالما أنها دولة احتلال

لابد من الخروج من حال الضياع والبلبلة، تلك الحال الذي ولَّدت أوهامه الأنظمة العربية التي لم تعنها يوماً قضية الشعب الفلسطيني، بينما ولّدت حقائقه أو وقائعه؛ المفروضة بالقوة، إسرائيل المتفوّقة عسكرياً على جميع الأنظمة العربية. فشرعية الدولة العربية لا تساوي شيئاً أمام تحويل أراضي الدولة إلى مقابر لساكنيها ومكاناً غير صالح للعيش والتطور، وبالمقابل، فإن شرعية النظام السياسي في إسرائيل لا يمكنها التغطية على لاشرعية الدولة إلى ما لا نهاية، فتلك الدولة ستبقى شرعيتها منزوعة ومخلخلة وغير مستقرة طالما أنها دولة احتلال، لا تعترف بحق الفلسطينيين في دولتهم من جهة، ولا تندمج معهم في دولة مواطنة واحدة لجميع مواطنيها العرب واليهود؛ وليست دولة يهودية كما هي حالها اليوم، من الجهة الأخرى.

ليس هناك مخرج لشعوب المنطقة، سواء كانوا عرباً أم يهوداً أم غيرهم، إن لم يتم الفصل بين شرعية النظام وشرعية الدولة. وبالتالي إن لم يحصل الفلسطينيون على حقوق مواطنة كاملة في دولتهم، وإن لم يحصل مواطنو الدول العربية على أنظمة ديمقراطية، ولن يؤدي استمرار الحال الراهن إلا إلى تحوّل النظام الإسرائيلي المتصاعد نحو الديكتاتورية، مقابل تحوّل الدول العربية المتصاعد إلى مقابر أو دول فاشلة.