روسيا و"الرواية الملفقة"في سوريا

تاريخ النشر: 22.04.2018 | 11:04 دمشق

فوجئت كما فوجئ الكثير من السوريين كيف أن روسيا استغلت منصة مجلس الأمن لترداد معلومات ليس مغلوطة عن الضربة الكيماوية الأخيرة في الغوطة الشرقية، وإنما مجرد أكاذيب وتلفيقات، لقد ردد المندوب الروسي الذي استغرق في التفاصيل مجموعة من التلفيقات التي تجعل أي مراقب يشعر بالصدمة كيف أن دولة تعتبر نفسها عظمى وتحتل عضوا دائماً في مجلس الأمن بناء على ذلك، تردد مجموعة من الأكاذيب التي اختلقتها بالكامل ولا تخضع نفسها أو مسؤوليها لميزان الحقيقة والمصداقية.

والحقيقة أن هناك درجات من المعلومات المغلوطة إلى عدم قول الحقيقة كاملة إلى الكذب وأعلاها بالتأكيد التلفيق، وصلت البروبوغاندا الروسية إلى هذا المستوى الأخير بسرعة وبشكل يشعر بالاستفزاز والغضب، إذ كيف يمكن مواجهة هذه الأكاذيب والمغلوطات بحق سورية إذا كان مندوب النظام السوري الذي ما زال يحتل موقع سورية يردد الأكاذيب ذاتها وعلى المستوى نفسه إنما ليس بالبراعة الروسية التي تدخل في التفاصيل، إذ ما زال المندوب السوري فذاً في غبائه عند ترديد الشعارات وقول الشعر بأخطاء لغوية لا حصر لها، ولذلك فإن دعايته لا ترقى لوصف البروبوغاندا، إنها أحط من ذلك بكثير.

تريد منا أن نصدق أن عشرات الضحايا ليس لهم وجود

لكن، الخطورة في الدعاية الروسية هي  أنها تطلب من العالم تصديقها وتجبر مؤسسات الأمم المتحدة أن تأخذ روايتها الكاذبة على محمل الجد، لقد ذكر المندوب الروسي مجموعة من الأسماء والأماكن لم يتمكن من لفظها لكنه يعتقد أنها تلفيقات يفترض بالعالم وبنا نحن السوريين تصديقها، الرواية الروسية هذه كانت تحدٍ كبيراً للعالم هذه المرة لأنها نفت استخدام الكيماوي بالمطلق ونفت وجود الضحايا بالمطلق، إنها تحد كبير لها لأن عليها أن تمحو كل الأدلة وتزيل من الوجود كل الضحايا وكل شهود العيان، ولا أدري من صاحب الفكرة العبقرية في البروبوغاندا الروسية من أشار بهذا الاقتراح ولم يرددوا الأكاذيب السابقة في اتهام المعارضة في استخدام السلاح الكيماوي ضد مجتمعها وجمهورها.

هذه المرة تقدمت البروبوغاندا الروسية مرة أكثر تقدما في الاستخفاف بالمجتمع الدولي وبالسوريين بشكل رئيسي، تريد منا أن نصدق أن عشرات الضحايا ليس لهم وجود، تريد منا أن نصدق أن عشرات الفيديوهات التي ظهرت على الانترنت بشكل عفوي وتلقائي ويستحيل تلفيقها بهذه البراعة قد تم فبركتها بشكل كامل من قبل "عصابات" الخوذ البيضاء. وأنها مع المعارضة السورية "الإرهابية" استخدمت حسابات وهمية أو حقيقية ذكر المندوب الروسي بعضها من على منصة مجلس الأمن، وإنها استغلت مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك والتويتر وانستغرام لنشر هذه الفيديوهات الملفقة بالكامل.

كان وينر قد عرف وسائل الإعلام الاجتماعي بأنها تمكن من تحويل كميات هائلة من المعلومات الإلكترونية. وأنها تسمح لعدد لا محدود من المستخدمين للوصول إلى المعلومات وفقا لتفضيلاتهم ومتطلباتهم. وبالتالي، يمكن أن يتجاوز الحدود التي يمليها موضوع معين. أما بيرجر فقد عرف وسائل التواصل الاجتماعي بأنها "وسائل الإعلام للتفاعل الاجتماعي، باستخدام تقنيات الاتصال التي يمكن الوصول إليها بشكل كبير وقابلة للتوسيع، مثل استخدام التكنولوجيات المتنقلة على شبكة الإنترنت، لتحويل التواصل إلى حوار تفاعلي"

النظام السوري كما روسيا يخافون من الحقيقة ويخافون أكثر من انتشار الحقيقة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي

ولما كان معظم الناس اليوم يستخدم شبكات التواصل الاجتماعية الإلكترونية حيث يمكنك إنشاء صفحة خاصة بك على مواقع مختلفة كما تمكنك من إرسال الرسائل والصور وغيرها من الأشياء للناس على قائمة "الأصدقاء" الخاصة بك. كما أعلن مؤسس شركة الفيسبوك مارك زكربيرك العام الماضي أن هناك أكثر من مليار شخص يستخدمون الفيسبوك في واحدة من أكبر شبكات الربط الاجتماعي. أما آخر شبكة اجتماعية إلكترونية والتي بدأت تتصاعد شعبيتها بشكل كبير خلال الحملات الرئاسية الأمريكية بالرغم من مشاكلها الاقتصادية فهي التويتر. وهي عبارة عن تدوينات مصغرة لا تتجاوز 240 حرفا. كما يمكن مشاركة الصور ومقاطع الفيديو مع المتابعين. ومن خلال متابعة التغريدات في بلد ما يمكننا معرفة المواضيع الأكثر شعبية التي تتم مشاركتها ومناقشتها على التويتر. كما تذكر الإحصاءات الرسمية لشركة تويتر فهناك 2.5 مليار تغريدة كل يومين ونصف، وقد أصبح قادة العالم ونجوم الفن والسياسة وغيرهم يعبرون عن مواقفهم السياسية من خلال التويتر الذي أصبح بمثابة منتدى مفتوح للنقاش السياسي والاجتماعي. من أهم تأثير وسائل التواصل الاجتماعي هذه هي سرعة نقل الأحداث الإخبارية. ونقلها بشكل أفقي لعدد هائل من الأشخاص يقبعون في مناطق مختلفة من العالم.

إذا أدركنا هذه الحقائق عن وسائل التواصل الاجتماعي ندرك أن إمكانية أن "تلفق" المعارضة السورية عشرات الفيديوهات والصور لواقعة استخدام السلاح الكيماوي هي أقرب للصفر أو القول إنها من محض الخيال.

إذ يمكن للهواتف الذكية التقاط الفيديو ونشره على الفور وإيصاله لعدد غير محدود من المتلقين خلال فترة وجيزة للغاية، وهذا ما جرى بالضبط خلال كل المجازر التي ترتكب ضد المدنيين في سورية ونفس الشي ينطبق على واقعة الكيماوي في الغوطة. لقد أصبح لاستخدام تويتر وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي تأثير كبير على المجتمعات التي غالبا ما يكون الحصول على المعلومات المفتوحة فيها محدودا أو ما يطلق عليه بالمجتمعات المغلقة كما هي حال المجتمع السوري في المناطق التي ما زال يسيطر عليها النظام.

النظام السوري كما روسيا يخافون من الحقيقة ويخافون أكثر من انتشار الحقيقة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وبالرغم من أن روسيا تستخدم وسائل التواصل هذه بكثافة من أجل بث دعايتها المسمومة وأخبارها الملفقة فإن إيماننا وإخلاصنا للحقيقة يجب أن يدفعنا دوماً إلى اعتبارها كمبدأ رئيسي خلال نشرنا أو كتابتنا للأخبار، لأن الحقيقة دوماً صديق الضحية وأن المجرم دوماً يخاف النور كما الحقيقة ويحاول طمسها بكل ما يستطيع وهو ما لن تستطيع روسيا القيام بد أبدا مع ملايين المستخدمين من وسائل التواصل الاجتماعي من السوريين حنى ولو استغلت أقوى منبر في العالم وهو منصة مجلس الأمن التي من المؤسف أن تصبح منبراً لترداد الأكاذيب والأخبار المزية والملفقة .